الغرب يرفض «كذبة» روسيا حيال «القنبلة القذرة» ويحذّرها من التصعيد

واشنطن تستفهم «الخط الأحمر» لموسكو... والاستخبارات ترى فرصة 6 أسابيع أمام كييف

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع وزير دفاعه سيرغي شويغو في أغسطس الماضي (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع وزير دفاعه سيرغي شويغو في أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

الغرب يرفض «كذبة» روسيا حيال «القنبلة القذرة» ويحذّرها من التصعيد

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع وزير دفاعه سيرغي شويغو في أغسطس الماضي (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع وزير دفاعه سيرغي شويغو في أغسطس الماضي (أ.ب)

رفض الدبلوماسيون الكبار في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في بيان مشترك «نادر» أصدروه ليل الأحد - الاثنين، ما وصفوه بأنه «ادعاءات كاذبة» أطلقها وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن استعدادات في أوكرانيا لاستخدام «قنبلة قذرة» على أراضيها، محذّرين من أن روسيا تسعى إلى «ذريعة» كهذه لتصعيد الحرب.
وأصدرت الحكومات الثلاث، وهي من أقوى الحلفاء للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، هذا البيان على أثر اتصالات منفصلة أجريت بين وزير الدفاع الروسي ونظرائه الأميركي لويد أوستن والبريطاني بن والاس والفرنسي سيباستيان ليكورنو. وعبر خلالها شويغو عن «قلق» موسكو من «استعدادات نهائية» تجريها كييف لاستخدام «القنبلة القذرة»، وهي تُستخدم لنشر مواد مشعة عبر متفجرات تقليدية. وكرر الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف هذه الادعاءات على رغم رفض المسؤولين الغربيين لها.
ووزعت وزارة الخارجية الأميركية البيان المشترك لوزراء الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والبريطاني جيمس كليفيرلي والفرنسية كاترين كولونا الذين كرروا «دعمنا الثابت لسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها في مواجهة العدوان الروسي المستمر»، مؤكدين أنهم سيظلون «ملتزمين مواصلة دعم جهود أوكرانيا للدفاع عن أراضيها لأطول فترة ممكنة».
وإذ أشاروا إلى المحادثات الهاتفية بين وزراء دفاع دولهم مع وزير الدفاع الروسي «بناء على طلبه»، أوضحوا أنهم «جميعاً نرفض ادعاءات روسيا الكاذبة بشكل واضح؛ إذ تتهم أوكرانيا بالاستعداد لاستخدام قنبلة قذرة على أراضيها الخاصة». وقالوا إن «العالم قادر على كشف حقيقة أي محاولة لاستخدام هذه المزاعم كذريعة للتصعيد، ونحن نرفض أي ذريعة تستخدمها روسيا للتصعيد». وكذلك، ناقش وزراء الخارجية «عزمهم المشترك على مواصلة دعم أوكرانيا والشعب الأوكراني بالمساعدات الأمنية والاقتصادية والإنسانية بوجه الحرب العدوانية الوحشية التي يشنها الرئيس (الروسي فلاديمير) بوتين على بلادهم».
وكذلك، كررت الناطقة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أدريان واتسون رفض الولايات المتحدة لـ«ادعاءات شويغو الكاذبة بشكل واضح».

راية كاذبة؟
وخلال اتصال مع نظيره الأميركي، وصف وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا تصريحات المسؤولين الروس بأنها «أكاذيب». وقال بلينكن في بيان منفصل، إنه يرفض «مزاعم شويغو الكاذبة بشكل واضح»، معبراً عن ثقته في أن «العالم سيرى من خلال أي محاولة من جانب روسيا لاستخدام هذا الادعاء كذريعة للتصعيد».
وتعليقاً على الاتصالات التي أجراها شويغو مع المسؤولين الغربيين، قال الرئيس الأوكراني، إنه «عندما ينظم وزير الدفاع الروسي حلقة دائرية عبر الهاتف ويتصل بوزراء الخارجية لإبلاغهم قصصاً حول ما يسمى بالقنبلة النووية القذرة، فإن الجميع يفهمون كل شيء جيداً. يفهمون من هو مصدر كل شيء قذر يمكن تخيله في هذه الحرب»، مضيفاً أن الادعاءات الروسية تعني شيئاً واحداً: أعدت روسيا بالفعل كل هذا».
ووصفت الصحافة الأميركية تحذير روسيا من القنابل القذرة بأنه الأحدث من عملية «راية كاذبة» محتملة، علماً بأن روسيا ادعت سابقاً أن أوكرانيا تصنع أسلحة بيولوجية بدعم من الولايات المتحدة، وهو ادعاء أثار تحذيرات من احتمال استخدام روسيا لمثل هذه الأسلحة في الحرب.
ونظراً إلى خطورة الاتهامات الروسية الجديدة، قال وزير الدفاع البريطاني في بيان منفصل، إن روسيا اتهمت حلفاء أوكرانيا، بما في ذلك بريطانيا، بالتخطيط «لتصعيد الصراع في أوكرانيا». وإذ نفى هذه الادعاءات، حذر من أن «مثل هذه الادعاءات لا ينبغي أن تستخدم كذريعة لمزيد من التصعيد».
وأفادت وزارة القوات المسلحة الفرنسية، بأن شويغو أبلغ نظيره سيباستيان ليكورنو، أن «الوضع في أوكرانيا يتدهور بسرعة ويتجه نحو تصعيد لا يمكن السيطرة عليه».
«الخط الأحمر» الروسي

وبعد ثمانية أشهر من الحرب، تجد روسيا نفسها في موقف ضعيف، إذ تكافح للحفاظ على الأراضي التي احتلتها في حربها البرية. وانتقلت إلى الضربات الصاروخية التي دمرت ولا تزال تدمر أهدافاً مدنية بعيداً عن الجبهات. كما يواجه الرئيس الروسي قلقاً متزايداً في الداخل في شأن طريقة تعامل جيشه مع الحرب. وعلى هذه الخلفية، أثار بوتين شبح استخدام الأسلحة النووية، في احتمال مرعب لم يقلق الأميركيين منذ نهاية الحرب الباردة، للمحافظة على مكاسبه التي تتقلص في أوكرانيا. وحذر الرئيس الأميركي جو بايدن من أن الحرب في أوكرانيا يمكن أن تتحول إلى «هرمجدون» (معركة كبرى) نووية، لكن البيت الأبيض أكد أن الولايات المتحدة لم تر أي إشارات على أن روسيا تستعد عمليا لاستخدام أسلحة نووية.
وقال مسؤولون أميركيون، إن وزير الدفاع أوستن تحادث مع شويغو الأحد للمرة الثانية في ثلاثة أيام، في اتصال كان هدفه «تحديد الخطوط الحمر التي يمكن أن تستفز روسيا لشن هجوم نووي على أوكرانيا». ونقلت صحيفة «النيويورك تايمز» عن اثنين من المسؤولين، أن هذا كان يهدف إلى التوضيح لإدارة بايدن سبب إثارة بوتين بشكل مطرد احتمال توجيه ضربة نووية في أوكرانيا. وأضافت الصحيفة، أنه مع خسارة قواته للأرض، سعى بوتين إلى تصوير الأراضي في أوكرانيا التي ضمها بشكل غير قانوني كجزء من «روسيا الأم»، معتبراً أن أي هجوم تدعمه الولايات المتحدة داخل تلك المناطق سينظر إليه على أنه هجوم على الوطن الروسي.

ستة أسابيع
إلى ذلك، قدّرت الاستخبارات الأميركية أن الفرصة المثلى للجيش الأوكراني لتحقيق مكاسب ضد القوات الروسية ستستمر لمدة ستة أسابيع أخرى، وفقاً لما نقله موقع «ستراتفور» الاستخباري، مضيفاً أن أهمية هذه التقييمات بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين «تكمن في أنها تجعله يعتقد أن الوقت في صالحه، فيركز قواته على العمليات الدفاعية والعمل على استقرار جبهة الحرب خلال الأشهر المقبلة قبل أن تتهيأ الظروف من جديد لشن هجمات كبرى». وأوضح، أن «العوامل التي ستزيد من تعقيد التقدم الأوكراني بعد الإطار الزمني لستة أسابيع في زيادة الطقس الغائم والممطر؛ مما سيعوق صور الأقمار الصناعية وحركة المركبات. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تساقط أوراق الشجر هذا الشتاء سيفقد تجمعات القوات التي كانت تحجبها الأشجار غطاءها الطبيعي، وفضلاً عن ذلك سيصل المزيد من الجنود الروس الذين تتم تعبئتهم وتدريبهم حالياً إلى خط المواجهة في أوكرانيا». ورأى، أن «تركيز أوكرانيا سينصبّ في المستقبل المنظور على منطقة خيرسون، حيث تتزايد التكهنات بأن قواتها هناك يمكن أن تستعيد الأراضي حتى نهر دنيبر في وقت أقرب مما كان متوقعاً بعد إعلان القوات الروسية الموجودة بالمنطقة أنها ستجلي المدنيين من هذه المدينة». وأضافت، أنه «إذا استعادت أوكرانيا السيطرة على خيرسون، سيفتح ذلك أمامها الباب للتقدم جنوباً نحو شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014، وسيمثل ذلك نكسة سياسية كبيرة للحكومة الروسية».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟