البريطانيون يتذكرون إليزابيث «جدة الشعب» وصاحبة «حس الدعابة»

مشاهير ينعونها على مواقع التواصل وأمام بوابات قصر باكنغهام

البريطانيون يتذكرون إليزابيث «جدة الشعب» وصاحبة «حس الدعابة»
TT

البريطانيون يتذكرون إليزابيث «جدة الشعب» وصاحبة «حس الدعابة»

البريطانيون يتذكرون إليزابيث «جدة الشعب» وصاحبة «حس الدعابة»

خارج بوابة كمبردج بقلعة وندسور توقفت سيدة بريطانية تحمل ابنتها البالغة من العمر عاماً واحداً وانحنت لتضع باقة من الزهور أمام المنطقة المخصصة لوضع الزهور، جاءت لتشارك في تأبين الملكة إليزابيث الثانية التي رحلت عن عالمنا أول من أمس عن 96 عاماً. ردت المرأة على سؤال من مذيع التلفزيون على وجود ابنتها الطفلة، أجابت «الملكة إليزابيث كانت رمزاً للمرأة القوية بالنسبة لي وأردت أن يكون لابنتي وجود في هذه اللحظة، أردت أن تنظر لصورتها هنا في المستقبل وأن تعرف أنها كانت جزءاً من التاريخ». لم تكن هذه السيدة وحدها الذي اصطحبت أطفالها للمشاركة في وضع الزهور والتوقف لدقيقة تحية لروح الملكة الراحلة، كثيرين فعلوا ذلك وأشار بعضهم إلى أنهم لم يكونوا مدركين أنهم سيشعرون بالحزن الشديد لرحيل الملكة، قالت امرأة من خلال دموعها «لم أصدق أنها رحلت، أتمنى أن يكون الملك تشارلز مثلها».
جملة طافت على ألسنة الكثيرين لخّصت حال أفراد الشعب البريطاني «كانت دائماً جزءاً ثابتاً في حياتنا، كانت هناك دائماً». آخرون وصفوا وجودها بأنها كانت تمثل كبيرة كل أسرة «كانت جدة لنا كلنا» قالت فتاة توقفت أمام قصر باكنغهام. لخص المذيع جون سيمبسون مشاعر الشعب على «تويتر»: «الكاتب الروسي ماكسيم غوركي قال في وصف الروائي ليو تولستوي (بينما هو على قيد الحياة لن يكون هناك أيتام بالكامل)، أعتقد أن هذا شعور الكثير من الناس في بريطانيا اليوم».
ليست إليزابيث الثانية ملكة فقط، بل كانت ولا تزال عنصراً أساسياً في الثقافة العامة في بريطانيا والعالم، صورها في كل مكان على العملة النقدية وعلى صناديق البريد وفي المعارض الفنية وفي التلفزيون والسينما والمسرح. هناك كم هائل من التذكارات تحمل صورها سواء وهي امرأة شابة جميلة أثناء تتويجها أو صورها وبالشعر الفضي وبالقبعات الملونة التي اشتهرت بها أو الإيشارب الذي كانت تربطه بشكل مميز أثناء الإجازات وتحول إلى مكمل أناقة اعتمدته الكثير من دور الأزياء العالمية. أما مجوهرات الملكة وعقود اللؤلؤ التي كانت تتحلى بها فهي الأخرى أصبحت من أساسيات الأناقة الكلاسيكية.

- حس دعابة وابتسامة «ثمينة»
في التغطية الخبرية المستمرة على محطات التلفزيون البريطاني، أطلت الملكة في صحبة رؤساء وملوك وسياسيين مرّوا عليها في مدى 70 عاماً، كان هناك أيضاً فنانون ونجوم رياضة وممثلون ومغنون وأساطير فنية، يبقى للشريط الأرشيفي الذي يصور مارلين مونرو وهي تنحني للملكة أثناء حفل أقيم في أكتوبر (تشرين الأول) 1957 بريقه الخاص، لكن الشريط القصير الذي يجمع الملكة مع الممثل دانييل كريغ في شخصية جيمس بوند والذي أدهش وأمتع الملايين خلال عرضه في حفل افتتاح أولمبياد لندن 2012، اكتسب هو الآخر شعبية خاصة. أدهشت الملكة الجميع بالظهور في ذلك المقطع التمثيلي، وكررت ذلك في مقطع عرض في الاحتفال باليوبيل الماسي أمام قصر باكنغهام، حيث ظهرت مع شخصية الدب بادنغتون يتناولان الشاي وشطائر التوست مع مربى البرتقال. يشير الكثيرون إلى حس الدعابة الذي تحلت به الملكة وظهر في أحاديث مصورة مع شخصيات محبوبة، مثل مقطع لها مع سير ديفيد أتنبره وهما يتفقدان الأشجار في حدائق قصر باكنغهام، حيث أشار أتنبره إلى وجود ساعة شمسية تحت الأشجار، التفتت الملكة إلى مساعديها بابتسامة عريضة وقالت «هل كانت الساعة دائماً هنا؟ ربما يجب أن ننقلها». أتنبره قال أمس، إن «ضحكة الملكة كانت أثمن شيء» عندما سئل عن أهم ذكرياته معها. في مقطع باسم لها مع حفيدها الأمير هاري والرئيس الأميركي باراك أوباما وزوجته، شاركت الملكة في الدعابة حول المنافسة في بريطانيا وأميركا في دورة ألعاب إنفيكتوس للمحاربين التي أطلقها هاري.

- مشاهير يتذكرون
من الممثلات اللاتي اشتهرن بتقديم دور الملكة إليزابيث في السينما والمسرح بادرت هيلين ميرين برثاء الملكة إليزابيث على «إنستغرام»: «فخورة بكوني إليزابيثية (نسبة للملكة إليزابيث)، نرثي اليوم امرأة تمثل قمة النبل سواء كانت بتاج أو من دون تاج».
أما بطل جيمس بوند دانييل كريغ، فأعرب عن حزنة والشعور بافتقادها مثل كثيرين، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي تدفق رسائل الرثاء من نجوم الفن والرياضة والثقافة، أمثال التون جون، وميك جاغر، ومو فرح البطل الأولمبي، وديفيد وفيكتوريا بيكام، وتوم جونز، وغيرهم. السير أندرو لويد ويبر، رائد المسرح الغنائي، توجه لقصر باكنغهام حاملاً باقة من الزهور وعبّر عن حزنه الشديد لرحيل الملكة.
ميك جاغر مغني فريق رولينغ ستونز كتب على «تويتر»: «طوال حياتي كانت الملكة إليزابيث موجودة، أذكر في طفولتي مشاهدة لقطات من حفل زفافها على التلفزيون، أذكرها كامرأة شابة جميلة إلى الجدة المحبوبة للأمة». أما مو فرح البطل الأولمبي فكتب «مقابلتها كانت أكبر شرف نلته في حياتي».
جي كي رولينغ مؤلفة روايات «هاري بوتر» كتبت على «تويتر»: «قد يجد البعض في الصدمة والحزن التي تعتري بريطانيا حالياً أمراً غريباً، ولكن الملايين يحملون مشاعر حب واحترام للمرأة التي قامت بأداء مهامها الدستورية من دون تذمر لسبعين عاماً. هي الخيط الذي يمر بحياتنا جميعاً، لقد قامت بواجبها حتى الساعات الأخيرة من حياتها وأصبحت رمزاً إيجابياً لبريطانيا».

- الملكة في السينما والتلفزيون
دائماً ما صُورت أفلام ومسلسلات وبرامج تلفزيونية ساخرة شخصية الملكة إليزابيث، وكيف لا؛ فهي كانت الصورة الثابتة للملكية على مدى 70 عاماً. عبر المئات من البرامج والأفلام والمسرحيات تميزت بعض الأعمال عن غيرها وألقت شخصية الملكة بألقها على ممثلات اشتهرن أكثر بسبب شخصية إليزابيث الثانية.
الممثلة هيلين ميرين لا شك الأوفر حظاً؛ فهي قدمت شخصية الملكة إليزابيث في الفيلم الشهير «ذا كوين» (2007) وحازت جائزة أوسكار أفضل ممثلة عنه، وألقت كلمة قالت فيها «تعرفون أن إليزابيث ويندسور قد حافظت على كرامتها وإحساسها بالواجب وحتى تسريحة شعرها على مدى 50 عاماً. بأقدام ثابتة على الأرض، وقبعتها على رأسها، وحقيبتها على ذراعها تخطت الكثير من العواصف، أحييها على شجاعتها وثباتها وأشكرها لأنني لم أكن لأكون هنا من دونها».
عادت ميرين في عام 2013 لشخصية الملكة إليزابيث عبر مسرحية «اللقاء الملكي» (ذا أوديانس) والتي دارت حول لقاءات الملكة مع رؤساء الوزراء المختلفين.
الممثلة كلير فوي انطلق نجمها بشدة بعد تقديم دور الملكة في شبابها عبر مسلسل «ذا كراون» على «نتفليكس»، استطاعت فوي تجسيد المشاعر الكامنة وحس الواجب بقدارة، غير أنها صرحت في إحدى المرات بأنها لا تتمنى أن ترى الملكة إليزابيث المسلسل لإحساسها أنها قد تكون بالغت بعض الشيء في الأداء. الممثلة أوليفيا كولمن تلقفت الدور في الجزأين الثالث والرابع وطبعته بشخصيتها الخاصة. المسلسل جذب الملايين حول العالم وقدم قصة حياة الملكة إلى جمهور شاب حول العالم لم يكن يعرفها كثيراً. المسلسل سيُعرض جزؤه الخامس في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حيث سيدور حول طلاق الأمير تشارلز وديانا، ومع أن بيتر مورغان كاتب المسلسل كان قد قرر المضي في كتابة الأجزاء التالية لقصة الملكة، فإنه أعلن التوقف عن إنتاج الجزء السادس أول من أمس بعد وفاة الملكة إليزابيث.
المعروف أن الملكة إليزابيث شاهدت على الأقل الأجزاء الأولى من المسلسل بناءً على ترشيح من ابنها الأمير إدوارد وزوجته صوفي وهما من هواة العمل.


مقالات ذات صلة

الأمير هاري يحضر جلسة استماع في لندن بقضيته ضد «ديلي ميل»

أوروبا الأمير هاري دوق ساسكس (أ.ب)

الأمير هاري يحضر جلسة استماع في لندن بقضيته ضد «ديلي ميل»

وصل الأمير البريطاني هاري، دوق ساسكس، إلى محكمة لندن، الاثنين، لحضور جلسة الاستماع الثالثة والأخيرة ضمن سعيه القانوني لكبح جماح الصحف الشعبية البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الطبيعة رفيقة طريق في رحلة التعافي (قصر كنسينغتون)

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

قالت أميرة ويلز، كيت ميدلتون، إنّ الطبيعة أدَّت دوراً محورياً في مساعدتها على التعافي من مرض السرطان...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملكة البريطانية كاميلا (رويترز)

للمرة الأولى... الملكة كاميلا تتحدث عن تعرضها للتحرش في سن المراهقة

تحدثت الملكة البريطانية كاميلا لأول مرة عن «الغضب» الذي انتابها بعد تعرضها لاعتداء جنسي في قطار عندما كانت مراهقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز (أ.ف.ب)

نجحوا في «تغيير حياة الناس»... الملك تشارلز يكرّم ألف شخصية بريطانية

كرّم الملك تشارلز الثالث الاثنين ألف بريطاني من بينهم الممثل إدريس إلبا وعدد من لاعبات منتخبات إنجلترا النسائية لكرة القدم والرغبي اللاتي حققن نجاحات هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لحظة عائلية دافئة في موسم الأعياد (إنستغرام)

رسالة ميلادية دافئة من دوق ودوقة ساسكس

شاركت دوقة ساسكس صورة عائلية جمعتها بدوق ساسكس وطفليهما، مُرفقة برسالة بمناسبة عيد الميلاد...

«الشرق الأوسط» (لندن)

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».