بالورود والدموع شيعت بريطانيا إليزابيث الثانية إلى مثواها الأخير

حوالي مليون شخص شاركوا في وداع الملكة الراحلة

نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)
نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)
TT

بالورود والدموع شيعت بريطانيا إليزابيث الثانية إلى مثواها الأخير

نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)
نقل نعش الملكة بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية (أ.ب)

ودعت بريطانيا ملكتها الأطول جلوساً على العرش أمس في جنازة رسمية مهيبة امتدت لأكثر من خمس ساعات، وفي ختام عشرة أيام من الحداد بدا لائقاً أن تخلو شوارع العاصمة لندن الرئيسية من المارة وأن تصبح مكاناً للمواطنين الراغبين في إلقاء نظرة الوداع على الملكة إليزابيث في رحلتها الأخيرة.
الجنازة ختمت أياماً من الحداد الشعبي والإجراءات الأمنية المكثفة والترتيبات للجنازة، بدأت كلها منذ يوم 8 سبتمبر (أيلول) حين أعلن القصر الملكي عن وفاة الملكة إليزابيث الثانية عن 96 عاماً. وقتها بدأ التجمع حول بوابات قلعة بالمورال حيث كانت الملكة وأيضاً خارج بوابات قصر باكنغهام، استمر تدفق الجمهور خارج الأسوار في لندن رغم الجو الماطر وطغت المظلات على المشهد العام خارج بوابات القصر التي حملت لوحة إعلان وفاة الملكة بعد أن وضعها عاملان من القصر قبلها بسويعات. ولم يتوقف سيل الجمهور حتى في الساعات الأولى من الفجر، بدا أن الجمهور مدعو لموعد أخير مع الملكة التي ظلت معهم في السراء والضراء على مدى سبعين عاماً.

رغم أن الملكة توفيت في عمر متقدم فإن كثيرين من شعبها صدموا بخبر وفاتها، كان الانطباع أنها ستظل معهم للأبد، لم يفكر أحد أنها ستتركهم في يوم من الأيام، «كانت ركناً ثابتاً في حياتنا»، كان التعليق الغالب من محبيها. تحولت مشاعر أفراد الشعب إلى الطريق الوحيد الذي يعبر به الشعب البريطاني عن حزنه: أطنان من باقات الورد تكاثرت أمام بوابات القصور الملكية وطوابير من الزوار. سارع الكثيرون لمحاولة رؤية النعش خارجاً من قلعة بالمورال متجها لإدنبره حيث وضع في كنيسة سان جايلز ليوم واحد ليتمكن المواطنون من إلقاء النظرة الأخيرة على ملكتهم، وبالفعل انتظمت الطوابير خارج الكنيسة وامتدت لأميال، البعض انتظر في ساعات الليل المتأخرة والفجر بصبر يستمد من الحزن قوته.

الرئيس الأميركي وزوجته في كاتدرائية وستمنستر أمس (أ.ف.ب)

ما شهدته شوارع إدنبره تحول ليصبح مشهداً في شوارع العاصمة لندن المحيطة بقصر باكنغهام وحول كاتدرائية وستمنستر حيث أقيمت المراسم الأخيرة. شيئاً فشيئاً بدأ توافد المواطنين لرؤية نعش الملكة المسجى في قاعة وستمنستر هول حسب التقليد الملكي، وبدأ الطابور في التشكل، آلاف المواطنين وفدوا على الطابور، انتظروا لساعات طويلة سويا للفوز بلحظات سريعة يمرون فيها أمام نعش ملكتهم الراحلة. تجولت كاميرات التلفزيون على الواقفين، قالوا إنهم يريدون أن يودعوا ملكتهم وأن يشاركوا في اللحظة التاريخية.

الملك تشارلز ووريث عرشه الأمير ويليام خلال الجنازة (أ.ب)
أطياف المجتمع في الطابور

شهد الطابور أناساً من جميع طبقات المجتمع البريطاني، بدا وكأن الطابور أصبح مجتمعاً مصغراً، أصبح له حياة مستقلة، تشارك المنتظرون في الحكايات والشطائر، التقطوا الصور سوياً ومع المشاهير الذين حرص بعضهم على الانتظار مع العامة بدلاً من اللجوء للمعاملة الخاصة، وهو أمر أغضب الكثيرين حين تواردت أخبار عن أعضاء برلمان منحوا امتيازا يعفيهم من الانتظار. رحب الواقفون بلاعب الكرة الشهير ديفيد بيكهام الذي انتظم معهم في الطابور لـ12 ساعة، قضى ساعات مع الجمهور وعلق لأحد مذيعي التلفزيون بأنه استمتع بالحديث مع رفقاء الطابور وأنه تناول شطائر السلمون معهم واشتكى فقط من ألم في الظهر من الوقوف والمشي المستمر في الطابور. ظهرت في الطابور الممثلة تيلدا سوينتون والمغني جيمس بلنت الذي قال مازحاً إنه عرض على الجمهور أن يغني لهم ليسمحوا له بالوصول لمقدمة الطابور. نجمة برامج الواقع شارون أوزبورن وقفت في الطابور والتقطت الصور مع المنتظرين قائلة: «أحب الملكة وقد حضرت إلى هنا لأني من مؤيدي الملكة وأحب العائلة المالكة». المذيعة سوزانا ريد رافقت والدتها وصديقتها في الانتظار لساعات وغردت عبر تويتر: «حضرت مع والدتي وصديقتها المقربة لرؤية جثمان الملكة في وستمنستر هول في لحظة تاريخية، كان المشهد مهيباً وجميلاً». كما قال الممثل دانييل مايز بطل مسلسل «لاين أوف ديوتي» إنه قضى 11 ساعة منتظراً في الطابور ليلقي نظرة الوداع على جثمان الملكة: «جعلني الدفء والتعاطف والحديث مع الآخرين خلال الانتظار أفخر بأني بريطاني ومن لندن».

إكليل ورود يعتلي نعش الملكة ويحمل رسالة خطية من ابنها تشارلز (رويترز)

يوم الجنازة... الصمت والورود
شوارع فارغة من المارة المعتادين، ومحال مغلقة، مشهد يذكر بعطلة الكريسماس في بريطانيا أو بحالة الإغلاق خلال جائحة كورونا، هذا ما لاحظه المعلقون أمس حيث أصبحت جنازة الملكة إليزابيث هي الحدث الوحيد في شوارع العاصمة الرئيسية. اصطف المواطنون على جوانب الشوارع المحيطة بكاتدرائية وستمنستر وحول قصر باكنغهام وعلى طول خط مسيرة الجنازة التي انطلقت من قاعة وستمنستر لتتوقف في الكاتدرائية ثم تنطلق مرة أخرى حاملة نعش الملكة على عربة مدفع، حملت والدها من قبلها، لتصل لقوس ويلينغتون في هايد بارك ثم انتقلت بالسيارة متجهة لقلعة وندسور.
وكان الآلاف قد نصبوا خيامهم الليلة الماضية في لندن للحصول على أفضل المواقع لمشاهدة أول جنازة رسمية في البلاد منذ عام 1965 عندما أقيمت جنازة رئيس الوزراء وينستون تشرشل. ومع توافد الآلاف امتلأت المواقع المسموح فيها بالانتظار لمشاهدة الجنازة، وتوقعت الجهات المسؤولة أن يبلغ عدد من توافدوا لمشاهدة الجنازة حوالي مليون شخص.
خارج العاصمة تجمع الصغار والكبار حول شاشات التلفزيون لمتابعة الجنازة في المتنزهات الكبرى، ونقلت «رويترز» مشاهدات من مدينة هيستينجز الساحلية بمقاطعة كنت حيث رصدت مشاهدة المئات لمشاهدة الجنازة عبر شاشات ضخمة بأحد المتنزهات. وفي مانشستر حيث تابع المئات الجنازة داخل كاتدرائية مانشستر وفي الساحات وأيضاً في المطارات حيث نقلت الشاشات المراسم لمن لم يستطع التواجد في مكان الحدث. وفي عموم بريطانيا وضعت الشاشات الضخمة في الكاتدرائيات وبثت المراسم دور السينما.

أفراد العائلة المالكة ينتظرون نقل النعش من كاتدرائية وستمنستر أمس (أ.ب)

نقلت «رويترز» عن سيدة حضرت للندن لمشاهدة الجنازة واستقرت في متنزه هايد بارك حيث وضعت شاشات ضخمة للبث المباشر قولها: «من الصعب التعبير بالكلمات عما شاهدناه للتو. كان حقاً مميزاً ولا ينسى... لقد كان محزناً للغاية. حزن كبير جداً جداً. نهاية حقبة». أما كولين ساندرز (61 عاماً)، وهو جندي متقاعد جاء إلى لندن من شمال يوركشير لتوديع الملكة، فلم يتمكن من كبح دموعه خلال الاستماع لمراسم الجنازة.
وقال: «شعرت أننا هناك ونشارك... كان هذا مؤثراً جداً... إنها مثل الجدة، شخص يقدم الحب والاهتمام. قالت إنها ستخدم البلاد، وقد أوفت».
سكان ويندسور يودعون جارتهم
لم يخل طريق مرت فيه الجنازة من وسط لندن حتى وندسور من الجمهور المنتظر بصبر، منذ أيام في بعض الحالات، حييوا الموكب بالهتاف وبالتصفيق وبإلقاء الورود. فرشت الورود الطريق والتصق بعضها بالسيارة الجنائزية.
في الطريق لوندسور أوقف أصحاب المزارع عرباتهم وشاحناتهم في طابور انتظم لتحية موكب الملكة وهو تقليد اتبعوه لوداع المزارعين من جيرانهم، عبر كثيرون منهم عن تقديرهم للملكة وخصوها بالتقدير لكونها «جارتهم». لم تكن المرة الأولى التي يستخدم فيها وصف «الجارة» على الملكة، فهي كانت قريبة من السكان حول قصورها الريفية خاصة، يرونها دائماً ويلقون عليها التحية وتهتم بأمورهم. كانت كثيراً ما تمشي بين المزارع أو تقود عربتها بنفسها. يذكر أحد حراسها أنها في مرة أرادت المشي في المنطقة حول قلعة بالمورال في اسكوتلندا مرتدية «إيشارباً» على رأسها عندما قابلها اثنان من المتنزهين اللذين ألقيا التحية على الملكة وحارسها ولم يبد عليهما أنهما تعرفا على الملكة. بحسب رواية ضابط الحراسة ريتشارد غريفين فقد سأل السائحان الملكة أين تعيش؟ وقالت ببساطة إنها تعيش في لندن ولكن أيضاً لديها منزل بالقرب من هنا، عندها سألها أحدهم: «إذن من المؤكد أن تكوني لمحتي الملكة هنا؟»، فردت عليه قائلة: «لم أرها ولكن (ديك) مشيرة لضابط الحراسة (هو يقابلها دائماً)». وبالتالي كان السؤال التالي للضابط بأن يصف لهما الملكة: «فاستطرد غريفين قائلاً إنها قد تكون (مشاكسة في بعض الأوقات ولكن تتمتع بحس دعابة جميل)». وباعتبار غريفين أكثر أهمية من المرأة بصحبته طلب السائحان من الملكة أن تلتقط صورة لهما مع غريفين الذي اقترح عليهما أن يلتقطا صورة معها أيضاً. بعدها علقت ضاحكة لغريفين: «أتمنى أن أكون موجودة في اللحظة التي يعرضان فيها الصور على معارفهما في أميركا».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق سارة فيرغسون الزوجة السابقة للأمير أندرو ماونتباتن - ويندسور (أ.ف.ب) p-circle

بعد أيام من نشر ملفات إبستين... مؤسسة سارة فيرغسون الخيرية تغلق أبوابها

أعلنت مؤسسة سارة فيرغسون الخيرية، الخاصة بالزوجة السابقة للأمير أندرو ماونتباتن-ويندسور، إغلاق أبوابها بعد أيام من ظهور معلومات جديدة بشأن قضية إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير البريطاني أندرو (رويترز)

ستارمر يطالب الأمير السابق أندرو بالإدلاء بشهادته أمام الكونغرس بشأن علاقاته بإبستين

قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن الأمير السابق أندرو يجب أن يدلي بشهادته أمام لجنة في الكونغرس الأميركي، عقب الكشف عن معلومات جديدة حول صلاته بإبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري دوق ساسكس (إ.ب.أ)

الأمير هاري يدلي بشهادته أمام المحكمة العليا في لندن بشأن قضية انتهاك الخصوصية

بدأ الأمير البريطاني هاري، دوق ساسكس، اليوم (الأربعاء)، الإدلاء بشهادته أمام المحكمة العليا في لندن، بشأن قضية تتعلق بانتهاك الخصوصية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري دوق ساسكس (أ.ب)

الأمير هاري يحضر جلسة استماع في لندن بقضيته ضد «ديلي ميل»

وصل الأمير البريطاني هاري، دوق ساسكس، إلى محكمة لندن، الاثنين، لحضور جلسة الاستماع الثالثة والأخيرة ضمن سعيه القانوني لكبح جماح الصحف الشعبية البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».