أندريه بازان... طرح أسئلة ما زالت تثير الباحثين

أثّر على غودار وصحبه ومات شاباً

مشهد من  فيلم «روما مدينة مفتوحة»
مشهد من فيلم «روما مدينة مفتوحة»
TT

أندريه بازان... طرح أسئلة ما زالت تثير الباحثين

مشهد من  فيلم «روما مدينة مفتوحة»
مشهد من فيلم «روما مدينة مفتوحة»

وفاة جان - لوك غودار في الأسبوع الماضي هي نهاية حقبة مات أبطالها جميعاً: جاك ريفيت، كلود شابرول، إريك رومير، فرنسوا تروفو من بين حفنة أخرى دعت لسينما فرنسية جديدة سُميت بسينما المؤلف. غير العارفين خلطوا بين سينما المؤلف و«السينما الطليعية». هذه ليس لها علاقة بسينما المؤلف بل بمجموعة من الفنون والكتابات التي تجتاز الحاجز من المعلوم والمعتاد إلى التجريبي والمتقدّم من أساليب تعبير.


السؤال الكبير لبازان: ما هي السينما؟

سينما المؤلف هي تلك الممهورة بتوقيع مخرجها. التي تنتخب نصوصها وأساليبها واختياراتها من التوليف على مبدأ يختلف عن السينما التقليدية التي تترك مقاليد العمل للقواعد المعمول بها في شركات الإنتاج. تبعاً لذلك، تتصدّر الحكاية الفيلم لأنها وسيلة التوجه المفتوح على الجمهور الكبير. مفتاح السرد الحكائي لإيصال المفادات حيث على المخرج (في أدنى الاحتمالات) تأمين تلك الشروط لإنجاح العمل الذي يقوم بتحقيقه، في مقابل تأكيد المخرج - المؤلف على منحاه الخاص بارزاً أهمية الشخصية وتأليف الحكاية حولها وكيفية اعتماد اللقطات التي هي أكثر من صور متحرّكة.

السيناريو كفعل اكتشاف
استلهم غودار، ورفاقه، الكثير من تعاليم منظر فرنسي شهير ومؤثر اسمه أندريه بازان.
وُلد بازان في سنة 1918 ومات شاباً في الأربعين من عمره في سنة 1958. في الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته نبغ كمنظر ومحلل نقدي كتب مقالاته النقدية الأولى سنة 1943. تعامل مع السينما على أساس أنها فن منفصل عن الفنون الأخرى حتى ولو استعارت منها فن الموسيقى وبعض المسرح والدراما.


أندريه بازان

كتب ذات مرّة أن المسرح ليس واقعياً إلا بتفاصيل بنائه. المسرح بالنسبة إليه هو البناء الخارجي والداخلي للمبنى ثم للخشبة المسرحية والديكورات التي تظهر على المنصّة. أما الباقي فهو حياة حاضرة يؤديها الممثلون لجمهور تبعاً لحكاية أو أوضاع ما.
أورد هذا كتأكيد على أن السينما لا تتبع المسرح بقدر ما تتبع خصائصها الكثيرة والمتعددة. كل جزء منها يتم تحضيره وتأسيسه وتنفيذه بمنأى كامل عن الجمهور. هذا الأخير يرى النتيجة جاهزة أمامه حين ينتهي العمل عليه، بالتالي نقطة اللقاء بين هذا الجمهور وبين الفن المقدّم تختلف جوهرياً عن تلك التي يوفرها المسرح. تبعاً لذلك أيضاً فإن الفيلم (والسينما عموماً) فن قائم بذاته.
واحد من الأسس التي وضعها بازان في اعتباره كان الدور الذي يلعبه السيناريو في الفيلم. بالنسبة إليه فإن السيناريو هو من يقع عليه فعل الاكتشاف. هناك، لنقل، مشهداً أول لمدرسة في قرية (على غرار فيلم «عمر المختار» لمصطفى العقاد مثلاً) أو مشهداً لحصان منطلق إلى وسط البلدة (كما في «شريط أبيض» لمايكل هنيكه). السيناريو هو الذي اختار البداية المذكورة لغاية التعريف بالمكان والزمان وكنه الشخصيات والحياة. هذه الأمور نفسها هي ما ترصده الكاميرا مما يجعل السؤال المنطقي هو من الذي يسرد؟ السيناريو أو الكاميرا؟ أين موقع المونتاج؟ ما هي العلاقة المثالية للمخرج بين كل هذه العناصر؟
عند بازان السيناريو هو من يسرد عبر اختياراته كما عبر مفهوم المعالجة للفكرة التي يطرحها. يبدأ سيناريو «راشامون» كما كتبه أكيرا كوروساوا وشينوبو هاشيموتو سنة 1950 بلقطات تضعنا في «المكان»: (بوابّة مخلوعة) ومع الشخصية (رجل راشامون واقف تحت المطر. ثم لقطة لرجلين آخرين لجأ كل منهما إلى المكان ووقف تحت سقفه اتقاءً للمطر المنهمر بغزارة. لا يتحرّكان٠
لا يجب أن يعني ذلك أن من وقف وراء الموجة الفرنسية الجديدة وألهم غودار والشلة المعروفة على معالجة الفيلم كوضع مميّز عن سواه من النتائج الفنية، وقام بتأسيس مجلة «كاييه دو سينما»، التي كتبوا لها، أن بازان كان يفضل السيناريو على فعل الفيلم نفسه. فبالنسبة إليه وجد السيناريو بذرة العمل والباقي كله يقع على كاهل المخرج في رعاية وتحقيق المُنتج منها.


مشهد من فيلم ترنس مالك «شجرة الحياة»

ما صرف المنظّر بازان جل اهتمامه في هذا المجال هو التأكيد على أن السينما والرواية جانبان مختلفان وأن السينما لتكون متحررة عليها أن تتجنّب الاقتباس الكامل أو غير المتحرر من العمل الروائي. إلى ذلك رفض تلك الكتابات النقدية التي تتغذّى من المعرفة الروائية وتمارس حكمها بعبارات لا تمت إلى السينما بل إلى الأدب (وهو فعل ما زال ممارساً إلى اليوم ولو على نطاق محدود).

أسئلة عن الواقعية
مال بازان إلى الواقعية الإيطالية في مطلعها. كانت، بالنسبة إليه، تمثل التحرر الذي نادى به من سطوة السينما التي تقرر للمشاهد ماذا سيرى وكيف سيراه. بذلك فإن معظم الأفلام التقليدية هي التي تقرر المشهد التالي، عوض أن يكون المشهد التالي نتيجة اختيار المخرج بناء على اختياره المتحرر من وظيفة جذب المُشاهد إليه.
بالنسبة إليه، فإن السينما الواقعية التي انبثقت في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية هي الحقيقة كما يجب أن تكون. سمّاها «مدرسة الحرية» واعتبر أنها إذ تتولّى البحث في «الحقيقة» فإنها أصدق من الأفلام التي تسرد حكاية حتى ولو لم تكن حكاية خيالية. بالتالي «روما مدينة مفتوحة» لروبرتو روسيليني (1945) و«سارقو الدراجات» لفيتوريو دي سيكا (1948) جيدان لأنهما يقومان بتقديم الرواية على نحو شبه تسجيلي.
هذا في الواقع ليس صحيحاً تماماً بالنسبة لفيلم روسيلليني، لكنه صحيح بالنسبة لفيلم دي سيكا. ليس بسبب اختلاف نظرة كل منهما للواقع الذي يعاينه، بل كذلك للكيفية التي اختارها لمعاينة ذلك الواقع.
على ذلك، أصاب بازان عندما اعتبر أن الخيال والفيلم الروائي يلتقيان أكثر، وعلى نحو أفضل، لو أن الفيلم (أي فيلم) عرف كيف يقرّب المسافة بين ما يعرضه وبين ما يوحي به.
على سبيل المثال، فإن فيلم «المواطن كين» لأورسن وَلز قد يكون خيالياً تماماً لكن طريقة تصويره التي تقوم على البعد الرؤيوي والعمق تنجح في دفع الفيلم لحالة من الواقعية لأنها ستثير عند القارئ أسئلة لا تطرحها الأفلام الجماهيرية السائدة لأن هذه تنوب عن المشاهد في توجيه الأحداث وتحافظ على الخيال كخيال وليس كاحتمال واقعي.
في هذا الشأن لا يتجاهل بازان دور المونتاج مطلقاً. على العكس يرى أن عملية التوليف هي ضرورية لكي تترجم كل تلك التوجهات إلى الفيلم والفيلم إلى ما ينتمي إليه. وهو اعتبر أن «المونتاج هو الذي تسبب في ولادة الفيلم كفن».
هذا ليس بعيداً عن الصواب بدوره على أساس أن باقي الفنون تخلو من المونتاج كخلوّها من الصورة المتحركة. كلاهما، الصورة والتوليف، يعملان معاً لأن كل منهما يحتاج للآخر. بما أن الحبكة لا تستطيع وحدها أن تعني شيئاً من دون الصورة فإن هذه هي التي تحكي وتسرد وليس الحبكة ذاتها. هي التي تتقدّم بالحكاية عبر اللقطات المتقاطعة أو المتماثلة من وإلى. وهذا التقاطع والانتقال لا علاقة للكاميرا بهما إلا من حيث التأسيس الزمني والمكاني والأجوائي. الباقي يُحال إلى المونتاج لصنع الفيلم الذي سيجسد ما أريد له أن يصبح عليه.
في مقال مهم نشره السينمائي قيس الزبيدي (وهو مخرج ومنظر ومُوَلّف أفلام) لاحظ ما يلي: كانت الواقعية خلال معظم مراحل تاريخ السينما، محط اهتمام صانعي الأفلام العمليين أكثر من اهتمام النقاد النظريين. فقد طوّر كل من دزيغا فيرتوف في العشرينيات في الاتحاد السوفياتي، وجان فيغو في فرنسا، وجون غريرسون في إنجلترا في الثلاثينيات، وروبرتو روسيلليني وسيزار زافاتيني والواقعيين الجدد في إيطاليا في الأربعينيات، مواقف في مواجهة النظريات التعبيرية. وبدا كما لو أن صانعي الأفلام وقفوا ضد سوء الاستعمال الممكن لقوة وسيطهم الفني، بدلاً من البحث عن المواقف «الأخلاقية» في الواقعية.
ويخلص الزبيدي إلى أسئلة مهمّة حين يقول: «هل هناك من الناحية النظرية والعملية واقع يصنعه فقط الميزان - سين أو هناك واقع يصنعه المونتاج فقط؟ وهل يكون الفيلم أكثر حياة وأقوى مغزى إذا ما كان ممثلاً أو مُرتجلاً إذا ما حُفظ الزمن الواقعي فيه عبر مشهد مستمر (بلان - سكوينس)؟ بينما تسجل السينماتوغرافيا الصورة في الزمن. وبرهنت بهذا على تدمير المفهوم التقليدي للزمن وجعلت جمهورها الغفير يراها مدرسة للحياة وليس مصنعاً للأحلام. فالناس تنظر إلى الأحداث على الشاشة بالضبط كما تنظر إلى الأحداث اليومية وتعتبر الفيلم مجرد وسيط يعيد إنتاج الواقع. فعلى صعيد المستوى التاريخي تكشف سبر تأثير ظهور الصورة بشكلها الحالي من منظور رغبة الإنسان في تصوير الواقع مع مقارنة الصورة بفنون وآداب المحاكاة لإظهار كيف أن الصورة هي فن الإيهام بامتياز. لأن المشاهد الذي يتابع مشاهدة الصور، يصدق ما يراه، ناسياً أو متناسياً وجود شاشة، تشكل حداً فاصلاً بين الواقع والخيال».

تكسير القاعدة
السؤال غير المطروح بعد هو ماذا كان بازان سيقول اليوم وقد تشعّبت السينما أكثر عما كانت عليه في أيامه. لقد انتقد مونتاج سيرغي أيزنستين في «البارجة بوتمكن» على أساس أنه تلاعب بالواقع عوض أن يدافع عنه. لكن حتى سينما المؤلف تعرّضت لمتغيّرات كبيرة عبر العصور. هي اليوم عنوان عام أو اسم لقائمة كبيرة من الأفلام التي يسيطر فيها المخرج على مقوّماتها سواء أنتج منها أعمالاً جيدة أم لم ينتج.
للتفسير فإن «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية فيلم مؤلف، لكنه فيلم لا يتّبع تفاصيل تلك السينما. المونتاج سردي والحكاية تسود. ولو أن المخرجة تحافظ على ملامحها كفنانة في أكثر من مشهد وربما في معظم مشاهده.
ماذا عن ترنس مالك الذي يخرج عن كل أساس سردي وينجز أفلامه على نحو غير قابل للتصنيف. حين نشاهد «شجرة الحياة» أو «إلى العجب» أو «أغنية لأغنية» فإن يكسر كل قاعدة وردت عند مؤيدي بازان أو حتى عند منتقديه.
وما يتبلور من هذا التساؤل هو بالتأكيد ما فشل عديد من الباحثين والنقاد في الإجابة عليه وهو هل ما زال بازان مهمّاً؟
في العصر الحالي فإن الجواب رمادي. من ناحية فإن تعاليمه ما زالت صالحة للبحث بصرف النظر عما كان الباحث معها أو ضدها. لكن من ناحية أخرى، فإن الزمن الذي عاش فيه بازان وأنتج فيه غودار وتروفو ورومير أفلامهم بتأثير إيحائي من تعاليمه، ليس كالزمن الحالي.


مقالات ذات صلة

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز