على مدى العقود الثلاثة الماضية، شكك المؤرخون في مدى صحة لوحتين ليوهانس فيرمير ضمن مجموعة المعرض الوطني للفنون في واشنطن. وكانت هذه اللوحات الوحيدة بين أعماله الموثقة التي أُنجزت على ألواح خشبية.
لذا، حال إغلاق المتحف أثناء تفشي وباء كورونا، استخدم الأمناء، ومسؤولو الترميم، والعلماء تقنية جديدة وقوية للبحث تحت اللوحات، ومحاولة معرفة الجهة المسؤولة عن هذه اللوحات تحديداً.
تقدم المجموعة، يوم السبت، النتائج التي توصلت إليها، وتغير رسمياً وصف لوحة «الفتاة ذات المزمار». إنها ليست من أعمال يوهانس فيرمير بعد الآن.
كشف تحليل الصبغات المجهرية وتقانة التصوير المتقدمة، أسلوب غير مُعتاد لطبقات الأصباغ داخل اللوحة. كل من كان يحاكي الفنان الهولندي في القرن السابع عشر قد أخفق في عمله، تاركاً الصورة بخاتمة خشنة غير بارعة، على عكس الأسطح الملساء التي ميزت أعمال فيرمير كواحد من خيرة الرسامين في التاريخ.

قالت كاثرين دولي، عالمة تصوير في المعرض القومي، والتي عملت في المشروع: «أظهرت التقنيات العلمية أن الفنانين استعملوا مواد مماثلة بأساليب مماثلة، لكنهم تعاملوا مع الطلاء بطريقة مختلفة، من الطلاء السفلي إلى الطلاء السطحي الأخير».
تضم مجموعة المتحف أربع مجموعات لأعمال فيرمير، وقد فُحصت كل منها باستخدام التكنولوجيا المتطورة، بما في ذلك اثنان من أعماله التي لا جدال فيها. لوحة «الفتاة ذات القبعة الحمراء» التي على غرار لوحة «الفتاة ذات المزمار»، التي رُسمت على لوح خشبي، اعتبرت حقيقية. وسوف تُعرض جميعها في فعالية جديدة بالمعرض الوطني تحت عنوان «أسرار فيرمير»، إلى جانب اثنين من الأعمال المزيفة من القرن العشرين ضمن مجموعة المتحف.
لا يوجد سوى نحو ثلاثين من الأمثلة المتبقية على لوحات فيرمير، لذا فإن تغيير الإسناد لعمل واحد يمكن أن يكون له تأثير مزلزل على المنح الأكاديمية والبرامج الثقافية التي نُظمت حول الفنان.
عملت مارجوري ويزمان، رئيسة قسم المعرض الوطني لرسوم شمال أوروبا، رفقة فريقها البحثي على تطوير تفسيرات محتملة لمن رسم لوحة «الفتاة ذات المزمار».
وأشارت إلى أن الرسام الغامض، من المرجح أن يندرج ضمن إحدى الفئات التالية: متدرب لدى فيرمير، أو أحد أفراد الأسرة، أو فنان هاوٍ يدفع لقاء الدروس، أو فنان مستقل مستأجر لكل مشروع على حدة. ولكن لم تذكر أي وثائق باقية أي مساعدين في استوديو فيرمير، أو وجود أي تلاميذ مسجلين لدى النقابة المحلية.
قالت ويزمان: «هناك الكثير مما لا نعرفه. فلا نعرف شيئاً عمن رسم هذا، وتحت أية ظروف».
زودت التطورات التكنولوجية الحديثة المتاحف بأدوات جديدة لاكتشاف التفاصيل الخفية في اللوحات القديمة التي تعود إلى قرون. وفي العام الماضي، استكملت «مجموعة ولاية دريسدن للفنون» في ألمانيا ترميم لوحة «فتاة تقرأ رسالة على النافذة المفتوحة» لفيرمير، والتي كشفت عن صورة لـ«كيوبيد» التي ربما رسمها فنان آخر.

قالت ويزمان إن هذه التكنولوجيا يسرت إدراك أن لوحة «الفتاة ذات المزمار» قد رُسمت على غرار شخص يعرف أسرار أساليب فيرمير، والتي كان من المستحيل الوقوف عليها عبر النظر المجرد إلى سطح اللوحة النهائية.
وأضافت: «مع هذه التطورات الأخيرة في أساليب التصوير، فإن المجال مفتوح على مصراعيه».
وقال آرثر ويلوك جونيور، الرئيس السابق لمعرض شمال أوروبا للرسومات وخبير أعمال فيرمير، إنه يعتقد بأن شخصين كانا مسؤوليْن عن لوحة «الفتاة ذات المزمار»، موضحاً أن الفنان الشهير ربما يكون قد رسم اللوحة قبل أن ينتهي منها شخص آخر. وقال: «لقد عالجت هذه اللوحة إلى الأبد»، مضيفاً أن اللوحة نُسبت إلى دائرة فيرمير في وقت قريب كعرض عن الفنان في المعرض الوطني عام 1995.
وتتكهن نظرية هامشية بين المؤرخين بأن ابنة فيرمير الكبرى، ماريا، صارت تلميذته السرية، واستكملت بعض اللوحات بعد وفاته، بما فيها هذه اللوحة.
تقول أنيتا غيورغيفسكا-شاين، مؤلفة كتاب حديث عن الفنان الهولندي: «لست مندهشة من تغيير المتحف بطاقة الإسناد، لكنني لست متيقنة من موافقتي على ذلك. لا أزال أعتقد أن فيرمير هو الذي بدأ العمل عليها، على الأرجح».
وفرت أبحاث المعرض الوطني رؤى إضافية. قالت غيورغيفسكا-شاين إن ضربات الفرشاة غير الملائمة في لوحة «الفتاة ذات القبعة الحمراء» قد تدعم نظرية شائعة مفادها بأن فيرمير استخدم أسلوب «حجرة التصوير المظلمة» لعرض الصور على سطح لوحته، الأمر الذي كان يُلزمه بالرسم السريع للمشاهد قبل تلاشي الضوء. وعلى الرغم ذلك، قال باحثو المتحف إن ضربات الفرشاة لا تقدم أي دليل على وجود صلة بينها، وبين «حجرة التصوير المظلمة»، وهي نوع من الكاميرات الصندوقية ذات الثقب.
على الرغم من تراجع مكانتها، من المتوقع أن تسافر لوحة «الفتاة ذات المزمار»، العام المقبل، إلى متحف «ريكز» للفنون في أمستردام، فيما وُصف بأنه أكبر معرض لأعمال فيرمير. ليس لدى المعرض الوطني خطط لرفع العمل الفني من العرض راهناً.
قالت ويزمان: «ليست لوحة سيئة»، موضحة أنها قد تصبح تذكيراً قوياً بالكيفية التي تعمل بها أبحاث المتحف على تغيير نظرتنا إلى الماضي باستمرار. وأنهت حديثها قائلة: «كان للفنانين أشخاص يعملون إلى جانبهم ويقلدونهم في كل خطوة على الطريق».



