بوش الثالث.. الطريق إلى المكتب البيضاوي

ثالث عضو بعائلة بوش يثير قضية توارث المناصب السياسية في أميركا

بوش الثالث.. الطريق إلى المكتب البيضاوي
TT

بوش الثالث.. الطريق إلى المكتب البيضاوي

بوش الثالث.. الطريق إلى المكتب البيضاوي

من قبل أن يعلن جيب بوش ترشحه رسميا لسباق الرئاسة الأميركي لعام 2016 عن الحزب الجمهوري والصحف الأميركية تتساءل وتحلل وتطرح أسئلة كثيرة: هل سيكون جيب بوش مثل أبيه جورج بوش الأب أم مثل أخيه جورج بوش الابن؟
فالاسم الذي يحمله جيب كفيل بقطع شوط كبير في تعريف الناس به، فالعائلة لها تاريخ طويل في البيت الأبيض، لكن السؤال هو: هل سيكون اسم العائلة مفيدا للمرشح الجمهوري أم وبالا وعبئا عليه؟ وبعد ثماني سنوات من ترك أخيه لمنصب الرئيس يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل مل الناخبون الأميركيون من عائلة بوش أم أنهم يؤيدون مجيء بوش لثالث مرة إلى البيت الأبيض؟

وفي الوقت الذي تشير فيه التحليلات واستقصاءات الرأي إلى أن جيب بوش هو المرشح الأوفر حظا في الانتخابات التمهيدية في الحزب الجمهوري، فإن هيلاري كلينتون لا تجد منافسة حقيقية في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فمنذ إعلان ترشيح جيب بوش رسميا وقبله هيلاري كلينتون وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 (موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية)، سيجد الأميركيون أنفسهم في وضع اختيار بين آل بوش وآل كلينتون للمرة الثانية في خمسة وعشرين عاما، وسيجد العالم نفسه بعد نوفمبر 2016 إما أمام الرئيس بوش الثالث أو الرئيس كلينتون الثاني.
بعض التحليلات تقول إن هذا الأمر مثير للقلق لدى الناخب الأميركي الذي يحب التغيير، وتقول نتائج استطلاع للرأي قامت به شبكة «بي سي نيوز» وجريدة «وول ستريت» إن 39 في المائة من الأميركيين يفضلون مرشحا جديدا وليس مرشحا يحمل اسم عائلة بوش أو عائلة كلينتون، ويعتبرون إعادة انتخاب هيلاري كلينتون أو جيب بوش تمثل عودة إلى سياسات الماضي.
وعلقت صحيفة «نيويورك تايمز» على تلك القضية بأن قدر ومصير الولايات المتحدة أصبح بيد عائلتين. وأشارت إلى تصريحات للسيدة الأولي السابقة باربرا بوش، قالت فيها إن اثنتين أو ثلاث عائلات أميركية فقط هي الأجدر بالترشح في المناصب العليا في أميركا، وأوضحت الاستطلاعات أن 69 في المائة من الأميركيين يوافقون على هذا الرأي.
هذا الأمر هو الذي دفع جيب بوش للابتعاد عن إرث العائلة، وأن يعلن في ترشحه أنه يمثل نفسه فقط، ويقدم أفكاره دون أن ترتبط أفكاره وسياساته بأبيه أو بأخيه، بل قدم دعايته الانتخابية باسمه الأول فقط (جيب) وقال لمناصريه إنه لا أحد من المرشحين للرئاسة له الحق في المنصب اعتمادا على الأقدمية أو العائلة. وحاول جيب الابتعاد عن أخيه وسياساته في عدة مقابلات تلفزيونية، وصرح بأنه لم يكن ليشن حربا على العراق اعتمادا على المعلومات المتوافرة في الوقت الحالي.

* جيب وجورج بوش أوجه الشبه والاختلاف
* يقول مقربون من آل بوش إن شخصية جيب بوش تختلف بشكل كبير عن شخصية أخيه الرئيس السابق جورج بوش، موضحين أن الأول يملك شخصية أكثر دبلوماسية وأكثر انطوائية، بينما الثاني أكثر انفتاحا وأكثر عاطفية. ويقول ستيفن شير، أستاد العلوم السياسية بكلية كارلتون بولاية مينيسوتا، ومؤلف كتاب «مخاطر عالية وطموحات كبيرة في رئاسة جورج بوش»، إن «شخصية جيب بوش أكثر هدوءا واستقرارا، وينصب على الأمور باهتمام، مما يجعله أكثر شبها لوالده، وإن جورج بوش أكثر شبها لوالدته». بينما تقول باربرا بيري، بمركز ميلر لجامعة فيرجينيا، إنها ترى في جيب بوش سياسيا حاد اللسان.
ويتفق المحللون أن كلا من جيب بوش وجورج بوش سيشكل تحديا هائلا مع إنجازات جورج بوش الأب الذي بنى حياته السياسية بنفسه، فهو البطل الأميركي الذي نجا بطائرته خلال الحرب الفيتنامية، ثم أصبح عضوا بالكونغرس الأميركي، ثم رئيسا لوكالة المخابرات المركزية، ثم دبلوماسيا بالبعثة الأميركية إلى الصين، ثم سفيرا لدى الأمم المتحدة، ثم نائبا للرئيس رونالد ريغان لثماني سنوات، حتى وصل ليصبح رئيسا للولايات المتحدة.
ويقول البروفسور شير إن جورج بوش الابن كحاكم لولاية تكساس، وكرئيس، اعتمد بشكل كبيرة على مجموعة من المستشارين لتشكيل سياساته. بينما كان جيب بوش الحاكم السابق لولاية فلوريدا أكثر انغماسا في تشكيل السياسات بنفسه، مؤكدا على فوارق كبيرة بين شخصية جيب بوش وأخيه وشخصية الأب جورج بوش.
ويقول البروفسور ماثيو كوريغان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا «إن جورج بوش الابن كحاكم ولاية تكساس قدم خطوات كبيرة في خفض الضرائب وإصلاح التعليم، ومهما اختلفنا حول جيب بوش فلا يمكن القول إنه لم يحقق أشياء كثيرة كحاكم لولاية فلوريدا، وإن كانت الغالبية العظمي من سياساته سياسات متحفظة للغاية». وأضاف «أبرز إنجازات جيب بوش تمثلت في تخفيضات كبيرة للضرائب ووضع قيود على الإجهاض وتوسيع حق ملكية الأسلحة وإصلاح التعليم».
ويشير دونالد كريتشلو، أستاذ التاريخ السياسي في جامعة أريزونا، إلى أن جورج بوش الأب لم يلتزم بتعهداته بعدم رفع الضرائب، وخلال عهد الرئيس جورج بوش الابن تزايد عجز الموازنة نتيجة حربي العراق وأفغانستان، متشككا في ما يمكن أن يحدث مع بوش ثالث في الأفق. ويوضح كريتشلو أن جيب بوش يواجه منافسا خطيرا مثل ماركو روبيو عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فلوريدا، وهو أمر يشكل تحديا كبيرا خاصة مع ملل الأميركيين من آل بوش.

* جيب بوش و الشرق الأوسط
* من الصعب التكهن بموقف وسياسات جيب بوش حول قضايا الشرق الأوسط، لكن يمكن استنتاج بعض الملامح من الفريق الاستشاري الذي يعمل مع جيب بوش حول السياسة الخارجية. فمن بين 21 عضوا في فريق المستشارين للسياسة الخارجية هنالك 19 عضوا كانوا في مراكز حيوية بإدارات الرئيس جورج بوش السابقة، بما في ذلك بول وولفويتز أحد المحافظين الجدد ومهندس الحرب على العراق عام 2003، وجيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق، وستيفن هادلي مستشار الأمن القومي الأميركي السابق.
ويرفض جيب بوش دبلوماسية الرئيس أوباما مع إيران، وينظر لإيران باعتبارها دولة راعية للإرهاب وتشن حربا بالوكالة ضد القوات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة لأكثر من ثلاثة عقود.
ويهاجم جيب بوش بانتقادات لاذعة الاجتماعات الحالية بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وسماح الجانب الأميركي لطهران بالحفاظ على بنية تحتية نووية تسمح لها بالتلويح والتهديد بتصنيع أسلحة نووية وتخويف دول منطقة الشرق الأوسط. ويقول المحللون إن جيب بوش إذا نجح في الوصول إلى الرئاسة في الانتخابات المقبلة فإنه على ما يبدو سيقدم على التراجع وإلغاء أي اتفاق يتم التوصل إليه بين إدارة أوباما والنظام الإيراني. ويتخوف المحللون من أن الإقدام على هذه الخطوة قد يضع البلدين على قدم الاستعداد للحرب.
ويبدو جيب بوش أقل دعما للحرب التي شنها أخوه على العراق عام 2003، وما تلاها من احتلال عسكري أميركي للعراق. ويلقي جيب بوش باللوم في ظهور تنظيم داعش على إدارة أوباما وقراره سحب القوات الأميركية من العراق عام 2011. ويرى جيب بوش ضرورة في تعزيز وجود مزيد من القوات الأميركية على الأرض في العراق وتضمينها في الوحدات العسكرية العراقية. ويقول المحللون إنه ليس من الصعب أن نقرأ في تصريحاته الدعوة إلى تدخل عسكري مباشر في العراق وربما في سوريا بهدف محاربة تنظيم داعش.
وينتقد جيب بوش موقف إدارة أوباما من مصر والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وما يقوم به من جهود لمحاربة الفكر المتطرف الذي يصفه جيب بوش بأنه ينتشر كالنار في الهشيم في منطقة الشرق الأوسط. ولا تبدو هناك تصريحات واضحة لجيب بوش حول موقفه من الأزمة السورية. ويتعهد جيب بوش بمساندة حكومة بنيامين نتنياهو اليمنية، ملمحا إلى أنه سيتخلى عن ممارسة أي ضغوط على نتنياهو من أجل تنفيذ حل الدولتين. وقد أثار جيب بوش الكثير من التصريحات التي هاجم فيها روسيا، ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالفتوة، ووصف موقف الرئيس أوباما بالضعيف عندما يتعلق الأمر بروسيا.
ويقول المحللون إنه في حال فوز جيب بوش فإن سياسته تجاه الشرق الأوسط ستتجه إلى التصعيد العسكري مع إيران وزيادة القوات الأميركية في العراق ودعم حزب الليكود الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
لغة المال
ولأن المال هو دائما ما يحكم ويتحكم في مسار حظوظ مرشح وآخر، فإن المال وحجم التبرعات التي ينجح جيب بوش في الحصول عليها لها حسابات أخرى. ويقول مقربون من جيب بوش داخل حملته الانتخابية إنه يحصل على التبرعات والأموال لمساندة حملته بشكل مذهل من جميع المصادر المعتادة سواء من مناصري الحزب الجمهوري ورجال الأعمال من النخب الغنية، أو من جماعات القوى مثل «وول ستريت» و«وول مارت» و«مايكروسوفت» والشركات العالمية وجماعات الضغط واللوبيهات الأجنبية المعتادة.
وأشار مصدر بالحملة الانتخابية إلى أنه في مارس (آذار) 2015 الماضي، وقبل ثلاثة أشهر كاملة من إعلان ترشحه رسميا، كانت حملة جيب بوش قد نجحت في جمع تبرعات وصلت إلى 100 مليون دولار.
ويعد جيب بوش الأوفر حظا في استطلاعات الرأي حتى الآن، حيث تقول صحيفة «وول ستريت جورنال» إن الدعم المحتمل لجيب بوش ارتفع بنحو خمس نقاط مئوية في يونيو (حزيران) الحالي عن شهر مايو (أيار) الماضي، وقفز بنحو 26 نقطة منذ مارس الماضي.
ويواجه جيب قائمة طويلة من المرشحين عن الحزب الجمهوري الدين أعلنوا بالفعل خوضهم السباق للفوز بترشيح الحزب، ومن بينهم السيناتور عن ولاية كنتاكي راند بول، وحاكم ولاية تكساس السابق ريك بيري، والسيناتور عن ولاية فلوريدا ماركو روبيو، والسيناتور عن ولاية بنسلفانيا ريك سانتروم، والسيناتور عن ولاية تكساس تيد كروز، وحاكم أركنساس السابق مايك هاكيبي.
وعند إعلان ترشحه في ولاية أيوا منتصف الشهر الحالي وقف جيب بوش وبجواره زوجته كولومبيا بوش المكسيكية الأصل، وابنه الأكبر جورج بوش (39 عاما) وابنته نويل (37 عاما) وابنه الأصغر جون أليس بوش (31 عاما). وشاركت باربرا بوش (90 عاما) والدة جيب في حفل إعلان الترشح، وأعطته قبلة على وجهه لتظهر للناخبين أنها توافق على ترشيح جيب ليكون العضو الثالث في العائلة ليحتل المكتب البيضاوي. فيما لم يستطع الرئيس الأسبق جورج بوش الأب المجيء لحفل الترشح واكتفى بمكالمة تليفونية مع ابنه.
ووفقا للعادة الأميركية في مشاركة عائلة المرشح في مشواره، وقف أبناء جيب بوش يعلنون مساندتهم لأبيهم خاصة الابن الأصغر جون أليس بوش وهو الأكثر مساندة لوالده، حيث يقوم بجمع التبرعات من الحزب الجمهوري ويشارك في المؤتمرات الحزبية لمساندة والده. وقد حصل على درجة الماجستير في الدراسات الأميركية اللاتينية بعد شهادة في القانون، وهو متزوج من ساندرا الكندية من أصل عراقي. وقد واجه مشاكل مع الشرطة في السابق عندما ألقي القبض عليه بتهمة تعاطي المخدرات ومقاومة الاعتقال عام 2005.
وقد أثارت كولومبيا بوش فضيحة كبيرة عام 1998 عندما كذبت على المسؤولين في الجمارك الأميركية حول تقييم الملابس والمجوهرات التي اشترتها من رحلة لباريس، وقالت إن قيمتها 500 دولار، بينما وجدت إدارة الجمارك أن القيمة تتعدى 19 ألف دولار، وأفردت الصحف الأميركية مساحات واسعة لهذه القصة التي أظهرت السيدة الأولى لولاية فلوريدا في موقف الشخص الذي يكذب ويغش وهو موقف لا يغفره بسهولة الناخب الأميركي.
وقد عادت كولومبيا بوش للظهور مرة أخرى للأضواء بشكل إيجابي ببرامج تكافح العنف الأسري وبرامج للمنح الدراسية بالمدارس الثانوية ومبادرات لمكافحة إدمان المخدرات على أثر تجربة ابنتها نويل ومشاكلها مع الإدمان. ورغم كل ذلك يقول المحللون إن كولومبيا بوش يمكن أن تكون سلاح بوش السري في سباق 2016 لما يمكن أن يجنيه من أصوات مضمونة من الجالية الإسبانية في الولايات المتحدة. وتقول كولومبيا بوش إنها تريد أن تكون أول سيدة أولى في البيت الأبيض من أصل إسباني.
وقد تولى جيب بوش، المولود في 11 فبراير (شباط) 1953، منصب حاكم ولاية فلوريدا لولايتين متتاليتين من عام 1999 إلى عام 2007، ويعد الجمهوري الأول والوحيد الذي تولى المنصب لولايتين. وقد تربى جيب في ولاية هيوستن بتكساس وحصل على شهادة البكالوريوس في الشؤون الأميركية اللاتينية من جامعة تكساس، وانتقل إلى ولاية فلوريدا في عام 1986، وشغل منصب وزير تجارة ولاية فلوريدا حتى استقالته في عام 1988 ليساعد والده بوش الأب في حملته الرئاسية. وخسر جيب بوش معركة الانتخابات لمنصب حاكم ولاية فلوريدا في عام 1994 بفارق ضئيل يصل إلى نقطتين مئويتين، وكرر خوض السباق مرة أخرى في عام 1998، وفاز على منافسه وحشد 55 في المائة من أصوات الناخبين. كان غريبا أن يحصد أصوات الأميركيين من أصل إسباني والأميركيين من أصول أفريقية. وأعاد جيب ترشيح نفسه في عام 2002 وفاز بنسبة 56 في المائة من أصوات الناخبين. وقد جذبت تلك الانتخابات اهتماما وطنيا وحزبيا كبيرا، حيث أصبح جيب بوش الحاكم الجمهوري الأول الذي يفوز بولايتين متتاليتين عن ولاية فلوريدا.
وخلال السنوات التي قضاها جيب بوش حاكما للولاية نجح في تحسين الاقتصاد والاهتمام بالبيئة وإصلاح نظام التعليم وتحسين شبكة السكك الحديدية عالية السرعة في فلوريدا. وقد تعرف جيب بوش على زوجته المكسيكية «كولومبيا غارسيا غالو» عندما شارك في برنامج لتبادل المعلمين، وقدم بتدريس اللغة الإنجليزية في المكسيك عام 1971، وتزوج جيب بوش من كولومبيا غالو في 23 فبراير 1974 في مدينة أوستن بتكساس، ولديهما ثلاثة أبناء.
الأمر يختلف قليلا مع هيلاري كلينتون، فهي لم تأت من عائلة سياسية، وإنما دخلت السياسية كشريك للرئيس بيل كلينتون وسيدة أولى في البيت الأبيض، وصنعت تاريخها السياسي كسيناتور عن نيويورك في مجلس الشيوخ، وكمرشحة للرئاسة عن الحزب الديمقراطي، ثم وزيرة للخارجية الأميركية ثم مرشحة للرئاسة مرة أخرى.
بعض المحللين يقولون إن هيلاري كلينتون ليست بيل كلينتون، وإن جيب ليس مثل أبيه أو نسخة مكررة من أخيه. ويشير المحللون إلى أن العائلات السياسية الحاكمة هي جزء من التاريخ الأميركي، فهناك ثنائي رئاسي «لأب وابن» ظهر في القرن التاسع عشر للرئيس جون آدامز وابنه جون كوينسي آدامز، فالأول شغل منصب الرئيس رقم اثنين في تاريخ الولايات المتحدة، وابنه شغل منصب الرئيس السادس. وشهد القرن العشرون أيضا مزيدا من الأسماء اللامعة في العائلة السياسية الواحدة، مثل تيودور روزفلت وابن عمه فرانكلين روزفلت. ومن أشهر العائلات السياسية عائلة تافت التي توارثت مناصب في الكونغرس بدءا من ويليام هوارد تافت إلى ابنه السيناتور روبرت تافت إلى الحفيد روبرت تافت وكذلك عائلة كيندي من الرئيس جون كيندي إلى روبرت كيندي. ويشير التاريخ الأميركي إلى حفنة عائلات احتل أفرادها مقاعد في مجلس الشيوخ ومقاعد حكام ولايات ومقعد الرئاسة الأميركي.
ويقول المؤرخون إن أمر العائلة التي تتوارث وتحتل المناصب العليا أمر يبدو معتادا في التاريخ الأميركي، ربما يثير بعض القلق لكنه في نهاية الأمر ليس أمرا مؤذيا، لأن أغلبية المناصب القوية في السياسة الوطنية تذهب إلى أناس عاديين ليسوا مرتبطين بعائلات سياسية معينة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.