«ملتقى الشارقة للخط» أعمال من وحي بورخيس و«فتاة العرب»

في دورته الـ10 «ارتقاء»... مواظبة على الانفتاح والسماحة

لوحة مذهبة، زخرف أمل تركمان وخط حسين تركمان
لوحة مذهبة، زخرف أمل تركمان وخط حسين تركمان
TT

«ملتقى الشارقة للخط» أعمال من وحي بورخيس و«فتاة العرب»

لوحة مذهبة، زخرف أمل تركمان وخط حسين تركمان
لوحة مذهبة، زخرف أمل تركمان وخط حسين تركمان

تتحول الشارقة مرة كل سنتين، إلى ملتقى لكبار الخطاطين في العالم، حتى صارت هذه الاحتفالية تقليداً ومحطةً، ينتظرها الفنانون والمهتمون بالخطوط والباحثون في المجال. هذه السنة، ينعقد «ملتقى الشارقة للخط» في دورته العاشرة تحت عنوان «ارتقاء»، على مدى ما يقارب الشهرين، وينهي أعماله في 31 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حيث يتضمن 29 معرضاً، يشارك فيها أكثر من 200 فنان، بمئات الأعمال التي تتوزع بين لوحات الخط، والتجهيزات والجداريات، والزخرفيات، والصور الفوتوغرافية والمخطوطات، إضافة إلى الندوات والمحاضرات، وتدور مواضيعها جميعها حول الخط العربي، بمختلف تجلياته الكلاسيكية والمعاصرة وإيحاءاته.
إبراز أهمية الارتقاء بالخط العربي وجمالياته هو هدف هذه الأنشطة المنفتحة على سماحة وتنوع وبحث جدي عن الاختلاف. المشاركون الآتون من 27 جنسية بينهم عرب وأفارقة، آسيويون من الهند وباكستان واليابان وإندونيسيا، وحتى من أميركا اللاتينية، وروسيا، كل يقدم تصوره على طريقته الخاصة.

سورة النصر بريشة المغربي عبد الرحيم كولين

معارض الملتقى الذي تنظمه «دائرة الثقافة في الشارقة»، موزعة على أكثر من عنوان. الصالات المحيطة بساحة الخط، مثلاً، يرى فيها الزائر عشرات اللوحات التي تتنافس فيما بينها على ابتكار أعمال، تتبارى في إبراز طواعية وليونة الخط العربي، سواء في كتابة الآيات القرآنية والسور والأدعية، أو الأحاديث النبوية، والأقوال المأثورة، والأشعار، أو الحكم. وجود هذا الكم من الجماليات الخطية في مكان واحد، يدعو للتأمل في الإمكانات الواسعة للحرف، ويفسح المجال لاكتشاف الكثير عن إمكاناته الكامنة، وضرورة تحريرها وتجريبها.
وإن كانت تصعب الإحاطة بكل الأنشطة التي يتضمنها الملتقى، فإن المعروضات في «متحف الشارقة للفنون» هي من صنف آخر، إذ في غالبيتها تجهيزات عصرية لعرب وأجانب، كل اجتهد ليقدم رؤيته للخط والكتابة وتثاقف الأبجديات.
تجهيز الفنان الأرجنتيني بابلو ليمان كان الأكثر جذباً للزائرين، لأنه مثير للفضول بسبب تفاصيله الغنية وكثافتها. هو عبارة عن حجرات متداخلة، تصطف على جدرانها أرفف امتلأت بملفات مغبرة قديمة، وعلب كرتونية، وأوراق. وفي الزوايا ثمة رزم لملفات أخرى تكومت هنا وهناك، أما الأرض فمغطاة كلها بأوراق كتب قديمة ممزقة، يضطر الزائر للدوس عليها، للانتقال من رف إلى آخر. هذا التجهيز البديع الذي يجسد أرشيفاً، من وجهة نظر فنية يذكر للوهلة الأولى، برواية «كل الأسماء» للأديب جوزيه ساراماجو وبطلها الذي يقضي عمره موظفاً في الأرشيف ينقب هناك، حتى ليتحول هو نفسه إلى جزء من التاريخ. لكن الفنان بابلو ليمان، يقول إنه لم يفكر بساراماجو، وإنما صمم تجهيزه متأثراً بخورخي لويس بورخيس، ومنه استوحى هذا التجهيز الذي يمثل «أرشيف الكاتب» أو الباحث، وليس أرشيف دائرة رسمية كما يمكن أن يتراءى لنا. يسترجع هذا التجهيز بفكرته العبقري بورخيس الذي كتب قصيدة مفادها بأن المكتبة حين تحرق تتحول إلى رماد، لكنها ستجد بعد حين من يعيد تأليفها وكتابتها من جديد. إذ لا شيء يتبخر، إنما الكتب كلها هي في المحصلة، كتاب إنساني واحد لمؤلف مجهول أو ربما مؤلف جماعي هو البشر. ليمان يقول: «يحاول عملي أن يظهر أهمية الأرشيف للمؤلف لفهم الماضي، لكن هذا الأرشيف نضطر للتخلي عن بعضه، لذا نرى الأوراق الممزقة تملأ الأرض». الزائرون يترددون في الدوس على الكتب المرمية، وبعضهم احتج لأنه لم يستسغِ الفكرة لكن ليمان يقول: «يجب أن نعترف بأننا لا نحتفظ بكل شيء، وأننا نرمي ونمزق وننسى، ونعيد الكتابة من جديد».

الفنان الروسي بوكراس لامباس

من التجهيزات المؤثرة، ما عرضته البحرينية زينب السباع؛ كتبت الفنانة نصاً وجدانياً، وعلقت كلماته على حبال معدنية كأنها تكتب على أسطر دقيقة سوداء خلفيتها بيضاء. نقرأ كلمات النص المصفوفة على حبال أفقية، لكن ما أن نصل إلى السطر التاسع حتى نلحظ أن الحبال بدأت تتقوس باتجاه الأسفل، والكلمات التي كانت معلقة عليها تتهاوى حتى أن الكثير منها أفلتت من الأسطر المتراخية ووقعت مكومة، محطمة، كجثث على الأرض.
من روسيا نتعرف على أعمال الفنان بوكراس لامباس، ودائماً وفق فكرة «الارتقاء». يعلق لامباس لوحات متجاورة بأحجام مختلفة، استخدم في رسمها أبجديات من لغات مختلفة، مزجها، دغمها، فهي بقدر ما تختلف عن بعضها البعض، وتبتعد ثقافياً في الواقع، تتكامل هنا في هذا الجناح بأرضيته وجدرانه، وتفرض مناخاً قاتماً. ولامباس بمعرفته الحميمة بفنون الخط الحديثة، واستخدامه لها في تنفيذ جداريات الغرافيتي في الشوارع، وحبه لأنماط الحروف وتحولاتها، تمكن من تصميم جناح مستقبلي في قدرته على معايشة التهجين الحروفي. الفنان الروسي الشاب، رسم لوحاته بالرمادي والأسود، التي لا تعرف من أي لغة أتت ولا وفق أي منطق تشكلت إلا أن طغيان المنحنيات، وإضافة اللونين الفضي والذهبي عليها، يجعلها تلبس طابعاً شرقياً وربما إسلامياً، لكن الفنان نفسه يرى أنه يستخدم «ألواناً متضادة لشد الانتباه وخلق وهج فني» لعمله التركيبي.
روح مختلفة تتجلى في عمل عبد الرحمن الشاهد، الآتي من السعودية. «إن الله جميل يحب الجمال»، و«صنع الله الذي أتقن كل شيء»، كتبهما بزجاج شفاف مضاء بألوان زاهية كالأخضر والأحمر والصفر. طريقة تذكر بالإعلانات البهيجة، لكن هذه الحروف الشفافة، محشوة بكرات لعب الأطفال الزجاجية، مما يعكس أهمية الدائرة والمنحنيات في الهندسة الإسلامية وما ترمز له من توازن كوني.

تجهيز بابلو ليمان لأرشيف مستوحى من بورخيس  -  عمل الفنانة البحرينية زينب السباع

أما الإماراتية روضة الكتبي، فتعرض جدارية من السجاد محفورة فيها أبيات شعرية بقطع من الإسمنت، اختارتها بالعامية الإمارتية، تكريماً للشعر النبطي ولصاحبة الأبيات عوشة بنت خليفة السويدي، المعروفة باسم «فتاة العرب».
وبعكس بعض الفنانين الذين أخذوا في حساباتهم عنصر الإبهار، تحتاج مع زينب صعب اللبنانية - الأميركية، الآتية من بورتلاند، أن تتأمل وتسأل وتتمعن كي تدرك كم الصبر والمثابرة اللذين استغرقهما عملها «بيت ابتهال»، المكون من مخطوطتين كل منهما مكتوبة على ورقة طويلة وممتدة. الأشكال الهندسية على المخطوطتين تحتاج أن تحدق بها وتكبرها كي تعرف أنها عبارة عن جمل، تستحق القراءة. أما الجزء الثالث من العمل، فهو عبارة عن كتاب يحوي 5500 ورقة صنعتها الفنانة بطريقة يدوية بدائية، بللتها ونشفتها وخاطتها، واحدة تلو الأخرى. تقول صعب: «هذا الكتاب صنعته بطول قامتي لأنه يمثلني، عملت كل أوراقة الرقيقة الهشة بيدي. إنه جسدي ممدد ومنكسر». التجهيز الذي يحتاج تدقيقاً، ولا يبوح بأسراره للمارة المستعجلين، يمثل «دفق الحياة القوي، وجريانها، قبل أن تبدأ بالنضوب»، كما تشرح لنا الفنانة.
الفعاليات مستمرة طوال الشهر المقبل، وقد عقدت ندوة دولية في مكتبة «بيت الحكمة» على مدى يومين، شارك فيها بحاثة، ومفكرون، وأثريون، وخطاطون. ومن بين معروضات الملتقى صور اعتمدت الحيل الضوئية، وثمة أكثر من مائة ورشة عمل، ومسابقة وزعت جوائزها على فائزين شاركوا في المعارض. وسيُقدم 14 عرضاً مرئياً لتجارب خطية متنوعة.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.