بالورود والدموع شيعت بريطانيا إليزابيث الثانية إلى مثواها الأخير

حوالي مليون شخص شاركوا في وداع الملكة الراحلة

نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)
نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)
TT

بالورود والدموع شيعت بريطانيا إليزابيث الثانية إلى مثواها الأخير

نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)
نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)

ودعت بريطانيا ملكتها الأطول جلوساً على العرش أمس في جنازة رسمية مهيبة امتدت لأكثر من خمس ساعات، وفي ختام عشرة أيام من الحداد بدا لائقاً أن تخلو شوارع العاصمة لندن الرئيسية من المارة وأن تصبح مكاناً للمواطنين الراغبين في إلقاء نظرة الوداع على الملكة إليزابيث في رحلتها الأخيرة.
الجنازة ختمت أياماً من الحداد الشعبي والإجراءات الأمنية المكثفة والترتيبات للجنازة، بدأت كلها منذ يوم 8 سبتمبر (أيلول) حين أعلن القصر الملكي عن وفاة الملكة إليزابيث الثانية عن 96 عاماً. وقتها بدأ التجمع حول بوابات قلعة بالمورال حيث كانت الملكة وأيضاً خارج بوابات قصر باكنغهام، استمر تدفق الجمهور خارج الأسوار في لندن رغم الجو الماطر وطغت المظلات على المشهد العام خارج بوابات القصر التي حملت لوحة إعلان وفاة الملكة بعد أن وضعها عاملان من القصر قبلها بسويعات. ولم يتوقف سيل الجمهور حتى في الساعات الأولى من الفجر، بدا أن الجمهور مدعو لموعد أخير مع الملكة التي ظلت معهم في السراء والضراء على مدى سبعين عاماً.

رغم أن الملكة توفيت في عمر متقدم فإن كثيرين من شعبها صدموا بخبر وفاتها، كان الانطباع أنها ستظل معهم للأبد، لم يفكر أحد أنها ستتركهم في يوم من الأيام، «كانت ركناً ثابتاً في حياتنا»، كان التعليق الغالب من محبيها. تحولت مشاعر أفراد الشعب إلى الطريق الوحيد الذي يعبر به الشعب البريطاني عن حزنه: أطنان من باقات الورد تكاثرت أمام بوابات القصور الملكية وطوابير من الزوار. سارع الكثيرون لمحاولة رؤية النعش خارجاً من قلعة بالمورال متجها لإدنبره حيث وضع في كنيسة سان جايلز ليوم واحد ليتمكن المواطنون من إلقاء النظرة الأخيرة على ملكتهم، وبالفعل انتظمت الطوابير خارج الكنيسة وامتدت لأميال، البعض انتظر في ساعات الليل المتأخرة والفجر بصبر يستمد من الحزن قوته.

الرئيس الأميركي وزوجته في كاتدرائية وستمنستر أمس (أ.ف.ب)

ما شهدته شوارع إدنبره تحول ليصبح مشهداً في شوارع العاصمة لندن المحيطة بقصر باكنغهام وحول كاتدرائية وستمنستر حيث أقيمت المراسم الأخيرة. شيئاً فشيئاً بدأ توافد المواطنين لرؤية نعش الملكة المسجى في قاعة وستمنستر هول حسب التقليد الملكي، وبدأ الطابور في التشكل، آلاف المواطنين وفدوا على الطابور، انتظروا لساعات طويلة سويا للفوز بلحظات سريعة يمرون فيها أمام نعش ملكتهم الراحلة. تجولت كاميرات التلفزيون على الواقفين، قالوا إنهم يريدون أن يودعوا ملكتهم وأن يشاركوا في اللحظة التاريخية.

الملك تشارلز ووريث عرشه الأمير ويليام خلال الجنازة (أ.ب)
أطياف المجتمع في الطابور

شهد الطابور أناساً من جميع طبقات المجتمع البريطاني، بدا وكأن الطابور أصبح مجتمعاً مصغراً، أصبح له حياة مستقلة، تشارك المنتظرون في الحكايات والشطائر، التقطوا الصور سوياً ومع المشاهير الذين حرص بعضهم على الانتظار مع العامة بدلاً من اللجوء للمعاملة الخاصة، وهو أمر أغضب الكثيرين حين تواردت أخبار عن أعضاء برلمان منحوا امتيازا يعفيهم من الانتظار. رحب الواقفون بلاعب الكرة الشهير ديفيد بيكهام الذي انتظم معهم في الطابور لـ12 ساعة، قضى ساعات مع الجمهور وعلق لأحد مذيعي التلفزيون بأنه استمتع بالحديث مع رفقاء الطابور وأنه تناول شطائر السلمون معهم واشتكى فقط من ألم في الظهر من الوقوف والمشي المستمر في الطابور. ظهرت في الطابور الممثلة تيلدا سوينتون والمغني جيمس بلنت الذي قال مازحاً إنه عرض على الجمهور أن يغني لهم ليسمحوا له بالوصول لمقدمة الطابور. نجمة برامج الواقع شارون أوزبورن وقفت في الطابور والتقطت الصور مع المنتظرين قائلة: «أحب الملكة وقد حضرت إلى هنا لأني من مؤيدي الملكة وأحب العائلة المالكة». المذيعة سوزانا ريد رافقت والدتها وصديقتها في الانتظار لساعات وغردت عبر تويتر: «حضرت مع والدتي وصديقتها المقربة لرؤية جثمان الملكة في وستمنستر هول في لحظة تاريخية، كان المشهد مهيباً وجميلاً». كما قال الممثل دانييل مايز بطل مسلسل «لاين أوف ديوتي» إنه قضى 11 ساعة منتظراً في الطابور ليلقي نظرة الوداع على جثمان الملكة: «جعلني الدفء والتعاطف والحديث مع الآخرين خلال الانتظار أفخر بأني بريطاني ومن لندن».

إكليل ورود يعتلي نعش الملكة ويحمل رسالة خطية من ابنها تشارلز (رويترز)

يوم الجنازة... الصمت والورود
شوارع فارغة من المارة المعتادين، ومحال مغلقة، مشهد يذكر بعطلة الكريسماس في بريطانيا أو بحالة الإغلاق خلال جائحة كورونا، هذا ما لاحظه المعلقون أمس حيث أصبحت جنازة الملكة إليزابيث هي الحدث الوحيد في شوارع العاصمة الرئيسية. اصطف المواطنون على جوانب الشوارع المحيطة بكاتدرائية وستمنستر وحول قصر باكنغهام وعلى طول خط مسيرة الجنازة التي انطلقت من قاعة وستمنستر لتتوقف في الكاتدرائية ثم تنطلق مرة أخرى حاملة نعش الملكة على عربة مدفع، حملت والدها من قبلها، لتصل لقوس ويلينغتون في هايد بارك ثم انتقلت بالسيارة متجهة لقلعة وندسور.
وكان الآلاف قد نصبوا خيامهم الليلة الماضية في لندن للحصول على أفضل المواقع لمشاهدة أول جنازة رسمية في البلاد منذ عام 1965 عندما أقيمت جنازة رئيس الوزراء وينستون تشرشل. ومع توافد الآلاف امتلأت المواقع المسموح فيها بالانتظار لمشاهدة الجنازة، وتوقعت الجهات المسؤولة أن يبلغ عدد من توافدوا لمشاهدة الجنازة حوالي مليون شخص.
خارج العاصمة تجمع الصغار والكبار حول شاشات التلفزيون لمتابعة الجنازة في المتنزهات الكبرى، ونقلت «رويترز» مشاهدات من مدينة هيستينجز الساحلية بمقاطعة كنت حيث رصدت مشاهدة المئات لمشاهدة الجنازة عبر شاشات ضخمة بأحد المتنزهات. وفي مانشستر حيث تابع المئات الجنازة داخل كاتدرائية مانشستر وفي الساحات وأيضاً في المطارات حيث نقلت الشاشات المراسم لمن لم يستطع التواجد في مكان الحدث. وفي عموم بريطانيا وضعت الشاشات الضخمة في الكاتدرائيات وبثت المراسم دور السينما.

أفراد العائلة المالكة ينتظرون نقل النعش من كاتدرائية وستمنستر أمس (أ.ب)

نقلت «رويترز» عن سيدة حضرت للندن لمشاهدة الجنازة واستقرت في متنزه هايد بارك حيث وضعت شاشات ضخمة للبث المباشر قولها: «من الصعب التعبير بالكلمات عما شاهدناه للتو. كان حقاً مميزاً ولا ينسى... لقد كان محزناً للغاية. حزن كبير جداً جداً. نهاية حقبة». أما كولين ساندرز (61 عاماً)، وهو جندي متقاعد جاء إلى لندن من شمال يوركشير لتوديع الملكة، فلم يتمكن من كبح دموعه خلال الاستماع لمراسم الجنازة.
وقال: «شعرت أننا هناك ونشارك... كان هذا مؤثراً جداً... إنها مثل الجدة، شخص يقدم الحب والاهتمام. قالت إنها ستخدم البلاد، وقد أوفت».
سكان ويندسور يودعون جارتهم
لم يخل طريق مرت فيه الجنازة من وسط لندن حتى وندسور من الجمهور المنتظر بصبر، منذ أيام في بعض الحالات، حييوا الموكب بالهتاف وبالتصفيق وبإلقاء الورود. فرشت الورود الطريق والتصق بعضها بالسيارة الجنائزية.
في الطريق لوندسور أوقف أصحاب المزارع عرباتهم وشاحناتهم في طابور انتظم لتحية موكب الملكة وهو تقليد اتبعوه لوداع المزارعين من جيرانهم، عبر كثيرون منهم عن تقديرهم للملكة وخصوها بالتقدير لكونها «جارتهم». لم تكن المرة الأولى التي يستخدم فيها وصف «الجارة» على الملكة، فهي كانت قريبة من السكان حول قصورها الريفية خاصة، يرونها دائماً ويلقون عليها التحية وتهتم بأمورهم. كانت كثيراً ما تمشي بين المزارع أو تقود عربتها بنفسها. يذكر أحد حراسها أنها في مرة أرادت المشي في المنطقة حول قلعة بالمورال في اسكوتلندا مرتدية «إيشارباً» على رأسها عندما قابلها اثنان من المتنزهين اللذين ألقيا التحية على الملكة وحارسها ولم يبد عليهما أنهما تعرفا على الملكة. بحسب رواية ضابط الحراسة ريتشارد غريفين فقد سأل السائحان الملكة أين تعيش؟ وقالت ببساطة إنها تعيش في لندن ولكن أيضاً لديها منزل بالقرب من هنا، عندها سألها أحدهم: «إذن من المؤكد أن تكوني لمحتي الملكة هنا؟»، فردت عليه قائلة: «لم أرها ولكن (ديك) مشيرة لضابط الحراسة (هو يقابلها دائماً)». وبالتالي كان السؤال التالي للضابط بأن يصف لهما الملكة: «فاستطرد غريفين قائلاً إنها قد تكون (مشاكسة في بعض الأوقات ولكن تتمتع بحس دعابة جميل)». وباعتبار غريفين أكثر أهمية من المرأة بصحبته طلب السائحان من الملكة أن تلتقط صورة لهما مع غريفين الذي اقترح عليهما أن يلتقطا صورة معها أيضاً. بعدها علقت ضاحكة لغريفين: «أتمنى أن أكون موجودة في اللحظة التي يعرضان فيها الصور على معارفهما في أميركا».


مقالات ذات صلة

أمير وأميرة ويلز يشعران بـ«قلق بالغ» بعد كشف وثائق جديدة بقضية إبستين

أوروبا الأمير ويليام والأميرة كيت (أ.ف.ب)

أمير وأميرة ويلز يشعران بـ«قلق بالغ» بعد كشف وثائق جديدة بقضية إبستين

قال متحدث باسم قصر كنسينغتون، إن أمير وأميرة ويلز «يشعران بقلق بالغ» إزاء الجولة الأخيرة من الكشف عن معلومات جديدة تتعلق بجيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب) p-circle

وثائق جديدة: الأمير السابق أندرو شارك معلومات سرية مع إبستين

كشفت وثائق أميركية أُفرج عنها مؤخراً، أن الأمير البريطاني السابق، أندرو ماونتباتن - ويندسور، شارك معلومات وُصفت بأنها «سرية» مع جيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق كيت ميدلتون زوجة الأمير البريطاني ويليام (رويترز)

كيت ميدلتون تتحدث عن «الخوف والإرهاق» التي يواجههما مرضى السرطان

تحدثت كيت ميدلتون، أميرة ويلز، عن «الخوف والإرهاق» اللذين يرافقان رحلة مرضى السرطان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سارة فيرغسون الزوجة السابقة للأمير أندرو ماونتباتن - ويندسور (أ.ف.ب) p-circle

بعد أيام من نشر ملفات إبستين... مؤسسة سارة فيرغسون الخيرية تغلق أبوابها

أعلنت مؤسسة سارة فيرغسون الخيرية، الخاصة بالزوجة السابقة للأمير أندرو ماونتباتن-ويندسور، إغلاق أبوابها بعد أيام من ظهور معلومات جديدة بشأن قضية إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير البريطاني أندرو (رويترز)

ستارمر يطالب الأمير السابق أندرو بالإدلاء بشهادته أمام الكونغرس بشأن علاقاته بإبستين

قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن الأمير السابق أندرو يجب أن يدلي بشهادته أمام لجنة في الكونغرس الأميركي، عقب الكشف عن معلومات جديدة حول صلاته بإبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.