أفريقيا في انتظار النهضة الموعودة

«الشرق الأوسط» تجول في القارة التي تستنزف الديون الخارجية مواردها... ومعدلات الجوع تبلغ مستويات قياسية

مظاهرة احتجاجية ضد تداعيات التغير المناخي في كينشاسا في 23 سبتمبر (أ.ف.ب)
مظاهرة احتجاجية ضد تداعيات التغير المناخي في كينشاسا في 23 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا في انتظار النهضة الموعودة

مظاهرة احتجاجية ضد تداعيات التغير المناخي في كينشاسا في 23 سبتمبر (أ.ف.ب)
مظاهرة احتجاجية ضد تداعيات التغير المناخي في كينشاسا في 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

(خاص)
على الضفة الشرقية لنهر الكونغو الهادر تقوم مدينة كينشاسا، ثالث أكبر عاصمة في أفريقيا بعد القاهرة ولاغوس، وأحد العناوين الرئيسية للنهضة الأفريقية الموعودة منذ عقود، والتي تبدو اليوم بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى فيما ترزح تحت وطأة مديونية هائلة واعتماد مفرط على الخارج وجفاف مزمن في شرايين الاقتصاد الإنتاجي.
مطالع هذا القرن، كانت الكونغو تجسّد الآمال الكبرى المعقودة على القارة الأفريقية بعد أن بدت النزاعات الدموية صفحة من الماضي، وعادت معدلات النمو الاقتصادي تتجاوز 5 في المائة سنوياً، فيما كانت المواد الخام تتدفّق بوفرة لتلبية الاحتياجات المتنامية في أسواق الصين وتركيا والهند والبرازيل، والاستثمارات الخارجية تعود لتمويل البنى التحتية والقطاعات الإنتاجية وتحديثها. في موازاة ذلك، كانت القوى الإقليمية الكبرى، مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبلدان المغرب العربي، تدفع بقاطرة القارة السمراء نحو آفاق غير مسبوقة من النمو الموعود. لكن ما لبث أن استقرّ ذلك التفاؤل في المخيّلة الجماعية، حتى اصطدم بواقع يكاد يكون قدرياً في هذه القارة: النمو الاقتصادي لم يخفف من وطأة الفقر الذي استمر في الانتشار، وعادت الرياح تنفخ في جمر الصراعات والنزاعات المسلحة، فيما كانت تداعيات تغيّر المناخ تستنزف الموارد وتقضي على العديد من الفرص الإنمائية، قبل أن يأتي زلزال الجائحة، وبعده الحرب في أوكرانيا، ليكشفا مدى هشاشة هذه القارة المكبّلة باعتمادها على المصادر الخارجية رغم الموارد الهائلة التي تزخر بها.
يقول ديمبا ديمبيليه، رئيس المعهد الأفريقي للبحوث والتعاون، إن ذلك النمو الاقتصادي لم تستفد منه سوى حفنة ضئيلة من رجال الأعمال الذين أودعوا أرباحهم في المصارف الأميركية والأوروبية، وإنه كان في الواقع أقرب إلى السراب إذ كان ثمرة عوامل خارجية مثل خفض الديون الخارجية بمبادرة من مجموعة الدول الصناعية أواخر تسعينات القرن الماضي، فضلاً عن بعض التحولات الإيجابية على الساحة الدولية، في الوقت الذي بقيت البنى التحتية تعاني من المشاكل نفسها، والمخاطر المالية تحطم أرقاماً قياسية، بينما القطاع الزراعي يسجّل أدنى المستويات الإنتاجية في العالم.
ومع ظهور جائحة «كوفيد-19» التي، رغم تداعياتها الصحية المعتدلة نسبياً في أفريقيا، دخل اقتصاد القارة لأول مرة منذ عقدين في مرحلة من الانكماش العميق، حيث تراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 5.6 في المائة ليشكّل، وفقاً لبيانات المؤسسات المالية الدولية، 4.7 في المائة فقط من إجمالي الناتج العالمي، وهو أدنى مستوى منذ مطالع القرن الحالي. في غضون ذلك، كان إنتاج المراكز الصناعية الأفريقية الكبرى يتراجع بنسبة 7.2 في المائة، بينما كانت تقارير البنك الدولي تفيد بالتحاق 29 مليون أفريقي إضافي بقوافل الفقر المدقع، وأن القارة تحتاج لفترة لا تقلّ عن خمس سنوات لاستعادة معدلات النمو السابقة.
ورغم أن تداعيات الجائحة عمّت العالم بأسره، فإن القارة الأفريقية انفردت بثلاث ميزات عن الأقاليم الأخرى: أولاً، أنها انعزلت عن الخارج بسبب سوء المواصلات الجوية فيما حال عدم وجود شبكات تجارية وطيدة دون التواصل البيني داخل القارة. ثانياً، عدم قدرة الحكومات الأفريقية على اتّخاذ تدابير نقدية لتحفيز الاقتصاد للتخفيف من حدة الجمود الإنتاجي كما فعلت جميع الدول الغربية تقريباً. وثالثاً، ضخامة القطاع الاقتصادي غير المنظم التي حالت دون اعتماد إجراءات فاعلة للحماية الاجتماعية.
إلى جانب ذلك، كانت الديون الخارجية تواصل استنزاف موارد البلدان الأفريقية التي تخصص حوالي 30 في المائة (في بعض البلدان تصل هذه النسبة إلى 60 في المائة) من موازناتها لجدولة هذه الديون المستحقة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبعض الحكومات الأجنبية، مثل الصين، والمصارف الخاصة. وقد فشلت المحاولات التي بذلها بعض القادة الأفريقيين لإقناع الدول الغنية بشطب الديون الخارجية للقارة التي لم تحصل سوى على 5 في المائة من المساعدات الطارئة لصندوق النقد، وبقيت وحدها معزولة في مواجهة الأزمة.
لكن التجربة الأقسى التي واجهتها القارة الأفريقية خلال الجائحة نشأت عن استئثار الدول الغنية بالجزء الأكبر من اللقاحات التي لم تكن أفريقيا تنتج سوى 1 في المائة منها. وما زالت نسبة التغطية اللقاحية المتدنية، التي لا تتجاوز حتى الآن 20 في المائة من مجموع السكان الأفارقة، تحول دون الانتعاش الاقتصادي في القارة، بينما كان الاهتمام الدولي يتّجه نحو أوروبا الشرقية مع اندلاع الحرب في أوكرانيا أواخر فبراير (شباط) الماضي، وما تأتّى عنها من كارثة تموينية في البلدان الأفريقية التي تستورد نصف استهلاكها من القمح من روسيا وأوكرانيا، فيما كان ارتفاع أسعار المحروقات يدفع نحو مستويات غير مسبوقة في أسعار المواد الأساسية التي لم تعد في متناول أعداد كبيرة من السكان.
وتقول مديرة المكتب الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي في أفريقيا الوسطى إن معدلات الفقر والجوع بلغت مستويات قياسية في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة أو تعرّضت لفترات طويلة من الجفاف أو الأمطار الغزيرة، مثل القرن الأفريقي والكونغو وموزامبيق وإثيوبيا وتشاد حيث يعتمد الملايين من السكان على المعونة الغذائية التي يقدمها البرنامج، والتي انخفضت إلى النصف في الأشهر الأخيرة، فيما كانت معدلات سوء التغذية بين الأطفال تتضاعف ثلاث مرات في مدغشقر وتشاد والرأس الأخضر.
وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتراكمة على الأوضاع السياسية، حيث شهدت القارة الأفريقية في الفترة الأخيرة سلسلة من الانقلابات، بدأت في السودان ثم في غينيا ومالي وبوركينا فاسو وتشاد وغينيا بيساو والنيجر، في الوقت الذي تتسع دائرة المخاوف من تطورات مماثلة في العديد من البلدان الأخرى.
ويجهد المسؤولون في الاتحاد الأفريقي منذ أشهر لتفعيل معاهدة التجارة الحرة التي وقّعها القادة الأفارقة عام 2018 في العاصمة الرواندية كيغالي، والتي تُعلَّق عليها آمال كبيرة لإنشاء سوق أفريقية موحدة للسلع والخدمات، وتسمح بحرية التنقل داخل بلدان الاتحاد، وتلغي 90 في المائة من الرسوم الجمركية على التجارة البينية.
ويعوّل الخبراء على هذه المعاهدة لتحقيق الحلم الأفريقي بإزالة الحواجز الداخلية في القارة، التي ورثت من الاستعمار سلسلة من الانقسامات الجغرافية والعرقية تولّدت منها خصومات وعداوات حالت حتى الآن دون تحقيقه. ويتفق الخبراء على أن وراء هذا الحلم يكمن مفتاح التغيير الحقيقي الكبير الذي تحتاج إليه أفريقيا، وهي النهضة الصناعية في القارة التي، رغم مواردها الطبيعية الهائلة، لا تساهم بأكثر من 2.7 في المائة من الإنتاج الصناعي العالمي. وتجدر الإشارة إلى أن القارة الأفريقية التي يقترب تعداد سكانها من المليارين، تختزن أيضاً نسبة عالية من جميع المعادن الأساسية للتحولات التكنولوجية الكبرى.
ولمواجهة التحديات الهيكلية واللوجيستية الضخمة أمام هذه المعاهدة التجارية التي يتوقف على تفعيلها مستقبل الاقتصاد الأفريقي، انطلقت عدة مشاريع كبرى للبنى التحتية مثل مصفاة النفط التي يجري إنشاؤها في نيجيريا بكلفة تزيد على 21 مليار دولار، والتي ستكون الأكبر في العالم. وفي ساحل العاج، وضعت الحكومة حجر الأساس لبناء مصنع بطاقة معالجة 50 ألف طن من الكاكاو سنوياً، علماً أن هذا البلد ينتج، إلى جانب جارته غانا، 60 في المائة من الكاكاو في العالم بنسبة من الأرباح الصافية لا تزيد على 6 في المائة في سلسلة القيمة، ينتظر أن تصل إلى 25 في المائة في حال تصدير الإنتاج بعد معالجته.
الغابون من جهتها، وبعد أن كان اقتصادها يعتمد على صادرات النفط، تتجه الآن إلى الرهان على الصناعات الخشبية التي أصبحت المصدر الثاني لمنتوجاتها إلى السوق العالمية. وفي السنغال، بدأت الحكومة بتشييد مصنع ضخم لإنتاج اللقاحات، بدعم من البنك الأوروبي للاستثمار وإشراف معهد باستور الفرنسي، بطاقة إنتاج 300 مليون جرعة سنوياً من اللقاحات لكل أنواع الأمراض.
وتهدف كل هذه المبادرات إلى توفير فرص عمل في قارة تشكّل البطالة فيها بين الشباب واحدة من أخطر القنابل الموقوتة التي تهدد استقرارها الاجتماعي، في الوقت الذي تسعى إلى إحداث تغيير جذري في النمط الإنتاجي الذي كان يقوم حتى الآن على تصدير المواد الخام.
في غضون ذلك، عادت المنظمات الدولية إلى دق ناقوس الخطر بشأن التداعيات الكارثية المرتقبة لتغيّر المناخ في القارة الأفريقية، وناشدت الدول الغنية الإسراع في مد يد العون إلى البلدان الأكثر تضرراً من هذه التداعيات رغم أنها تتحمل أقل قدر من المسؤولية لكونها خارج دائرة الإنتاج الصناعي أو بقيت على هامشها. وكان برنامج الأمم المتحدة للبيئة قد أفاد في تقريره الأخير بأن موجات الجفاف تضاعفت ثلاث مرات في العقود الأربعة المنصرمة، وتسببت في موجات من المجاعة والهجرات الداخلية التي بلغ عدد النازحين فيها 40.5 مليون شخص العام الماضي، منهم 30 مليوناً بسبب ظواهر مناخية مثل الجفاف والأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)

تناولت قمة رئاسية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، تعقد للمرة الثانية خلال نحو 40 يوماً، ملفات مثار توتر في المنطقة، في حين فتحت الأبواب أمام تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي من جراء «سد النهضة» ورغبة إثيوبيا في منفذ على البحر الأحمر.

ونقلت «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الخميس، صوراً للقاء الذي عُقد في جيبوتي، مشيرة إلى أن رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد أجري محادثات حول التعاون الإقليمي، من دون مزيد من التفاصيل.

وأفادت «وكالة الأنباء الصومالية»، بأن رئيس الصومال حسن شيخ محمود شارك أيضاً في القمة الثلاثية التي انعقدت الأربعاء، إلى جانب رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلي، مضيفةً أنها ركزت على تعزيز التنسيق المشترك، خاصة في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب.

كما بحث الاجتماع دعم جهود الصومال في مسار التحول الديمقراطي وتطوير الاستثمارات المشتركة، وتسهيل حركة التنقل بين دول المنطقة، وتعزيز مشاريع البنية التحتية الاقتصادية بما يدعم التكامل الإقليمي ويعزز فرص التنمية.

وهذه ثاني قمة خلال أقل من شهرين، إذ سبق أن اجتمع القادة الثلاثة يوم 31 يناير (كانون الثاني) الماضي في شرق إثيوبيا. ووقتها ذكرت «الوكالة الصومالية» أن الاجتماع بحث الوضع الأمني والسياسي في القرن الأفريقي، وسبل إيجاد حلول للتحديات القائمة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

ترقب مصري

وقال مصدر مصري مطلع إن القاهرة «ترصد النشاط الإثيوبي بهذه المنطقة وتخشى محاولة استغلال تقلبات الأوضاع في الإقليم وانشغال العالم بحرب إيران لإعادة ترتيب النفوذ».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «المهم لدينا أن ردود فعل جيبوتي والصومال تتسق مع ما تم الاتفاق عليه بشأن رفض هيمنة أديس أبابا»، مستدركاً: «هذا لا يعني تدخلاً مصرياً في العلاقات بين هذه الدول، لكن فكرة الهيمنة والتوغل مرفوضة من جانب مصر، وسنرى ما يترتب على القمة».

ولا يتوقع خبراء مصريون أن تسفر القمة عن تحالف، بل عن تعاون ثلاثي وتعظيم للمصالح على حساب الخلافات التي كانت مشتعلة العامين الماضيين بين إثيوبيا والصومال.

وشهدت منطقة القرن الأفريقي قمماً لافتة وسط توتر كبير بالمنطقة، كانت أبرزها قمة رئاسية صومالية - مصرية - إريترية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في ظل توتر بين مقديشو وأديس أبابا على خلفية الخلاف على السيطرة على ميناء متنازع عليه. وأكد البلدان الثلاثة على «التحالف في مواجهة التحديات والتهديدات بالمنطقة».

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وفي اعتقاد نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق صلاح حليمة، فإن القمة «لا ترقى لوصف تحالف جديد، والواقع يقول إنه تعاون ثلاثي بين دول بالمنطقة، ومساعٍ لتنسيق يدور بشكل أساسي حول ملفات حيوية في مقدمتها مكافحة الإرهاب، وتطوير سبل التعاون في مجالات الاستثمار المختلفة والأوضاع الداخلية».

وأضاف: «الموضوعات التي تناولتها القمة تدفع كما تقول إلى تحقيق الأمن والاستقرار ودفع عملية التنمية المشتركة، ولا تشير لتحالف حتى الآن؛ وهو توجه لا يتعارض مع التوجهات المصرية التي تهدف بدورها إلى شيوع السلام في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن ثمّ تعزيز العلاقات بين دول الجوار».

يتفق معه عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق رخا أحمد حسن، الذي يشير إلى أن القمة تأتي في إطار تعزيز المصالح المشتركة بدلاً من الخلافات، لا سيما بين الصومال وإثيوبيا.

تحركات إثيوبية

وقبل تلك القمة الأولى بنحو 10 أيام، زار آبي أحمد جيبوتي، التي عرضت عليه قبل نحو عامين صفقة للوصول إلى منفذ بحري. وركز رئيس الوزراء الإثيوبي على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر منذ أكثر من عام بسبب تمسكه بوجود منفذ على البحر الأحمر لبلاده في ظل رفض مصر والدول المشاطئة.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود؛ ما جعلها تعتمد على مواني جيرانها. وهي تعتمد في الأساس على ميناء جيبوتي الذي يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وتدفع رسوماً سنوية كبيرة مقابل هذه الخدمات اللوجيستية التي تُدرّ دخلاً ضخماً على جيبوتي.

 

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى جيبوتي يوم الأربعاء (وكالة الأنباء الصومالية)

واستبعد السفير حليمة أن يكون التحرك الأخير جزءاً من ترتيبات تخص ملف النفاذ الإثيوبي للبحر الأحمر، موضحاً أن مسألة المنفذ البحري تُناقش عادة في إطار اتفاقيات دولية بين دولتين، وليس كشأن إقليمي داخل دولة واحدة.

وفيما يتعلق بالصومال، قال إنها تتحرك وفق استراتيجية تهدف لتحقيق أمنها واستقرارها وتحولها السياسي، وتسعى لبناء علاقات متوازنة مع كل الأطراف، مشدداً على أن العلاقات مع الدول المتشاطئة على البحر الأحمر هي علاقات متينة وتسير في إطارها الصحيح.

ووافقه في هذا الرأي السفير حسن الذي قال إن حضور الصومال مثل هذه الاجتماعات مع إثيوبيا لا يعني خسارتها مصر، «خاصة أن مقديشو لن تستطيع تعويض تعاونها مع مصر بتحالف مع أديس أبابا»، بحسب قوله.


جنوب أفريقيا تستدعي السفير الأميركي بسبب «تصريحات غير دبلوماسية»

السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
TT

جنوب أفريقيا تستدعي السفير الأميركي بسبب «تصريحات غير دبلوماسية»

السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)

استدعى وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا السفير الأميركي الجديد برنت بوزيل، اليوم الأربعاء، لتوضيح تصريحات اعتُبرت «غير دبلوماسية»، بعد أقل من شهر من توليه منصبه في بريتوريا.

تولى بوزيل مهامه في ظل تدهور شديد في العلاقات الثنائية، بعدما انتقدت الولايات المتحدة جنوب أفريقيا بسبب شكواها ضد إسرائيل أمام القضاء الدولي بتهمة «الإبادة الجماعية» في غزة، وبسبب ما اعتبرته اضطهاداً للأقلية البيضاء في البلاد.

في أول خطاب له منذ وصوله إلى بريتوريا في فبراير (شباط)، انتقد الدبلوماسي الأميركي، الثلاثاء، كلمات أنشودة «اقتلوا البوير، اقتلوا المزارع» التي وصفها بأنها «تحض على الكراهية»، علماً أنها وضعت خلال النضال ضد نظام الفصل العنصري. كما انتقد العديد من البرامج والقوانين في جنوب أفريقيا.

وقال وزير خارجية جنوب أفريقيا في مؤتمر صحافي: «استدعينا سفير الولايات المتحدة، السفير بوزيل، لتوضيح تصريحاته غير الدبلوماسية».

سبق أن قضت المحاكم الجنوب أفريقية بأن الشعار التاريخي «اقتلوا البوير» لا يشكل خطاب كراهية، ويجب النظر إليه في سياق نضال التحرير ضد نظام الفصل العنصري.

كما انتقد السفير الأميركي برنامجاً اقتصادياً يهدف إلى تصحيح أوجه عدم المساواة الموروثة من نظام الفصل العنصري ويهدف إلى تعزيز فرص العمل للسود، مقدراً أن مثل هذه السياسات أدت إلى «ركود» الاقتصاد.

ورد رونالد لامولا قائلاً إن «برامج التمييز الإيجابي في التوظيف ليست عنصرية عكسية، كما ألمح السفير للأسف»، مؤكداً: «هذه أداة أساسية مصممة لمعالجة الاختلالات الهيكلية المتأصلة في تاريخ جنوب أفريقيا الفريد. إنها ضرورة دستورية لا يمكن لحكومة جنوب أفريقيا أن تتخلى عنها ولن تتخلى عنها أبداً».


نيجيريا: مسلحون يختطفون أكثر من 300 مدني

منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)
منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)
TT

نيجيريا: مسلحون يختطفون أكثر من 300 مدني

منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)
منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)

قال الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو إن نيجيريا ستنتصر في الحرب ضد الإرهاب وقطاع الطرق في البلاد، وذلك بعد ساعات من اختطاف أكثر من 300 شخص، بينهم أطفال ونساء، في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلد الواقع في غرب القارة الأفريقية.

وأكد مسؤولون نيجيريون أن أكثر من 300 شخص اختطفوا على يد مسلحين عقب هجوم على بلدة نغوش في منطقة غوازا بولاية بورنو، شمال شرقي نيجيريا، حيث توجد معاقل جماعة «بوكو حرام»، وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا».

انتقدت المعارضة الرئيس بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

وقال مسؤولون محليون إن منفذي الهجوم اقتحموا البلدة، أمس (الجمعة)، ونفذوا غارة واسعة النطاق قبل أن ينسحبوا ومعهم مئات المختطفين، فيما صرّح بولاما ساوا، وهو مسؤول محلي، لقناة تلفزيونية محلية بأن الهجوم يُعتقد أنه مرتبط بعمليات عسكرية حديثة أسفرت، حسب التقارير، عن مقتل ثلاثة من قادة جماعة «بوكو حرام».

ورغم أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها رسمياً عن الهجوم، فإن مسؤولين أمنيين يرجّحون أن يكون منفذوه من عناصر «بوكو حرام» أو مقاتلين مرتبطين بتنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الذي ينشط على نطاق واسع في شمال شرقي نيجيريا.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

كما أكدت مصادر عسكرية أن مسلحين شنّوا هجمات إضافية على بلدات قريبة، غير أن القوات النيجيرية تمكنت من صدّ تلك الهجمات، وقال مسؤولون أمنيون إن عدة جنود، بينهم ضابط رفيع، لقوا مصرعهم خلال الاشتباكات.

وخلال ملاحقة الجيش لمنفذي الهجوم، سقط عدد من الضحايا في صفوف المختطفين، في قصف جوي نفذته طائرة تابعة لسلاح الجو النيجيري، وفق ما أفادت تقارير وأكدته الرئاسة فيما بعد.

وتسلّط عملية الاختطاف الجماعي الضوء على استمرار حالة انعدام الأمن في شمال شرقي نيجيريا، حيث تواصل الجماعات الإرهابية استهداف القرى النائية التي تعاني من ضعف الحضور الأمني.

ويقول محللون أمنيون إن المسلحين غالباً ما ينفذون هجمات خاطفة باستخدام الدراجات النارية، يهاجمون خلالها القرى ثم ينسحبون سريعاً إلى مناطق غابات قبل أن تتمكن القوات العسكرية من الرد بفاعلية.

منظر جوي لمنطقة في شمال وسط نيجيريا (رويترز)

وفي المنطقة نفسها، نشرت الولايات المتحدة الأميركية عدداً من جنودها لدعم الجيش النيجيري في مواجهة الجماعات الإرهابية، فيما أكدت مصادر الشهر الماضي بداية انتشار قرابة 200 جندي أميركي في نقاط مختلفة من نيجيريا، في إطار مهام تدريب وتأطير دون المشاركة الفعلية في العمليات العسكرية الميدانية.

في غضون ذلك، أصدر الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو بياناً وصف فيه الهجوم بأنه «اعتداء قاسٍ على مواطنين عُزّل»، مؤكّداً أن «أعمال الإرهاب ضد المدنيين لن تثني الحكومة عن عزمها على القضاء على التمرد المسلح».

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

كما عبّر تينوبو عن تعاطفه مع عائلات الأشخاص الذين سقطوا بنيران صديقة خلال الضربات الجوية التي نفذها سلاح الجو النيجيري أثناء ملاحقة المسلحين الفارين، ودعا النيجيريين، ولا سيما سكان ولاية بورنو والمناطق المتضررة، إلى «عدم الاستسلام للخوف». وأقام تينوبو، أمس (الجمعة)، حفل إفطار في القصر الرئاسي جمع قادة الجيش والشرطة مع زعماء دين ومشايخ وأئمة، وذلك بعد ساعات من هجوم بورنو الإرهابي، وحادثة الخطف الجماعي.

وقال تينوبو: «أتقدّم بتعازيّ إلى نائب الرئيس شيتيما، وإلى الشعب النيجيري بأسره، وإلى سكان ولاية بورنو، على الحادث الذي وقع هناك. لقد اتصلتُ بالحاكم زولوم لأعبّر له عن تضامني ومواساتي».

Nigerians returning to their country after an unsuccessful migration journey to neighboring countries (Alarm Phone)

وأضاف: «نحن ندرك ما يواجهه الناس من تحديات بسبب الإرهاب وقطاع الطرق، لكن يمكنني أن أؤكد لكم أننا سننتصر في هذه الحرب. نيجيريا ستتغلب على هذه التحديات».

وأعلنت الرئاسة أن تينوبو أصدر تعليمات للقوات المسلحة النيجيرية بتكثيف جهود حماية المدنيين في جميع أنحاء البلاد، ومنع الهجمات التي تستهدف المنشآت العسكرية في شمال شرقي نيجيريا. كما كلّف الجيش وبقية الأجهزة الأمنية بالعمل بشكل عاجل على إنقاذ الأشخاص الذين اختطفهم مسلحون ينشطون في المنطقة، حسبما جاء في بيان صدر الجمعة، عن مستشار الرئيس لشؤون الإعلام والاستراتيجية بايو أونانوغا.