رحيل جان لوك غودار... المخرج النابغة الذي عاش لسينماه

التزم أسلوبه واتجاهاته الفنية والسياسية لسنين طويلة

جان لوك غودار والممثلان الفرنسيان برونو بوتزولو وسيسيل كامب (أ.ف.ب)
جان لوك غودار والممثلان الفرنسيان برونو بوتزولو وسيسيل كامب (أ.ف.ب)
TT

رحيل جان لوك غودار... المخرج النابغة الذي عاش لسينماه

جان لوك غودار والممثلان الفرنسيان برونو بوتزولو وسيسيل كامب (أ.ف.ب)
جان لوك غودار والممثلان الفرنسيان برونو بوتزولو وسيسيل كامب (أ.ف.ب)

توفي اليوم المخرج السويسري جان لوك غودار، وفازت صحيفة «ليبراسيون» بالخبر قبل سواها. نعته وذكرت بما لا يحتاج إلى تذكير من نبوغ هذا المخرج وصدق اتجاهاته الفنية والسياسية.
مارس غودار السينما بأسلوب مختلف تطور وتنوع منذ البداية تبعاً لمراحل وظروف، لكنه لم يخرج من الخط الذي رسمه لنفسه: أن تكون مخرجاً هو أن تعبر عن موقفك من السياسة والثقافة والتاريخ. إذا كنت قادراً على مزج كل ذلك بأسلوبك الخاص. وغودار مارسه بأسلوبه الخاص بلا ريب.

جان لوك غودار والممثلة الأميركية جان سيبرغ (أ.ف.ب)

لقاء بدأ مسيرة
بالنسبة إليه الفيلم عليه أن يحكي الموضوع الذي يطرحه من جهة، وأن يحكي عن الفيلم أيضاً ومكوناته ومرجعياته الفكرية. هذا ما عمد إليه في أكثر من 70 فيلماً روائياً وغير روائي بدءاً من فيلمه الأول «نفس لاهث» سنة 1960 وصولاً إلى آخر فيلم له، ذاك الذي حققه سنة 2018 تحت عنوان «كتاب الصورة» (The Image Book).
وُلد غودار في باريس في 3 ديسمبر (كانون الأول) سنة 1930 لعائلة بروتستانتينية ميسورة. في سن الثالثة عاد والداه إلى مدينة ليون في سويسرا. وفي أواخر الأربعينات تطلق والداه وعاد هو إلى باريس ليدرس علم الأجناس في السوربون سنة 1941، وخلال تلك الفترة واظب على حضور الأفلام في «نادي سينما الكارتييه لاتان»، حيث تعرف على المنظر أندريه بازان، وعلى هاويين للسينما انتقلا لاحقاً لصنع الأفلام هما جاك ريفيت وإريك رومير. كانت لقاءات لطرح الأفكار وتبادل الآراء حول الأفلام التي يشاهدونها والحديث عن السينما الفرنسية والأميركية غالباً. هذه الأحاديث قادت إلى التفكير بتأسيس مجلة سينما. والمجلة فعلاً تأسست في عام 1950 باسم «كاييه دو سينما» التي لا تزال تصدر إلى اليوم. وأول مقال نقدي كتبه غودار للمجلة نُشر في عام 1952 عن فيلم ألفرد هيتشكوك «غريبان في قطار» (Strangers on a Train)، لكن شغفه الأساسي لم يكن الكتابة فقط، بل توخاها للوصول إلى غاية أخرى هي الإخراج. عندما وجد أن الكتابة لن تصنع له هذا المستقبل عاد إلى سويسرا وعمل في البناء (من بين أشغال أخرى) بغية جمع ما يكفي لتحقيق ذلك الهدف.


جان لوك غودار والممثلة آنا كارينا (أ.ب)

في عام 1956 عاد إلى الكتابة من جديد، ومن ثَم توقف مرة أخرى عنها ليُخرج فيلمه الروائي الطويل الأول «نفس لاهث» الذي صوره سنة 1959 وعرضه في عام 1960 عن سيناريو كتبه رفيقه الآخر فرنسوا تروفو. وهو منذ ذلك الحين لم يتوقف عن العمل باستثناء فترة منعزلة من حياته امتدت من عام 1972 إلى عام 1978 أخرج فيها أفلاماً قلما شوهدت نسبة إلى شروط حياة وتقاليد عمل وضعها لنفسه.

عندما غلبت السياسة
من عام 1959 تاريخ تحقيقه أول أفلامه، مرت سينما غودار بمراحل أربعة. كل منها يتميـز بخضم من الأفكار التي أنجزت له مكانته الكبيرة الحالية رغم ما مر بها من صعاب.
> امتدت المرحلة الأولى من فيلمه الأول «نفس لاهث» إلى «واحد زائد واحد» سنة 1968، في تلك الفترة جرب غودار حلولاً عدة لرغبته كسر التقليد السردي المتبع. شغله على أسلوبه كان قائماً، حسب تفسيره، على «الشكل المختلف ضد الشكل التقليدي»، وشمل تأسيس كل ما قامت عليه سينماه لاحقاً.
> المرحلة الثانية شهدت تبلور غودار من الإيمان بالوجودية إلى الإيمان بالماوية (حسب تعاليم ماو تسي تونغ).‫ كذلك بدت تأثيرات السينمائي الروسي دزيغا فرتوف، ومنهجه المسمى بـ«سينما الحقيقة»، واضحة على أعماله. إنها الفترة التي بدأت بفيلم «حكمة مرحة» (1968) وامتدت لبضع سنوات رفض فيها العمل ضمن «النظم البرجوازية»، كما وصفها فرتوف في أبحاثه التي حلل فيها التركيبات الاجتماعية، وبين أوجه ما سماه بـ«الصراع الذي يعايشه المخرج الملتزم إذا ما سمح لنفسه بالتعامل مع النظام الرأسمالي». إعجاب غودار بدزيغا فرتوف دفعه، وجان بيير كورين، لتأسيس «جمعية دزيغا فرتوف»، وإلى إعلان غودار أن منهجه بات «صنع أفلام ثورية بأسلوب ثوري». خلال هذه الفترة انقطع غودار عن التعامل مع أبناء الصناعة السينمائية في فرنسا ملتزماً بتحقيق أفلامه عن الطبقة البروليتارية وحدها.‬

المخرج جان لوك غودار والممثلة سيسيل كامب

> أما المرحلة الثالثة فتقع ‫أيضاً في السبعينات، وفيها بلغ تطرف غودار السياسي حداً انقلب فيه حتى على أعماله السابقة. انتقل للعيش في بلدة غرينوبل مع زوجته الثالثة آن ماري ميافيل، وأسس شركة يدل اسمها على منحاه الجديد في هذه المرحلة وهو «Sans image» (بلا صورة). أعماله القليلة في تلك الفترة كانت أقرب إلى «أفلام البيت» (Home movies)، وأنجزها بعيداً عن أدوات السينما وبكاميرا فيديو مبكرة. الملاحظ أن هذه الفترة وقعت مباشرة بعد أن تعرض غودار لحادثة حين كان على دراجته النارية وكاد أن يُقتل فيها. تأثير ذلك النفسي عليه ليس معروفاً لنا على نحو معمق، لكنه أدى بوضوح إلى عزلته واختيار الطريق الذي انعزل فيه وسينماه عن التواصل مع الآخرين حتى ولو كانوا من المؤيدين لطروحاته، الفنية أو السياسية السابقة. ‬
> مع نهاية السبعينات، بادر إلى التبلور من جديد فيما يمكن أن يطلق عليه الآن «مرحلة رابعة»، إنها فترة النضج الفني حتى ضمن أسلوبه الخاص. لكن عوض التبعثر فكراً وأسلوباً صار أكثر تنظيماً، وضب غودار أفكاره وصاغ منها مواضيع شيقة سردها بأسلوب يحكي أكثر مما يُبدي.‬
هذا واضح في كل أعماله المتوالية في الثمانينات مثل «الاسم الأول كارمن»، و«هايل ماري»، و«تحري»، وصولاً إلى التسعينات وما بعدها كما الحال في «موتزار للأبد» و«موسيقى أخرى»، و«فيلم سوشياليزم»، و«غودار عن غودار: بورتريه شخصي»، وحتى «كتاب الصورة» الذي لم ينجز بعده شيئاً، وإن قيل إنه كان يحضر لتحقيق مشروع آخر على الأقل في القريب العاجل.

جان لوك غودار وآلان ديلون ودوميزيانا جيوردانو (أ.ف.ب)

الفيلمان الأول والأخير
ما بين فيلمه الأول وفيلمه الأخير مسافات شاسعة ونبوغ واحد.
«نفس لاهث» فيلم روائي، ويمكن له أن يوصف بفيلم بوليسي في الوقت الذي ينتمي إلى «سينما المؤلف» (تلك التي تبنتها جماعة نقاد «كاييه دو سينما») بكل راحة.
هو عن ميشيل (جان - بول بلموندو)، الذي يسرق سيارة أميركية موديل أواخر الخمسينات لسبب يعلن عنه لاحقاً بقوله «أنا معجب بصناعتين أميركيتين: السيارات والأفلام». بعد مطاردة قصيرة يقتل ميشيل رجل بوليس، ومن ثَم يعود إلى باريس ليسترد ديناً لصديق وليقابل المرأة الأميركية التي يحب (جين سييبرغ). يقول لها «الرجل لا يحب إلا من لا تناسبه»؛ وهناك جزء طويل من الفيلم يدور في غرفة فندق يتبادلان فيه الكثير من الحديث الكاشف عن نقاط نفسية وعاطفية ستقود لما سيلي. تحاول باتريشا تجنب فعل الحب معه رغم إصراره. يدرس غودار العلاقة بينهما من منطلق منظور ميشيل أساساً إلى الحياة وموقف كل منهما حيال الآخر. هو مشهد طويل ليس لاختيار خطأ من المخرج، بل لأسلوبه في سرد الحكاية. الغاية إظهارهما قريبين - بعيدين: هي الباحثة عن شيء لا تعرفه، وهو ذو القناعة بأشياء يؤكد عليها: «أنتم الأميركيون معجبون بأغبى الشخصيات الفرنسية: لا فاييت وموريس شيفالييه»، يقول لها موقظاً الحس بأن غودار هو الذي يقول. وغودار أيضاً هو الذي يضع على لسانها العبارة التالية (ولو في مشهد آخر): «لا أعرف إذا ما كنت غير سعيدة لأنني غير حرة، أو غير حرة لأنني غير سعيدة».
حب ميشيل لفتاته لا يقابله حب متبادل إذ تخبر عنه وينتهي مقتولاً في أحد شوارع العاصمة الفرنسية.
إلى جانب ما تبثه الحكاية من مشاعر وآراء، فإن الإنجاز المنفرد هو التوليف المتوتر الذي نتج عن حذف فقرات من ثواني الفيلم، بحيث تقفز اللقطة على الشاشة قصداً. هذه الحلول جاءت مدروسة وخالية من الخوف ما صنع عملاً فنياً نموذجياً لسينما جديدة أرادت تغيير وجه السينما الفرنسية وكان لها ما أرادت.
أما فيلمه الأخير «كتاب الصورة» فهو تسجيلي، أو على وجه الدقة فيلم غير خاضع للتصنيف. وينتمي إلى أعمال غودار الأخيرة التي لا تحكي شيئاً محدداً، لكنها في الوقت نفسه تحكي عن كل ما يخطر على بال غودار من أفكار عن الموسيقى وعن الحياة وعن الثقافة والسياسة، وطبعاً عن الصورة.
شغل كهذا تطلب منه التركيز على التوليف، كيف يستطيع أن يخلق منه الشكل الطاغي والفريد عوض أن يسرد مواضيعه، تسجيلية كانت أو روائية، بالتتابع التقليدي وحسب لقطات رقمية.
هذا التوجه مارسه في «موسيقى أخرى»، و«تاريخ السينما»، و«وداعاً للغة»، ولو امتد به العمر لمارسه لاحقاً كذلك.
كان غودار دوماً شخصية مثيرة للاهتمام، ليس مخرجاً فقط (وهذا كافٍ بالتأكيد)، ولكن شخصية شاركت في ثورة 1968 الثقافية، وكان لها موقف مؤيد لفلسطين، وعندما رفض نياشين الدولة مثل «نيشان الجدارة الوطنية الفرنسي» قائلاً، «لا أحب تلقي أوامر وليست عندي أي جدارة». كذلك عندما هاجم غولدا مائير في فيلمه «هنا وفي غير مكان» (1976)، فاتُهم بمعاداة السامية، وطُلب منه نفي ذلك، لكنه لم يكترث للرد وأكمل طريقه في السينما كما أحب ورغب.
مهما كان من أمر غودار ومواقفه، فإنه من أولئك الذين يمكن وصف السينما به كأحد أركانها ومحدثيها وفنانيها الكبار.


مقالات ذات صلة

لبنان يُعيد جَمْع ذاكرته السينمائية المُبعثرة

يوميات الشرق كاميرات نجت من الزمن لتروي ما بقي من صورة لبنان (الشرق الأوسط)

لبنان يُعيد جَمْع ذاكرته السينمائية المُبعثرة

«السينماتيك اللبنانية» محاولة لاستعادة سردية بلد لطالما عاشت صورته بين التمزُّق والغياب...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الممثلة الألمانية ساندرا هولر في جلسة تصوير فيلم «وطن» بمهرجان «كان» (أ.ف.ب)

ساندرا هولر: لا أرفض أي فيلم أراه جيداً

التمثيل المسرحي شكل أرضية مهمة للألمانية ساندرا هولر لتكوين هويتها الفنية وتعليمها أن التمثيل ليس ترفيهاً فحسب، بل مسؤولية.

محمد رُضا‬ (كان)
يوميات الشرق الممثلة السودانية إسلام مبارك (حسابها على فيسبوك)

إسلام مبارك لـ«الشرق الأوسط»: دوري في «أسد» ساعدني إنسانياً

قالت الممثلة السودانية إسلام مبارك إن مشاركتها في الفيلم المصري «أسد» جاءت بعد مرحلة مهمة في مشوارها الفني.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان»: فيلمان في واحد... كلاهما رائع

هو فيلم عن تصوير فيلم، كما كانت حالة عدد من الأفلام السابقة.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق الفنان عادل إمام والمخرج وائل إحسان في الكواليس (الشرق الأوسط)

«متواضع» و«منضبط» و«أستاذ»... فنانون يتذكرون كواليسهم مع عادل إمام

يحتفل الفنان المصري عادل إمام، الملقَّب بـ«الزعيم»، بعيد ميلاده الـ86، الذي يوافق 17 مايو.

داليا ماهر (القاهرة)

صندوق النقد الدولي يُحذر من تصاعد المخاطر المالية في فرنسا

منظر عام لبرج إيفل وأفق مدينة باريس عند غروب الشمس (رويترز)
منظر عام لبرج إيفل وأفق مدينة باريس عند غروب الشمس (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يُحذر من تصاعد المخاطر المالية في فرنسا

منظر عام لبرج إيفل وأفق مدينة باريس عند غروب الشمس (رويترز)
منظر عام لبرج إيفل وأفق مدينة باريس عند غروب الشمس (رويترز)

قال صندوق النقد الدولي يوم الخميس، إن فرنسا تواجه ازدياداً في المخاطر على أوضاعها المالية العامة، مع تباطؤ وتيرة ضبط الموازنة واستمرار ارتفاع مستويات الدين، محذراً من أن ضعف الجهود قد يجعل البلاد أكثر عرضة لضغوط الأسواق والصدمات المستقبلية.

وفي ختام بعثة المراجعة السنوية إلى فرنسا، أوضح الصندوق أن عجز الموازنة العامة تراجع إلى 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، إلا أن مسار خفضه بشكل إضافي يسير بوتيرة أبطأ من المستهدف، ويواجه «مخاطر تنفيذ كبيرة»، وفق «رويترز».

وأضاف الصندوق أن السياسات الحالية لا تبدو كافية لتحقيق هدف الحكومة بخفض العجز إلى ما دون 3 في المائة بحلول عام 2029، مشيراً إلى أن الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل قد تمثل فرصة لإعادة ضبط أكثر مصداقية للمسار المالي.

وحذر من أنه في حال غياب إجراءات إضافية، سيظل الدين العام مرتفعاً، مما قد يزيد من احتمالات اللجوء إلى تخفيضات أكثر حدة في وقت لاحق، خصوصاً في ظل ضغوط إنفاق متزايدة ناجمة عن شيخوخة السكان والتحولات في قطاعات الدفاع والطاقة، إلى جانب ارتفاع الإنفاق العام الذي بلغ 57.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

ويتوقع الصندوق أن يتباطأ نمو الاقتصاد الفرنسي إلى 0.7 في المائة في عام 2026، بعد نمو بنسبة 0.9 في المائة في 2025، متأثراً بالتوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين السياسي الداخلي قبل انتخابات 2027.

ودعا صندوق النقد إلى تبني استراتيجية متوسطة الأجل موثوقة تجمع بين ضبط الإنفاق وإصلاحات هيكلية، تشمل نظام التقاعد، وإعادة هيكلة إعانات البطالة، وتحسين كفاءة الإنفاق في قطاعي الصحة والتعليم.

وأشار إلى أن إصلاح نظام التقاعد سيظل محوراً سياسياً حساساً في الفترة المقبلة، بعد تعليق الحكومة العام الماضي رفع سن التقاعد المقرر في إصلاح 2023، في خطوة هدفت إلى تأمين تمرير الموازنة.


ما تأثير تناول الطعام في وقت متأخر على مرضى السكري؟

تناول جزء كبير من السعرات الحرارية اليومية ليلاً قد يزيد خطر الإصابة بالسكري أو تفاقمه (بكسلز)
تناول جزء كبير من السعرات الحرارية اليومية ليلاً قد يزيد خطر الإصابة بالسكري أو تفاقمه (بكسلز)
TT

ما تأثير تناول الطعام في وقت متأخر على مرضى السكري؟

تناول جزء كبير من السعرات الحرارية اليومية ليلاً قد يزيد خطر الإصابة بالسكري أو تفاقمه (بكسلز)
تناول جزء كبير من السعرات الحرارية اليومية ليلاً قد يزيد خطر الإصابة بالسكري أو تفاقمه (بكسلز)

تُعدّ إدارة مرض السكري مهمة معقّدة لا تقتصر فقط على مراقبة تناول الكربوهيدرات أو اختيار أطعمة صحية أكثر، بل تشمل أيضاً الانتباه إلى توقيت تناول الطعام.

وأظهرت أبحاث حديثة أجرتها الجامعة المفتوحة في كاتالونيا وجامعة كولومبيا أنّ تناول جزء كبير من السعرات الحرارية اليومية بعد الساعة الخامسة مساءً قد يعيق عملية استقلاب الغلوكوز ويزيد خطر الإصابة بالسكري أو تفاقمه.

تسلّط الدراسة الضوء على كيفية تأثير الساعة البيولوجية الطبيعية للجسم، التي تنظّم عمليات مثل إفراز الإنسولين وحساسية الجسم له، على مستويات السكر في الدم.

إذ ينخفض إنتاج الإنسولين بشكل طبيعي خلال المساء، كما تصبح خلايا الجسم أقل حساسية له؛ ما يجعل معالجة الغلوكوز الناتج من الوجبات المتأخرة أكثر صعوبة.

ويشكّل ذلك تحدياً خاصاً لمرضى السكري؛ لأنهم يواجهون أساساً صعوبة في الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم.

وشملت الدراسة 26 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 50 و75 عاماً، كانوا يعانون زيادة في الوزن أو مقدمات السكري أو السكري من النوع الثاني.

وقُسّم المشاركون إلى مجموعتين: أشخاص يتناولون الطعام مبكراً وآخرون يتناولونه في وقت متأخر.

ورغم تناول المجموعتين الأطعمة نفسها والكميات نفسها من السعرات الحرارية، أظهر الذين تناولوا الطعام بعد الساعة الخامسة مساءً قدرة أضعف على تحمّل الغلوكوز، تمثّلت في ارتفاع مستويات السكر في الدم بعد الوجبات.

وتشير النتائج إلى أنّ تناول الطعام في وقت متأخر من اليوم قد يضعف قدرة الجسم على تنظيم الغلوكوز بشكل فعّال؛ ما قد يسهِم في مضاعفات السكري على المدى الطويل.

وغالباً ما يرتبط الأكل المتأخر بتناول أطعمة مصنّعة وغنية بالسعرات الحرارية؛ وهو ما قد يزيد مشكلات مثل زيادة الوزن وتراكم الدهون.

إضافة إلى ذلك، يميل الأشخاص الذين يتناولون الطعام في وقت متأخر إلى حرق السعرات الحرارية بوتيرة أبطأ، في حين قد تؤدي التغيرات الهرمونية الناتجة من الأكل الليلي إلى زيادة الشعور بالجوع وتقليل قدرة الجسم على تكسير الدهون.

ولا تقتصر آثار هذه العوامل على تعقيد إدارة مستويات السكر في الدم، بل تزيد أيضاً من احتمالات الإصابة بالسمنة.

الصيام المتقطع مفيد

حظي الصيام المتقطع، الذي يقوم عادةً على تناول الطعام ضمن نافذة زمنية محددة (مثل من الساعة 11 صباحاً حتى 5 مساءً)، باهتمام متزايد بسبب قدرته المحتملة على تحسين التحكم بمستويات السكر في الدم.

ومن خلال تشجيع تناول الطعام في وقت أبكر، ينسجم الصيام المتقطع مع آلية الجسم الطبيعية في استقلاب الغلوكوز؛ ما يمنح البنكرياس والأنسجة الحساسة للإنسولين فترة راحة من النشاط المستمر.

وقد يكون الانتباه إلى توقيت الوجبات وسيلة بسيطة، لكنها فعالة لتحسين التحكم بسكر الدم. ولتقليل المخاطر المرتبطة بالأكل المتأخر، يُنصح بـ:

- تناول معظم السعرات الحرارية اليومية في وقت أبكر من اليوم، ويفضل قبل الساعة الخامسة مساءً.

- التخطيط لوجبات متوازنة وغنية بالعناصر الغذائية، مع التركيز على الأطعمة الكاملة مثل الخضراوات، والبروتينات قليلة الدهون، والحبوب الكاملة.

- تجنّب الوجبات الخفيفة المصنّعة والغنية بالسعرات الحرارية في وقت متأخر من الليل؛ لأنها قد تزيد الضغط على تنظيم الغلوكوز في الجسم.

وتقول الدكتورة ديانا ريزولو، المشاركة في إعداد الدراسة: «حتى الآن، ركّزت النصائح الغذائية بشكل أساسي على ماذا نأكل وكم نأكل. لكن هذه الدراسة تُبرز الأهمية المتزايدة لتوقيت تناول الطعام في دعم صحة القلب والتمثيل الغذائي».

وبالنسبة للأشخاص الذين يديرون مرض السكري، فإن اعتماد جدول غذائي يقوم على تناول الطعام في وقت أبكر قد يشكّل وسيلة فعالة لتحسين التحكم بمستويات الغلوكوز وتقليل خطر المضاعفات.

وفي حين يتركّز الاهتمام غالباً على نوعية الطعام، يبرز توقيت الوجبات بشكل متزايد كعامل أساسي في الإدارة الفعالة لمرض السكري.


ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية

ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية
TT

ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية

ممسحة ومكنسة... وطمأنينة داخلية

في زحمة الحياة اليومية، ينظر كثيرون إلى أعمال التنظيف المنزلية بوصفها عبئاً متكرراً لا ينتهي، أو مهمة ثقيلة ترتبط بالإرهاق، والضغط النفسي. لكن خلف أصوات المكانس ورائحة المنظفات يكتشف البعض شكلاً مختلفاً من السكينة، وربما مساحة هادئة لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج.

ومع حلول موسم التنظيف الربيعي، يعود الحديث مجدداً عن العلاقة الخفية بين النظام الخارجي والراحة النفسية؛ وهي علاقة لم تعد مجرد انطباعات شخصية، بل باتت تحظى باهتمام متزايد من علماء النفس، وممارسي التأمل، وفلسفات الشرق القديمة. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وفي فلسفة «الزِن» اليابانية تتردد حكمة شهيرة تختصر هذه الفكرة ببساطة عميقة: «قبل التنوير: اقطع الحطب واحمل الماء... وبعد التنوير: اقطع الحطب واحمل الماء».

فالهدوء، بحسب هذا التصور، لا يتحقق بالهروب من تفاصيل الحياة اليومية، بل بالانخراط الواعي فيها.

ماذا يرى رهبان «الزِن» في التنظيف؟

يقضي رهبان «الزِن» المتدرّبون، المعروفون باسم «أونسوي»، ساعات طويلة في الكنس والتنظيف، وترتيب المساحات المحيطة بهم، ليس باعتبارها أعمالاً خدمية فحسب، بل تعد بالنسبة لهم جزءاً من تدريب روحي وعقلي متكامل.

ويقول الراهب شوكي ماتسوموتو في كتابه «دليل الراهب لمنزل وعقل نظيفين»: «نكنس الغبار للتخلّص من الرغبات الدنيوية، ونفرك الأوساخ لتحرير أنفسنا من التعلّق بالأشياء». ويضيف أن تنظيف الزوايا والأركان بعناية يمنح الإنسان شعوراً عميقاً بالرضا، وكأن ترتيب المكان يصبح، بصورة غير مباشرة، محاولة هادئة لترتيب الفوضى الداخلية أيضاً.

التنظيف نوع من التأمل

وترى الاختصاصية النفسية الإكلينيكية هولي شيف أن الأعمال المنزلية المتكررة قد تؤدي دوراً قريباً من التأمل، لما تمنحه من إيقاع منتظم يساعد على تهدئة الجهاز العصبي. وتقول إن الحركات البسيطة، والمتوقعة، مثل المسح أو الكنس، تمنح الإنسان شعوراً بالسيطرة، والاستقرار، خصوصاً في الأوقات التي تبدو فيها الحياة أكثر فوضى، أو ضغطاً.

كما أن رؤية النتيجة فور الانتهاء من المهمة، غرفة مرتبة، أو مساحة نظيفة، تمنح إحساساً مباشراً بالإنجاز، وهو شعور قد نفتقده أحياناً في الأعمال الذهنية، أو الضغوط العاطفية المعقدة.

لمن يكرهون التنظيف... غيّروا طريقة النظر إليه

بالنسبة لكثيرين، لا يبدو التنظيف نشاطاً مريحاً على الإطلاق. لكن المختصين يرون أن المشكلة لا تكمن دائماً في المهمة نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها ذهنياً.

وتنصح شيف بعدم التفكير في قائمة طويلة من الأعمال المتراكمة، بل التركيز على اللحظة نفسها: حركة اليد، صوت الماء، أو الإيقاع الهادئ للعمل. وتوضح أن التمهّل والانتباه للتفاصيل الحسية يحوّلان التنظيف، تدريجياً، إلى تمرين على «اليقظة الذهنية»، بدلاً من كونه سباقاً مرهقاً لإنهاء المهام.

عندما يحصل العقل على فرصة للهدوء

ويرى ماتسوموتو أن العناية بالمكان بهدوء ولطف تنعكس تلقائياً على صفاء الذهن، مشيراً إلى أن الإنسان حين يهدأ أثناء ترتيب محيطه، يبدأ عقله بالتخفف تدريجياً من الضوضاء الداخلية، والتفكير المستمر.

وبحسب فلسفة «الزِن»، فإن التنظيف لا يُنظر إليه بوصفه وسيلة للسيطرة على البيئة المحيطة، بل إنه شكل من أشكال الرعاية والاهتمام بالمكان الذي نعيش فيه، وبالعلاقة التي تربطنا به. ويشرح قائلاً إن الإنسان عندما ينظف بيته لا يرتب الغرفة فقط، بل يعتني أيضاً بإيقاع حياته اليومية، وعلاقته بالعالم من حوله.

لا تبحث عن الكمال

ومن الأفكار الأساسية التي يشدد عليها ماتسوموتو التخلي عن هوس الوصول إلى «الترتيب المثالي».

فالسلام النفسي، كما يقول، لا يكمن في الوصول إلى منزل لا تشوبه فوضى، بل في الاستمرار الهادئ والمتواضع في العناية بالمكان والعقل معاً.

ويضيف: «في الطبيعة، كل شيء يتغيّر باستمرار... فالأوراق تتساقط مجدداً بمجرد أن تنتهي من كنسها».

خطوة صغيرة قد تكون كافية

وفي أحيان كثيرة لا يأتي الإرهاق من حجم العمل نفسه، بل من الشعور النفسي المصاحب له: ضغط الوقت، أو الإحساس بالتقصير، أو التفكير بالمهمة كاملة دفعةً واحدة.

ولهذا تنصح شيف بتقسيم المهام إلى خطوات صغيرة وواضحة:

ابدأ بسطح واحد، أو درج واحد، أو غرفة واحدة فقط.

فالتعامل مع المهمة جزءاً جزءاً يجعلها أكثر احتمالاً، ويخفف من ذلك العبء الذهني الذي يسبق أحياناً العمل نفسه.

التنظيف... لغة صامتة من العناية

وفي النهاية، ربما لا يكون أثر التنظيف في الأرضيات أو الأثاث فقط، بل في الإحساس الذي يتركه خلفه.

ويختتم ماتسوموتو فكرته بالقول إن الأماكن النظيفة تمنح شعوراً خفياً بالطمأنينة، حتى لو لم نرَ الشخص الذي اعتنى بها.

ففي بعض المساحات المرتبة والهادئة يشعر الإنسان، دون أن يدرك السبب تماماً، بأن هناك من اهتم بهذا المكان بمحبة، ووعي، وهدوء.