«بيت الزيتون أون ذا غو»... الأكل اللبناني على موجة التكنولوجيا

بعد نجاحه في «بارك رويال» يصل إلى نايتسبريدج بحلة عصرية

بطاطس مقلية بنكهات متعددة على طريقة «بيت الزيتون أون ذا غو»
بطاطس مقلية بنكهات متعددة على طريقة «بيت الزيتون أون ذا غو»
TT

«بيت الزيتون أون ذا غو»... الأكل اللبناني على موجة التكنولوجيا

بطاطس مقلية بنكهات متعددة على طريقة «بيت الزيتون أون ذا غو»
بطاطس مقلية بنكهات متعددة على طريقة «بيت الزيتون أون ذا غو»

عندما تذكر منطقة «بارك رويال» تخطر على بالك تلك المدينة الصناعية التي تضم المعامل والمصانع وورشات تصليح السيارات، ولكن في الفترة الأخيرة أصبحت تمر بتلك المنطقة لتشتم رائحة الحلوى والمأكولات والمخبوزات الشرقية حيث تفوح رائحة المناقيش والزعتر. «بارك رويال» الواقعة في شمال غربي لندن معروفة بأنها تضم أكثر من 73 ألف شركة يعمل فيها أكثر من 43 ألف موظف، وتعدّ أكبر مدينة صناعية في العاصمة، رأى فيها العرب ملاذاً للعمل والتجارة فكانوا من بين أوائل المستثمرين فيها، إلا إن أقوياء القلوب رأوا فيها ما هو أبعد من محل للحدادة وبيع قطع السيارات أو مصنع للخشب؛ رأوا فيها عنواناً لتعريف الغرب بالمطبخ الشرقي بشكل عام واللبناني على وجه الخصوص.
وكان الشاب اللبناني أيمن عاصي من بين أصحاب تلك الرؤية فتحدى المألوف وقرر أن يفتتح أول مطعم له على ضفة قناة الماء في منطقة صناعية بحتة. ففي عام 2017 افتتح مطعم «بيت الزيتون» ليصبح اليوم من أهم عناوين الأكل اللبناني في «بارك رويال»، وليس هذا فحسب؛ إنما كان السبب في تقوية مستثمرين آخرين قلوبهم وافتتاح مشروعات مماثلة بالقرب منه.


سندويتشات محضرة بمطبخ المطعم في نايتسبريدج

منذ افتتاح المطعم الذي يذكرك بمطاعم لبنان المحاذية للماء، وهو آخذ في التوسع بعد الإقبال الشديد عليه من قبل الجالية العربية واللندنيين أيضاً، فجرى توسيع المطعم من حيث المساحة، ولم يكتف أيمن عاصي بهذا القدر من التوسيع فقرر أن ينقل علامته اللبنانية لتصل إلى منطقة نايتسبريدج التي تعدّ مرتعاً للعرب والخليجيين تحديداً والمتسوقين، فركب موجة التكنولوجيا من خلال أول فرع لـ«بيت الزيتون أون ذا غو (Beit El Zaytoun On The GO)»؛ وهو مطعم صغير الحجم يتم طلب المأكولات اللبنانية فيه عن طريق تطبيق إلكتروني يسهل طريقة الشراء ويختصر الوقت، وتباع في هذا الفرع الصغير، الذي يعتمد على الموقع الصحيح في قلب العاصمة، السندويتشات اللبنانية الطازجة التي تحضر بمكونات جيدة وخبز من صنع المطعم أيضاً ولكن بأسلوب عصري ومبتكر.
في مقابلة مع صاحب «بيت الزيتون» والرئيس التنفيذي في الشركة، أيمن عاصي، قال إنه لطالما أراد أن ينشر المطبخ اللبناني في لندن على طريقته التي تعكس أسلوبه العصري، ولطالما أراد أن يكون لـ«بيت الزيتون» وجود في منطقة مثل نايتسبريدج الراقية، ويسعى إلى أن يكون لـ«بيت الزيتون أون ذا غو» 5 أفرع بحلول 2025، ورؤيته ترتقي للوجود في مناطق شهيرة في لندن تفسح المجال لأهلها وزوارها لتذوق ألذ الأطباق اللبنانية السريعة التي تعتمد على المنتج الجيد.


عبارات لبنانية تبناها «بيت الزيتون»

ويقول عاصي: «أسعى إلى أن يكون هذا المشروع رؤية تحتذى. (أون ذا غو) لن يكون مطعماً عادياً؛ إنما عنوان للحصول على الأكل الجيد بسرعة فائقة، من خلال الطلب عن طريق تطبيق خاص بالعلامة يغنيك عن التواصل مع عامل البيع وتضييع الوقت، كما ستكون داخل كل فرع ماكينات خاصة تخولك إجراء الطلبية حسب ذوقك فتختار الصلصة التي تفضلها والخبز الذي تريده دون الحاجة للتواصل مع أحد العمال».
أفكار عاصي مصدرها شغفه وحبه لعمله الذي لا يخجل من أن يتكلم عن بدايته المتواضعة، فهو جاء إلى لندن في عمر العشرين فغسل الصحون في مطبخ أحد المطاعم اللبنانية، وبعدها عمل في مجال توصيل الطعام، ليصبح بعدها بائعاً في أحد المتاجر، ليقطع على نفسه وعداً بألا يعمل لصالح أحد، وقرر أن يكون سيد نفسه ويفتح أول مشروع له. افتتح مطعماً، ولكن لسوء الحظ فشل وتسبب في تكبيده خسائر مادية كبيرة وصلت إلى 400 ألف جنيه إسترليني، ولكنه لم ييأس وبقيت فكرة العمل على باله، فبدأ بمشروع ركن السيارات الخاصة «فاليه باركينغ»، وحبه السيارات جعله يفتح مكتباً لتأجير السيارات ليفتح شركة بعدها أطلق عليها اسم «Amerald Uk» تعنى بتقديم الخدمات الراقية من السيارات إلى الطائرة الخاصة إلى تأمين الخدمات كافة، وهذا المشروع لا يزال قائماً، ولكن الهدف الأهم في حياة أيمن هو إيصال المطبخ اللبناني بحلته العصرية إلى أكبر عدد في لندن.


أيمن عاصي صاحب «بيت الزيتون» ورؤية «أون ذا غو» العصرية

اليوم يعدّ «بيت الزيتون» من العناوين اللبنانية المميزة، ويقصده الذواقة لتناول الفطور اللبناني والغداء على أنغام فيروز، والعشاء على صوت العود. استطاع أيمن عاصي أن يجعل من «بيت الزيتون» مكاناً يحتذى.
ويقول عاصي: «قد تكون منطقة (بارك رويال) بعيدة بالنسبة إلى البعض عن وسط لندن، ولهذا السبب أسعى إلى أن تكون لتلك العلامة فروع عدة في وسط العاصمة تقدم نخبة الأطباق السريعة المتوفرة على لائحة الطعام في المطعم الأم ، وأشار إلى أن جميع المأكولات المتوفرة في نقاط البيع في وسط لندن تحضر في المكان نفسه، وهي طازجة لضمان ألذ مذاق» .
وعن لائحة الطعام التي ستكون متوفرة في فرع «أون ذا غو» فإنها «متنوعة»؛ بحسب وصف أيمن عاصي، الذي شدد على أهمية تقديم ما يناسب الجميع؛ بمن فيهم الـ«فيغن» والنباتيين بحيث ستكون هناك لائحة تحت اسم «Green Lovers» تقدم مأكولات سريعة على طريقة الـ«Street Food» تستهدف الزوار والتلاميذ والموظفين في وسط لندن. ومن المعروف عن عاصي تشجيعه ممارسة الرياضة، ولهذا السبب سيقدم في فروعه الجديدة السريعة مأكولات بسعرات حرارية منخفضة لتتناسب مع الأشخاص الذين يتبعون حميات غذائية منظمة.
وعند سؤاله عما إذا كان على دراية بالمنافسة الحادة بين المطاعم الشرقية في وسط لندن، قال عاصي: «المنافسة مفتاح النجاح، والعمل الدؤوب من شأنه أن يجعل من يقف وراءه مميزاً. أعرف أن المنافسة قوية، ولكن ما أسعى إلى تقديمه في أسلوب (أون ذا غو) مختلف تماماً؛ لأنه يعتمد على التكنولوجيا والعصرية، ومن الممكن حجز ما تود أكله عن طريق نظام (Click and Collect) وكل هذا لتفادي تضييع الوقت والانتظار» .


مقالات ذات صلة

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

مذاقات «تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

في زمن تتسارع فيه تقنيات الطهي وتتغير فيه أساليب إعداد الطعام، يحتفظ المطبخ اليمني بمكانته بوصفه أحد المطابخ العربية التي لا تزال متمسكة بجذورها وطرق تحضيرها

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

لم تعد بودروم مجرد مدينة ساحلية تركية تشتهر بشواطئها الفيروزية وحياتها الليلية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات لعشاق فنون الطهي الفاخرة

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات اللحم المفروم... الطريق الأفضل لوجبات مقلية ألذ

اللحم المفروم... الطريق الأفضل لوجبات مقلية ألذ

عندما يتعلق الأمر بأطباق القلي السريع على طريقة «ستير فراي»، فإن العمل الحقيقي والجهد الأكبر يحدثان قبل حتى أن تسخن المقلاة.

ميليسا كلارك (نيويورك)
مذاقات تصميم حديقة «هارت غاردنز» في ميفير (الشرق الأوسط)

مطعم جديد في لندن يفتح باباً للنحاتين لتصميم وعرض أعمالهم في حديقته

في قلب منطقة ميفير، في خطوة جديدة من نوعها، يتيح مطعم جديد في منطقة ميفير بلندن فرصة أمام النحاتين لعرض أعمالهم في أحد المواقع البارزة في قلب العاصمة البريطانية


«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)
TT

«تاكو آل باستور»... حين أصبحت الشاورما مكسيكية

تاكو ال باستور (غيتي)
تاكو ال باستور (غيتي)

لطالما كان الطعام أكثر من مجرد وسيلة لسدّ الجوع، فهو لغة تتجاوز الحدود، وتحمل في مكوناتها وطرق إعدادها قصص الشعوب وحكايات تواصلها عبر العصور. فمن خلال طرق التجارة والهجرات والرحلات والحروب، انتقلت التوابل والحبوب وطرق الطهي بين البلدان، لتصل أطباق من ثقافة إلى أخرى وتكتسب مع مرور الزمن نكهات جديدة وهوية مختلفة.

ولعلّ ما نأكله اليوم هو نتيجة قرون طويلة من هذا التبادل الثقافي، فمكونات كانت غريبة عن بعض الشعوب أصبحت جزءاً أساسياً من مطابخها، وأطباق انتقلت من موطنها الأصلي تطورت لتأخذ طابعاً محلياً جديداً. وبين المطابخ: العربي، والهندي، والمتوسطي، والآسيوي، والأوروبي، تكشف رحلة الطعام كيف استطاعت الموائد أن تجمع الشعوب، وتحول الاختلاف الثقافي إلى تجربة مشتركة تتذوقها الأجيال جيلاً بعد جيل.

والدليل على ذلك هو طبق «تاكو آل باستور» الذي يعتبر من أشهر الأطباق المكسيكية، واللافت في قصته صلته بالمطبخ اللبناني، والهجرة والتبادل الثقافي.

القصة بدأت مع موجات الهجرة القادمة من بلاد الشام إلى المكسيك في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ومع انهيار الدولة العثمانية، غادر كثير من أبناء المنطقة، وبينهم لبنانيون وسوريون، موطنهم بحثاً عن حياة جديدة في الأميركتين. واستقر عدد كبير منهم في المكسيك، ولا سيما في مدينة بويبلا، حاملين معهم عاداتهم ولغتهم ومأكولاتهم.

كان من أهم ما انتقل مع هؤلاء المهاجرين أسلوب طهي اللحم على سيخ عمودي دوّار، وهو الأسلوب الذي يشبه الطريقة المستخدمة في الشاورما والدونر في المشرق.

في المكسيك، بدأ هذا الأسلوب يأخذ شكلاً جديداً. فبدلاً من لحم الخروف المستخدم في النسخ الشامية التقليدية، استُخدم في البداية لحم الخنزير، وبدأ اللحم يُتبّل بخليط مكسيكي من الفلفل الحار والتوابل والخل، ثم يُرص في طبقات على سيخ عمودي يعرف باسم «ترومبو».

"ترومبو" المستوحى من الشاورما الشامية (غيتي)

وهنا بدأت عملية التحول: لم تعد الوصفة شاورما كما كانت في بلاد الشام، ولم تكن في الوقت نفسه طبقاً مكسيكياً تقليدياً بالمعنى القديم؛ بل أصبحت شيئاً جديداً نشأ من لقاء ثقافتين.

تُشير روايات تاريخية وغذائية إلى أن البدايات المهمة لهذا الطبق كانت في ولاية بويبلا، حيث استقر مهاجرون من بلاد الشام وبدأوا في تقديم نسخ مكسيكية من اللحم المشوي على السيخ.

ومن هذه البيئة ظهر ما يعرف باسم تاكو أرابيس، الذي يُعد مرحلة مهمة في الطريق نحو «تاكو آل باستور». ومع مرور الوقت، استُبدلت الخبزة أو الخبز المسطح وحل محله التورتيلا المكسيكية.

ثم انتقلت الفكرة إلى مكسيكو سيتي، حيث تطورت أكثر، وأصبح اللحم يُتبّل بالأدوبو المكسيكي، ويُقدّم داخل تورتيلا الذرة الصغيرة. أما الأناناس الذي أصبح اليوم علامة مميزة للطبق، فيوضع عادة فوق السيخ، ويقطع الطاهي منه قطعة صغيرة فوق التاكو إلى جانب اللحم، مع البصل والكزبرة والليمون.

لماذا يسمى «آل باستور»؟

تعني عبارة Al Pastor بالإسبانية «على طريقة الراعي». وهناك تفسيرات مرتبطة بالمرحلة المبكرة التي كان فيها لحم الخروف أو الضأن جزءاً من هذا التقليد، ولا توجد رواية تاريخية واحدة تحسم كل تفاصيل نشأة الطبق، قد يختلف البعض حول السنة التي ظهر فيها التاكو آل باستور في المكسيك، ولكن ما لا يختلف عليه اثنان، هي الصلة بين تقنيات الشواء التي جاء بها مهاجرو بلاد الشام وبين تطور هذا الطبق في المكسيك.

وتشير بعض الروايات إلى أن أبناء المهاجرين اللبنانيين كانوا من الذين ساهموا في إعطاء الطبق هويته المكسيكية خلال منتصف القرن العشرين، وأنه انتشر على نطاق واسع في الستينيات.

ربما تكمن روعة «تاكو آل باستور» في أنه لا ينتمي بالكامل إلى طرف واحد.

تقنية الشواء على السيخ العمودي (الشاورما) تحمل إرثاً شرق أوسطي، بينما التتبيلة والتورتيلا والأناناس والكزبرة والبصل والليمون تنتمي إلى عالم المطبخ المكسيكي.وهكذا تحولت وصفة حملها مهاجرون لبنانيون وسوريون معهم عبر المحيط إلى طبق أصبح اليوم أحد رموز المطبخ المكسيكي، وخصوصاً ثقافة الطعام الشعبي في العاصمة.

أين تأكل أفضل «تاكو آل باستور»؟

في وسط مكسيكو سيتي يمكنك تناوله في «تاكو إل هيكيت» وهو محل يعود إلى عام 1959 ويُعد من المؤسسات التاريخية المرتبطة بالـ«تاكو آل باستور».

أما من يريد تجربة أكثر ارتباطاً بفكرة «الترومبو» والطريقة الشعبية الحديثة، فيمكنه زيارة «إل فيلسيتو»، وهو من الأسماء التي تحظى بشهرة كبيرة بين محبي التاكو في العاصمة.

وهناك أيضاً «إل تيزونسيتو كريادوريس دل تاكو آل باستور» في كونديسا، وهو مطعم ينسب إلى نفسه ابتكار النسخة الحديثة من «تاكو آل باستور» عام 1966، وهي دعوى تاريخية محل نقاش، لكنها جعلت المكان جزءاً من قصة الطبق.

وإذا كان الزائر يريد تجربة مختلفة، فإن «تاكيريا أورينوكو» في روما تقدم نسخة معروفة من التاكو، وإن كانت أكثر حداثة وأقل ارتباطاً بالطابع الشعبي القديم.

أما في لبنان فيمكن تناوله في كل من «لوكاس تاكيريا» الواقع في العاصمة بيروت وهو مطعم متخصص بالتاكو. وإل كاميون وكاتريناس بيروت.

أما في مدينة جبيل فمن الممكن تذوق التاكو التقليدي في مطعم إل مولينو والذي يعود تاريخ افتتاحه لعام 1992.

وهناك أيضاً مطعم في الجميزة يحمل اسم «إل باستور» ومتخصص هو أيضاً في تقديم الطبق.

والمفارقة الجميلة أن اللبناني يستطيع اليوم أن يأكل في بيروت طبقاً مكسيكياً تطورت فكرته جزئياً من تقنية الشاورما التي حملها مهاجرون من بلاد الشام إلى المكسيك. أي أن الطبق، بعد رحلة استمرت أكثر من قرن، عاد إلى المنطقة التي خرج منها أحد جذوره.


كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية
المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية
TT

كيف حافظ المطبخ اليمني على أسرار نكهته بين الحجر والنار؟

المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية
المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية

في زمن تتسارع فيه تقنيات الطهي وتتغير فيه أساليب إعداد الطعام، يحتفظ المطبخ اليمني بمكانته بوصفه أحد المطابخ العربية التي لا تزال متمسكة بجذورها وطرق تحضيرها التقليدية. فالأطباق اليمنية لا تعتمد على المكونات وحدها لصناعة مذاقها، بل تمنح طريقة الطهي نفسها دوراً أساسياً في تشكيل النكهة، من الأفران الحجرية إلى الحفر الأرضية والأحجار الساخنة.

ويتميز المطبخ اليمني بتنوع كبير يرتبط بتنوع البيئات والمناطق، إذ تحمل كل منطقة تقاليدها الخاصة في إعداد الطعام، كما تختلف طرق تحضير الطبق الواحد من مكان إلى آخر. وتظهر هذه الخصوصية بوضوح في أطباق مثل المندي والمظبي والسلتة والفحسة، إلى جانب المزموم والمخمود وأنواع الأرز اليمني.

المندي

يعد المندي من أشهر الأطباق اليمنية وأكثرها انتشاراً، وترتبط أصوله بمنطقة حضرموت. وتكمن خصوصيته في طريقة الطهي أكثر من اعتماده على كثرة التوابل؛ إذ يُطهى اللحم أو الدجاج في بيئة حرارية محكومة داخل حفرة، بحيث ينضج ببطء ويحتفظ بعصارته ونكهته الطبيعية.وتمنح هذه الطريقة اللحم قواماً طرياً يصل إلى درجة عالية من النضج، بينما تتداخل معه النكهات الناتجة عن الحرارة والحجر. ولهذا يختلف المندي التقليدي عن بعض طرق الطهي المشابهة، مثل المدفون، الذي يعتمد بدرجة أكبر على التتبيل المكثف وتغليف اللحم قبل طهيه.

وتكشف هذه المقارنة عن فلسفة مهمة في المطبخ اليمني: فالتتبيلة ليست دائماً العنصر الأهم، بل قد تكون طريقة تعريض المكونات للحرارة هي التي تمنح الطبق شخصيته الأساسية.

ديكورات مطعم "سبأ" تتضمن تفاصيل تصميمية لتعكس الهوية اليمنية

المظبي

من طرق الطهي اليمنية المعروفة أيضاً المظبي، الذي يعتمد على وضع قطع اللحم أو الدجاج فوق أحجار طبيعية محماة. وتعمل الأحجار هنا كوسيط حراري يمنح اللحم حرارة مباشرة، مع التخلص من جزء من الرطوبة، ليقترب الناتج النهائي من مذاق الشواء مع لمسة مدخنة مميزة. وتعكس هذه الطريقة علاقة المطبخ اليمني بالمواد الطبيعية ووسائل الطهي التقليدية، حيث تتحول النار والحجر إلى جزء أساسي من الوصفة، وليس مجرد أدوات لإتمام عملية النضج.المزموم والمخمود

تظهر براعة الطهي اليمني كذلك في طرق تعتمد على إحاطة اللحم بالحرارة والنكهات لفترة طويلة. ففي المزموم، يُلف اللحم بعد تتبيله يدوياً بورق الزبدة والقصدير، ثم يوضع داخل الفرن التقليدي حتى ينضج ببطء وتتداخل النكهات مع عصارته.

أما المخمود، فيعتمد على وضع اللحم بين الأحجار الساخنة، ما يمنحه مزيجاً من النعومة الناتجة عن احتباس الحرارة والنكهة القوية التي يضيفها الطهي المباشر بالحجر.

السلتة والفحسة

ولا تقتصر خصوصية المطبخ اليمني على اللحوم والأرز، إذ تحضر السلتة والفحسة بوصفهما من أبرز الأطباق الشعبية التي ارتبطت بالمائدة اليمنية.

السلتة طبق غني ومتعدد المكونات، ويمكن أن تُجمع فيه اللحوم والخضراوات والتوابل في قوام متماسك، وتقدم عادة في آنية حجرية تساعد على الاحتفاظ بحرارتها. وتختلف مكوناتها وفقاً للمنطقة والموسم وطريقة التحضير.

أما الفحسة، فتقوم على اللحم المهروس جيداً حتى يصبح متجانس القوام، وتأتي الحلبة في مقدمة العناصر التي تمنحها شخصيتها المميزة. وتُعد الحلبة من المكونات اللافتة في عدد من الأطباق اليمنية، سواء من حيث النكهة أو طريقة تقديمها.

الأرز... تنوع في التقنية قبل النكهة

يحضر الأرز بقوة على المائدة اليمنية، ومن أبرز أنواعه الكبسة والمضغوط، إلا أن الاختلاف بينهما لا يقتصر على المكونات.

في الكبسة اليمنية، يجري استخلاص نكهة اللحم أو الدجاج مع الأرز والبهارات بطريقة تحافظ على وضوح المذاق، بينما يعتمد المضغوط على دمج المكونات مع الصلصة داخل قدر الضغط، مما ينتج أرزاً أكثر غنى من حيث القوام والنكهة. وهنا أيضاً تظهر إحدى سمات المطبخ اليمني، وهي أن التقنية المستخدمة في إعداد الطبق قد تكون بنفس أهمية مكوناته.

ولا تزال محاولات نقل المطبخ اليمني إلى خارج موطنه تعتمد في جانب منها على الحفاظ على طرق الطهي التقليدية، وليس مجرد تقديم الأطباق بأسمائها. ومن هذه التجارب مطعم «سبأ» في مدينة نصر شرق القاهرة، الذي افتتح أبوابه حديثاً مستعيناً بطهاة يمنيين وأفران حجرية تقليدية لتقديم عدد من الأطباق اليمنية.

ويقول مدير المطعم، مصطفى الضوراني، إن فكرة تأسيس «سبأ» جاءت من رغبة مؤسسيه في نقل الهوية اليمنية إلى مصر، مشيراً إلى أن اختيار القاهرة جاء باعتبارها مدينة عالمية قادرة على احتضان ثقافات متعددة. ويضيف أن الهدف لم يكن مجرد إقامة مشروع تجاري، وإنما تقديم الطعم اليمني الأصيل كما يقدم في صنعاء وعدن وغيرها، وأن يكون المطعم بمثابة جسر ثقافي بين بلدين يمتلكان حضارتين عريقتين.ويشير الضوراني إلى أن الحفاظ على أصالة المطبخ اليمني يتطلب الاستعانة بأصحاب الخبرة، موضحاً أن المطعم جمع طهاة مختصين من مناطق مختلفة في اليمن، ممن توارثوا مهنة الطهي عن أجدادهم، لأن لكل طبق أصله وبيئته وطريقته الخاصة في التحضير. ويضرب مثالاً بالمندي الذي تعد حضرموت موطنه الأصلي، مؤكداً أهمية الحفاظ على هوية كل صنف كما يقدم في منطقته.

ومن أجل الحفاظ على طرق الطهي التقليدية، يوضح أن المطبخ جرى تقسيمه إلى أقسام متخصصة، بحيث يكون لكل صنف رئيسي مساحته ومعداته، إلى جانب أفران تقليدية بنيت من أحجار الغرانيت لمحاكاة الطريقة المستخدمة في البيئة اليمنية. ويؤكد الضوراني أن «الصنعة» الحقيقية في المندي لا تكمن في كثرة البهارات، وإنما في تقنية التسوية نفسها، موضحاً أن المندي الأصلي يعتمد على نضج اللحم في بيئة حرارية طبيعية ومحكومة داخل الحفرة، حتى يصل إلى درجة من النضج تمنحه قواماً شديد الطراوة، مع احتفاظه بنكهته الطبيعية.

ويفرّق كذلك بين المندي والمدفون، مشيراً إلى أن المدفون يعتمد بصورة أكبر على تتبيلة مكثفة وتغليف اللحم قبل وضعه في الحفرة، بينما يحافظ المندي على نكهة اللحم الطبيعية، مستفيداً من طريقة تعرضه للحرارة والحجر.

أما المزموم، فيصفه بأنه من الطرق التي تساعد على الحفاظ على عصارة اللحم؛ إذ يُلف اللحم بعد نضجه يدوياً بورق الزبدة والقصدير مع خلطة من البهارات، ثم يوضع في الفرن التقليدي حتى يتشرب النكهات. بينما يشبه المخمود المزموم من حيث دقة التتبيل، لكنه يوضع بين الأحجار الساخنة ليستفيد من حرارتها المباشرة، وهو ما يمنحه، بحسب وصفه، مزيجاً بين نعومة الطهي بالبخار وقوة الطهي بالحجر.

وفي النهاية، فإن سر المطبخ اليمني لا يكمن في طبق واحد أو خلطة توابل بعينها، وإنما في منظومة متكاملة تجمع بين المكونات المحلية، والتوابل، والصبر، والنار، والحجر، وطرق الطهي التي انتقلت عبر الأجيال.


لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)
تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)
TT

لماذا أصبحت بودروم عاصمة المطاعم الفاخرة على بحر المتوسط؟

تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)
تشهتر مطاعم بودروم بإطلالات رائعة على البحر (الشرق الأوسط)

لم تعد بودروم مجرد مدينة ساحلية تركية تشتهر بشواطئها الفيروزية وحياتها الليلية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الوجهات العالمية لعشاق فنون الطهي الفاخرة. فبينما كانت المدن المتوسطية الكبرى مثل سان تروبيه، كابري وميكونوس تهيمن على مشهد المطاعم العالمية، بدأت بودروم تفرض حضورها بقوة من خلال استقطاب أشهر الطهاة والعلامات العالمية في عالم الضيافة.

اليوم، أصبح تناول العشاء في بودروم تجربة تتجاوز الطعام نفسه؛ فهو لقاء بين الموقع الساحر على بحر إيجة، والتصميم والديكورات اللافتة، والخدمة الجيدة، والأطباق التي تحمل توقيع أسماء طهاة عالميين. من المطاعم التي تعتمد على النار والجمر مثل «لينيا باي داني غارسيا»، إلى المطبخ الياباني المعاصر في «زوما»، والتجربة الإيطالية الأنيقة في «جيجي ريغولاتو»، والمطبخ العالمي الذي يقدمه الشيف «وولفغانغ باك» في «سباغو»، وصولاً إلى الفخامة الكلاسيكية في «كافيار كاسبيا»، أصبحت بودروم اليوم خريطة مصغرة لأهم اتجاهات الطهي العالمي.

مطاعم جميلة على الواجهة البحرية (الشرق الأوسط)

هذا التحول لم يأت عن طريق الصدفة، فقد أسهمت الاستثمارات الكبرى في قطاع الفنادق والمنتجعات في خلق بيئة مثالية لجذب هذه العلامات. كما أن طبيعة المنطقة نفسها، بما توفره من مأكولات بحرية طازجة، وزيت زيتون عالي الجودة، وأعشاب متوسطية، ومنتجات محلية مميزة، منحت الطهاة فرصة لدمج الهوية الإيجية مع الرؤية العالمية.

قد يكون السبب الأهم هو موقع بودروم وطبيعتها الساحلية الجميلة، ونوعية الزبائن الدوليين الذين يأتونها من جميع أنحاء الدول الباحثين عن تجارب استثنائية. فمع تطور قطاع الضيافة وافتتاح منتجعات عالمية المستوى، وجدت العلامات الفاخرة في المدينة البيئة المثالية لتقديم مفاهيمها الطهوية. كما أن ثراء المنطقة بالمكونات المحلية، من المأكولات البحرية الطازجة وزيت الزيتون والأعشاب المتوسطية، منح الطهاة فرصة لدمج النكهات المحلية مع رؤيتهم العالمية. واليوم، لم تعد بودروم مجرد وجهة صيفية، بل أصبحت محطة يقصدها عشاق الطعام خصيصاً لتجربة مطعم يحمل توقيع شيف عالمي أو تذوق طبق أصبح جزءاً من هوية علامة شهيرة، مما جعلها تنافس أبرز وجهات الطعام الفاخر في البحر الأبيض المتوسط.

إليك أبرز المطاعم التي تستحق الزيارة، وأشهر الأطباق التي تميز كل منها:

الستيك في مطعم لينيا باي داني غارسيا (الشرق الأوسط)

لينيا باي داني غارسيا

يقع داخل منتجع ماكس رويال، ويعد من أحدث المطاعم العالمية في المدينة. يقدم الشيف الإسباني داني غارسيا رؤية عصرية لمطاعم الستيك، حيث يعتمد على الطهي على النار، مع اهتمام كبير بجودة اللحوم وتقنيات الشواء. أشهر أطباقه:

• الأفوكادو المشوي.

• برغر لينا الشهير.

• ستيك (ريب آي) معتّق يُطهى على الفحم.

أطباق منمقة بتوقيع أهم الطهاة العالميين (الشرق الأوسط)

زوما

يُعد أحد أكثر المطاعم حيوية، ويتميز بإطلالة خلابة على بحر إيجة وأجواء عصرية. يعتمد على أسلوب إيزاكايا الياباني الذي يقوم على مشاركة الأطباق. من أشهر ما يقدمه:

• سمك القد الأسود المتبل.

• لحم الواغيو المشوي.

• السوشي والساشيمي.

• الجمبري المشوي على روباتا.

ماتشاكزي

يقع داخل فندق ماتشاكزي في توركبوكو، ويعد من أشهر مطاعم بودروم منذ سنوات، ويقصده المشاهير وأصحاب اليخوت. يعتمد على المطبخ المتوسطي باستخدام مكونات محلية عالية الجودة. من أبرز أطباقه:

• الأخطبوط المشوي.

• الأسماك الطازجة.

• السلطات التي تعتمد على المكونات المحلية بما فيها زيت الزيتون.

• أطباق البحر الأبيض المتوسط المبتكرة.

مالفا

يقع في فندق سوسونا، وهو من المطاعم التي أوصى بها دليل ميشلان لتميزه في تقديم المطبخ المحلي بأسلوب مختلف. يركز على المنتجات الموسمية القادمة من منطقة بحر إيجة، من أشهر أطباقه:

• المأكولات البحرية.

• أطباق تعتمد على زيت الزيتون والأعشاب البرية.

توتي

من أفضل المطاعم التي تقدم المطبخ التركي الحديث، ويقوده الشيف هاكان سوفه، الذي يعيد تقديم وصفات بحر إيجة التقليدية بأسلوب معاصر. من أشهر أطباقه:

• سلطة الرجلة مع التوت الأسود والصنوبر.

• كباب تشوكيرتمه بطريقة مبتكرة.

• الزلابية الإيجية التقليدية.

• حلويات تركية مثل المهلبية والـ«كازانديبي».

من أطباق هاكاسان (إنستغرام)

هاكاسان

يقع داخل منتجع ماندارين أورينتال، ويقدم المطبخ الصيني الفاخر بإطلالة رائعة على الخليج. من أشهر أطباقه:

• البط على طريقة بكين.

• سمك القد الأسود بصلصة الكمأة.

• السلطعون المشوي.

• أطباق الكافيار والمأكولات البحرية.

جيجي ريغولاتو

يجلب أجواء الريفييرا الإيطالية إلى بودروم، ويتميز بموقعه على البحر مباشرة. من أبرز أطباقه:

• باستا الكمأة.

• الريزوتو بالمأكولات البحرية.

• بيتزا إيطالية تحضر بطريقة تقليدية.

• حلوى التيراميسو.

سباغو باي وولفغانغ باك

يُعد سباغو، الذي يحمل توقيع الشيف العالمي وولفغانغ باك، أحد أشهر المطاعم الفاخرة في العالم، وقد افتتح فرعه في بودروم ليقدم تجربة تجمع بين المطبخ الكاليفورني المعاصر والنكهات المتوسطية. يشتهر باك، الحائز على العديد من الجوائز، بقدرته على دمج التأثيرات الآسيوية والأوروبية في أطباق مبتكرة تعتمد على أجود المكونات الموسمية.

من أشهر الأطباق التي ينصح بتجربتها:

• بيتزا السلمون المدخن مع الكافيار، التي أصبحت من أشهر أطباق وولفغانغ باك حول العالم.

• تارتار التونة الصفراء.

• شرائح لحم الواغيو المشوية.

• الكركند المشوي مع الزبدة والأعشاب.

• الحلويات الموسمية التي تجمع بين البساطة والإبداع.

يتميز المطعم بإطلالة بانورامية على بحر إيجة، ما يجعل تجربة الغداء أو العشاء فيه من أكثر التجارب تميزاً في بودروم.

كافيار كاسبيا في بودروم (الشرق الأوسط)

كافيار كاسبيا

يقدم واحدة من أكثر تجارب الطعام فخامة في المدينة. يشتهر المطعم بتقديم أفخر أنواع الكافيار، إلى جانب أطباق تمزج بين المطبخَين الفرنسي والروسي في أجواء أنيقة تجذب المشاهير ورواد اليخوت.

ومن أشهر أطباقه: البطاطس المشوية والمحشوة بالكافيار، وارتبط هذا الطبق الشهير باسم المطعم لعقود.

• الكافيار مع القشدة.

• سلمون مدخن.

• سلطعون.

• باستا بالكافيار.

• تشكيلة من أجود أنواع الكافيار مثل أوسيترا وكالو وبييلوغا.