«منصات فوركس» في السعودية.. مقصد الحالمين بالثراء السريع والإفلاس المفاجئ أيضا

تقدر قيمة تداول العملات اليومية بأربعة تريليونات دولار.. وبريطانيا وأميركا تسيطران على 50 في المائة من التعاملات

يحذر المختصون من نكسة للمضاربين في العملات كتلك التي وقعت لمضاربي الأسهم في 2006 (تصوير: أحمد فتحي)
يحذر المختصون من نكسة للمضاربين في العملات كتلك التي وقعت لمضاربي الأسهم في 2006 (تصوير: أحمد فتحي)
TT

«منصات فوركس» في السعودية.. مقصد الحالمين بالثراء السريع والإفلاس المفاجئ أيضا

يحذر المختصون من نكسة للمضاربين في العملات كتلك التي وقعت لمضاربي الأسهم في 2006 (تصوير: أحمد فتحي)
يحذر المختصون من نكسة للمضاربين في العملات كتلك التي وقعت لمضاربي الأسهم في 2006 (تصوير: أحمد فتحي)

أكد خبراء ومصرفيون سعوديون تنامي أعداد السعوديين والخليجيين المنضمين إلى منصات سوق تداول العملات الأجنبية في السنوات الثلاث الأخيرة، خصوصا مع التذبذب الحاد الذي طرأ على أسعار العملات الدولية وأيضا لتنامي الإعلانات الترويجية لهذه الأسواق وما تحققه من أرباح يومية لعملائها.
سوق «الفوركس» التي تقدر قيمة التداولات اليومية فيها حول العالم بقرابة أربعة تريليونات دولار ويجري أكثر من 50 في المائة من جميع معاملات الفوركس العالمية في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وهي ممنوعة وفق قوانين النظام المصرفي السعودي، ويحذر دائما من الانجراف وراء إغراءات بعض الشركات، إلا أن قلة الوعي وعدم فهم أسباب منع هذا النوع من المضاربة في البلاد دفع الكثير من السعوديين والسعوديات إلى الانقياد وراء هذه الشركات وتعريض أموالهم ومدخراتهم لمخاطر عالية، أدت بشريحة ليست قليلة منهم إلى الإفلاس.
وفي هذا الخصوص حذر طلعت حافظ الأمين العام للجنة الإعلام والتوعية المصرفية في البنوك السعودية، من الانجراف خلف هذه المغريات الاستثمارية التي تعد من أخطر أنواع الاستثمارات المالية، لما تحمله من مخاطر كبيرة قد تتسبب في فقدان كامل رأس المال في يوم واحد.
وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن التداول في سوق العملات الأجنبية في السعودية يجري من خلال عمليات محددة عن طريق البنوك التجارية ويتعلق بأمور تجارية بحتة، وتقوم به البنوك التجارية من خلال أقسامها المختصة بذلك لتلبية احتياجات عملائها التجار الذين يستوردون من دول مختلفة.
وبين أن البنوك التجارية العاملة في السعودية من خلال أقسام الخزينة لديها، تقوم بتنفيذ عقود لشراء العملات، ولكن ليس بغرض المضاربة وإنما لأغراض تجارية محددة، واصفا المضاربة في سوق العملات الأجنبية بالأمر غير المحمود، وليس هو نطاق العمل التي تلجأ إليه البنوك.
واعتبر المضاربة في سوق العملات سلاحا ذا حدين، ووسيلة استثمارية عالية المخاطر، مشيرا إلى وجود الكثير من النماذج التي كويت بنار المضاربات التي لا تعرف لها نهاية، غير أن المضارب يغلب عليه الطابع النفسي من خلال رغبته في تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، وبالتالي في حالة الكسب يأخذه الطمع لجمع المزيد من الأرباح التي لا تقف عند سقف معين.
ورأى أن العالم اليوم يعيش ما يعرف بحرب العملات، ما جعل كل دولة تحاول أن تحدد سعر صرف معين لعملتها مقابل العملات الأخرى وعلى الرغم من أن هذا الأمر لا ينال استحسان بعض الدول الأخرى فإن هذا الأمر يشجع على تصدير سلع معينة من دول محددة وإن كان على حساب دول أخرى ملتزمة بأسعار عملتها ولا تدخل في مضمار حرب العملات.
ولفت إلى أن أسعار العملات غير ثابتة على مستوى العالم بأكمله، وعلى الرغم من ذلك يوجد الكثير من القضايا التي تنظر من قبل منظمة التجارة العالمية والتي ركزت عليها مجموعة دول العشرين ومنظمات أخرى مماثلة فيما يتعلق بحرب العملات.
وأكد أن مؤسسة النقد تعد مراقبا وبنكا مركزيا مشرعا لأعمال البنوك، وعلى الرغم من أنها تحد من الدخول في عقود المضاربة سواء كان لصالحها أو لصالح العملاء، فإنها تسمح بها لأغراض تجارية فقط، مشيرا إلى دور البنوك السعودية في هذا الأمر ودور الأجهزة المالية الأخرى في توعية المواطنين والمقيمين بعدم الدخول في عقود الفوركس، التي بدأت في أخذ رواج معين على مستوى الجهات التي تعمل خارج السعودية والتي تحمل مخاطر كبيرة.
ورأى أن الاستثمار داخل السعودية الذي تحكمه قوانين وضوابط أفضل بكثير من المخاطرة والدخول في أسواق في الخارج تحمل الربح السريع والمخاطر العالية، وفي حال التعرض لعملية نصب واحتيال لا يستطيع الشخص المضارب إثبات حقه بطريقة قانونية.
من جهة أخرى, أوضح لـ«الشرق الأوسط» إسكندر نجار، الرئيس التنفيذي لشركة Alpari الشرق الأوسط، أن بداية نشأة سوق الفوركس تعود إلى فترة السبعينات في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وأن هذه الأسواق العريقة شهدت حالة من الركود في الآونة الأخيرة، إلا أنه مع ذلك، تعد الفوركس أكبر وأكثر الأسواق المالية سيولة في العالم.
وقدر قيمة التداولات اليومية بقرابة 4 تريليونات دولار، مبينا أن سنغافورة، وطوكيو، ونيويورك، ولندن من أهم مراكز الفوركس العالمية، حيث يجري أكثر من 50 في المائة من جميع معاملات الفوركس العالمية في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة.
وعد الشرق الأوسط من أسواق الفوركس الناشئة التي تتمتع بإمكانات واعدة للمستقبل، خصوصا مع تزايد عدد المستثمرين الأفراد الذين يسعون لدخول مجال كان في السابق حكرا على المستثمرين من قطاع المؤسسات، وفي ظل وجود نسبة عالية من الوافدين في المنطقة، من الطبيعي أن يكون لديهم اهتمام بالعملات المحلية لبلدانهم مثل الروبية الهندية.
ورأى أنه يمكن جني الكثير من الأرباح من خلال تداول العملات الأجنبية، وأن هذا الأمر لا يقتصر على إمكانية الاستفادة من الأسواق المتهاوية من خلال البيع على المكشوف أولا، فالتقلبات المرتبطة بهذه الأسواق أيضا تجعلها جذابة بشكل خاص للاستفادة من تذبذب الأسعار. وبين أن التسعير في سوق تداول العملات الأجنبية والسلع يتأثر بمجموعة من المتغيرات المختلفة، بما في ذلك العرض والطلب إلى جانب قضايا الاقتصاد الكلي الدولية، ما يعني أنه في أي وقت من الأوقات هناك شيء ما على الأجندة الاقتصادية التي من شأنها تحريك سعر سلعة أو زوج معين من العملات.
وأوضح نجار أن مفهوم تداول العملات الأجنبية بالنسبة للمبتدئين أمر معقد في البداية، إلا أنه وخلال مرحلة التعلم، يتبين للمتداول أن هناك الكثير من الجوانب التي تنطوي على مخاطر عالية، ولكن بمجرد أن يتعلم المتداول طرق التعامل معها، لن يواجه نفس مستوى المخاطر الذي كان يتصوره. ويمثل منحنى التعلم مسألة حاسمة بالنسبة للكثيرين. فالمستثمرون الذين دخلوا السوق بتوقعات غير واقعية وجدوا أنفسهم أمام احتمالات غير متوقعة، ما قد يقودهم إلى تكبد الخسائر.
وقال «لا نقصد بذلك أن تداول العملات الأجنبية هو بمثابة نزهة بالنسبة للمتداولين المخضرمين. فأسواق الفوركس تعمل على المستوى العالمي خمسة أيام في الأسبوع على مدار الساعة، وتتأثر كثيرا بالظروف الخارجية المتعلقة بسياسات الحكومة والاستقرار السياسي وثقة المستثمرين. وبالتالي، فإن مثل هذا المجال المتقلب يتطلب يقظة دائمة، ويمكننا القول إن تجارة العملات الأجنبية تمثل مهارة مكتسبة على مر الزمن، وتحتاج إلى الكثير من الانضباط».
ولفت إلى قيام الكثير من شركات الوساطة والمعاهد التعليمية مثل أكاديمية Alpari بتطوير برامج لتعليم التداول توفر للعملاء منهاجا يركز على استكشاف الفرص والمخاطر المرتبطة بالاستثمارات في هذا المجال. من جهته أوضح الدكتور فاروق الخطيب المحلل المالي وأستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز أن المضاربة في تداول العملات الأجنبية في السعودية تتم بشكل غير علني عن طريق شركات خارج السعودية، واصفا المتاجرة في «الفوركس» بالمخاطرة الكبيرة التي تحتمل الربح والخسارة، إضافة إلى تعرض المضاربين فيها الذين ليسوا على درجة عالية من الوعي والفهم للخسائر الفادحة وعمليات نصب واحتيال.
ولفت إلى أن سبب منع التداول في سوق «الفوركس» في السعودية يعود إلى عدم وجود قانون ينظم هذه التداولات، لكونها عالية الحساسية وسريعة المخاطر وتتطلب ثقافة متخصصة وأفرادا متخصصين يسمون بـ«السماسرة» على دراية كافية بسوق العملات.
وحذر الخطيب من تداول الأشخاص الذين ليس لديهم خبرة ودراية في سوق الفوركس، مشيرا إلى وجود نسبة كبيرة من المحتالين في دول خارجية يتصيدون من ليس لديهم خبرة ودراية في هذه السوق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».