اللاجئون السوريون في لبنان: صائمون كل أشهر السنة

للعام الخامس على التوالي يستقبلون رمضان في خيم تفتقر إلى مقومات العيش وغياب المساعدات الكافية

طفلة سوريه في مخيم عريضة للاجئين شمال بيروت (أ ف ب)
طفلة سوريه في مخيم عريضة للاجئين شمال بيروت (أ ف ب)
TT

اللاجئون السوريون في لبنان: صائمون كل أشهر السنة

طفلة سوريه في مخيم عريضة للاجئين شمال بيروت (أ ف ب)
طفلة سوريه في مخيم عريضة للاجئين شمال بيروت (أ ف ب)

للسنة الخامسة على التوالي يحلّ شهر رمضان المبارك ضيفا ثقيلا على النازحين السوريين في لبنان وهم يعيشون بعيدا عن الأهل والأقارب في خيم تتوزع في منطقة البقاع (شرق لبنان) وبعض المناطق مفتقرة إلى أبسط مقومات العيش من دون أن تقيهم حتى حرارة فصل الصيف ولا برد الشتاء القارس. المساعدة الوحيدة التي يحصل عليها بعض هؤلاء لا تتجاوز الـ19 دولارًا عن كل فرد مقدمة من الأمم المتحدة تصرف وفق بطاقات شهرية كل مطلع اليوم الخامس من الشهر لمن هو مسجل لديها، إضافة إلى بعض المساعدات العينية التي تقدمها جمعيات محلية، بينما يعمل آخرون فيما تيسّر لهم من الأشغال، ولا سيّما في الزراعة بأجر 8 آلاف ليرة لبنانية (نحو 5 دولارات) يوميًا.
في أكثر المناطق استقبالا للاجئين السوريين حيث تتوزّع المخيمات غير المنظمة، يجتمع النازحون على صعوبة الوضع المادي والمعاناة التي يعيشونها في ظل غياب المساعدات الكافية.
ها هو، محمد أحمد محمد هرب من الرقة مع أطفاله الثمانية إلى الحسكة، ومن ثم إلى راس العين ليصل أخيرا إلى لبنان حيث يسكن في بلدة الطيبة البقاعية في خيمة متواضعة من القنّب. محمد الذي يعمل في مجال البناء لكنه لا يجد عملا لتأمين مصدر رزق له ولعائلته، يعيش من مساعدات الأمم المتحدة، ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الصيام أصبح عبئا كبيرا علي وعلى أولادي بسبب الوضع المادي الصعب وظروف الحياة البائسة في لبنان. مضيفا «كنا نستقبل الشهر الفضيل بمحبة لكننا نستقبله اليوم بجيوب فارغة حيث لا حول ولا قوة لنا، لن أتمكن من الصيام هذا العام بسبب الوضع الاقتصادي الضيق ولا نعرف ما إذا كانت الأمم المتحدة ستستمر بتقديم المساعدات أم لا؟».
من جهتها، لم تعد فاتن العيد (25 سنة) تفكّر في الصيام أو عدمه، فالوضع بالنسبة إليها، لم يختلف في هذا الشهر عن أشهر السنة الأخرى، وتقول لـ«الشرق الأوسط» «تمرّ أياما علينا بالكاد نأكل الخبز، نشعر وكأننا معتادون على الصيام».
هربت فاتن من الرقّة إلى بريتال في البقاع منذ سنتين. ذهب زوجها للعلاج في سوريا ولم يعد من دون أن تعرف عنه أي خبر لغاية الآن. بالنسبة إليها كل الأمور تهون أمام مشكلة عدم قدرتها على إرسال ابنها وابنتها إلى المدرسة. وتقول «نحن أميون وسنورث أولادنا الأمية وهذا هم كبير».
ورغم المعاناة التي تعيشها، يؤكد حمدي شويخ الهزاع (40 سنة) «سأصوم ولو على الخبز اليابس وبعض حبات الزيتون». فهذه المرأة التي هربت من القصير إلى البقاع في لبنان تعيش مع والدتها المريضة من دون أي مساعدات من أي جهة كانت. تحاول تأمين بدل ثمن دواء أمّها وإيجار البيت من المبالغ المالية القليلة التي يقدمها له أقرباؤها في لبنان بعدما لم تنجح في الحصول عليها من الجمعيات الإنسانية أو المستوصف القريب.
كذلك، لا يختلف وضع اللاجئين الذي وجدوا مكانا للهرب إليه في منطقة الجنوب. صيام جديد يحل على اللاجئين في منطقة البيسرية في ظروف أقل ما توصف بالمأساوية وآمال بالعودة تتضاءل مع كل يوم يمضي داخل الخيمة، بينما لا يبقى سوى الذكريات الموجعة بعدما غابت عن أيامهم طقوس الاحتفال بحلول الشهر الفضيل بسبب الفقر والحرمان.
بعينين دامعتين تتحدث اللاجئة السورية منى الخليل (32 سنة) عن شهر رمضان، بعيدًا عن مدينتها حمص حيث تركت معظم أفراد عائلاتها بعدما فرقتهم الحرب. وتقول «علينا أن نقضي أيامنا بما تيسّر»، وتضيف: «الحرّ القاتل في هذه الخيم بالكاد نتحمله في الأيام العادية فكيف في أيام الصوم؟». وتتذكر ابنة حمص شهر رمضان الماضي حين كانت لا تزال في سوريا، قائلة «كنا نمضي أيامنا على وقع القصف ليلا نهارا، أما اليوم سنمضي أيام الشهر الفضيل في الشتات، بعيدين عن أوطاننا وذوينا الذين لا نعلم عنهم شيئًا حتى الآن».
وتستذكر كيف كانت تزين مدخل البيت بالفوانيس والأضواء الملونة، عدا عن السهرات التي لطالما استمرت حتى ساعات الصباح الأولى. وتقول «تغير كل شيء اليوم، فالغرفة التي نعيش فيها حاليًا، وأحوالنا المادية الصعبة، لا تصنع فرحة هذا الشهر التي اعتدنا عليها».
كذلك، يتذكّر أبو سمير بحزن وحنين مدينته درعا (جنوب سوريا) التي غادرها قبل سنتين تقريبا هاربا إلى لبنان. «الأعلام واللافتات المرحبة بقدوم شهر رمضان كانت تزين الشوارع بينما تزدحم الأسواق وتعمر الجوامع بزوارها في جو من البهجة والاطمئنان». ويقول: «كنا نسهر في الليلة الأولى حتى يطل علينا المسحر فيتسابق الأطفال لرؤيته. أما الآن كل هذه الطقوس نشتاق إليها ويكفي أن نشعر أننا ضيوف غير مرحب بهم عند الكثير من اللبنانيين».
اجتماع العائلة والموائد العامرة، مظهر آخر غاب عن اللاجئين السوريين في لبنان، بعد أن تفرقت العائلات ما بين لاجئين لدول أخرى، وبين ضحايا غابوا عن بيوتهم بسبب الحرب، وهو الأمر الذي يجسده حال (أم زهير)، التي استقبلت رمضان هي وزوجها وحيدين، بعد مقتل ابنتها غادة (16 سنة) بغارة للنظام السوري على منزلها في حمص، والتحاق ولدها وإخوتها في صفوف الفصائل المعارضة وانشغالهم هناك.
وبعدما كانت مفوضية اللاجئين ووزارة الشؤون الاجتماعية عمدتا إلى اتباع سياسة جديدة في التعامل مع اللاجئين السوريين، إما بتقليص المساعدات أو الإجراءات المشددة على الداخلين منهم إلى لبنان، تقتصر المساعدات في شهر رمضان على تلك التي اعتادت تقديمها مفوضية الشؤون إضافة إلى تلك التي تقدمها الجمعيات الدينية، وإن بكمية قليلة. وهو ما تشير إليه الناطقة باسم المفوضة العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة دانا سليمان، وتقول في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة مستمرة، لكن لن يكون هناك تقديمات أو حصص غذائية خاصة بشهر رمضان». وتضيف «ننسق مع المنظمات المحلية والمرجعيات الدينية التي تقوم بدورها بتقديم وجبات الإفطار في بعض المناطق، وبعض المساعدات الغذائية التي توزّع بشكل أساسي في المناطق التي يوجد فيها أكبر عدد من اللاجئين».
من جهته، يؤكّد مدير المكتب الإعلامي في تنسيقية اللاجئين في الشمال، صفوان الخطيب أن «شهر رمضان في فصل الصيف الحار يزيد من حجم المسؤولية الإنسانية تجاه اللاجئين، ويستلزم إعلان مبادرات إغاثة سريعة»، معتبرا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «اللاجئين هم شبه صائمون طوال أشهر السنة بسبب قلة المواد الغذائية»، لافتا إلى أنه: «سيتم تقديم مساعدات غذائية بكمية صغيرة إلى فئات محدودة وهي عبارة عن بعض الحبوب والتمور».
ويتجاوز عدد اللاجئين السوريين في لبنان مع نهاية العام الحالي المليون ونصف المليون، أي أكثر من ثلث السكان، وهم ينتشرون في مخيمات غير رسمية على طول الأراضي اللبنانية ويتركزون في المناطق الفقيرة، وتقدم لهم الأمم المتحدة مساعدة أولية في شراء المواد الغذائية والتعليم.



الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)

تكبدت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية خسائر بشرية متزايدة في عدد من جبهات القتال، إثر محاولات هجومية وتسللات ميدانية نفذتها ضد مواقع القوات الحكومية، انتهى معظمها بالفشل بعد مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وتدمير معدات عسكرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية وميدانية.

وقالت المصادر إن العشرات من عناصر الجماعة سقطوا بين قتيل وجريح في جبهات متفرقة شملت مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، خلال محاولات للتقدم نحو مواقع الجيش اليمني، في خروق متكررة للتهدئة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ما قبل 2022.

وأكدت المصادر أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات الحوثية خلال الفترة الأخيرة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد معارك استمرت ساعات في بعض المواقع، مُوقِعةً في صفوفهم خسائر بشرية ومادية.

وأظهرت بيانات الجماعة الحوثية نفسها مقتل ما لا يقل عن 15 من عناصرها خلال شهر مايو (أيار) الماضي، بينهم ثمانية ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، من بينها «لواء» و«مقدم» و«رائد» و«نقيب».

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» أن الجماعة شيّعت خلال الفترة نفسها قتلاها في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، من دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

وضمت قائمة القتلى المعلنة كلاً من علي محمد الشوكاني، وعلي عبد الله الحالمي، وعبد الرحمن الأحوس، وعبد الرحمن المتوكل، وعلي عبد الباسط إسحاق، وطارق عوض مرحب، وعبد الغني فضل مهدي، ومحمد ناجي الحدي، إلى جانب سبعة آخرين.

نزف مستمر

رجحت مصادر عسكرية يمنية أن يكون معظم هؤلاء القتلى الحوثيين قد لقوا مصرعهم في مواجهات مع قوات الجيش والمقاومة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المحاور خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً حوثياً ومحاولات متكررة لاختراق خطوط التماس.

وتأتي هذه الخسائر في سياق ما تصفه مصادر عسكرية باستمرار النزف البشري في صفوف الجماعة، رغم تراجع وتيرة المعارك الواسعة مقارنة بسنوات الحرب السابقة.

لم يستثنِ الحوثيون صغار السن من التعبئة العسكرية والطائفية (أ.ف.ب)

وتحدثت تقارير يمنية عن استمرار تشييع قتلى حوثيين بصورة شبه يومية خلال الأشهر الماضية، بينهم قيادات ميدانية وعناصر ذات خبرة قتالية، ما يعكس حجم الخسائر التي تتعرض لها الجماعة في عدد من الجبهات.

كما أشارت المصادر إلى أن الحوثيين دفعوا خلال الفترة الأخيرة بتعزيزات بشرية إلى بعض مناطق التماس لتعويض النقص في المقاتلين والحفاظ على مواقعهم العسكرية، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة مع القوات الحكومية.


مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
TT

مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)

انتهت حياة مغامر يمني كان يتسلق فوهة بركان خامد بشكل مأساوي وصادم، وتركت الكثير من الحزن والأسئلة التي يبحث أصحابها عن إجابة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الواقعة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي أجبرته وغيره على تحويل المخاطرة بحياتهم إلى مصدر دخل.

وشهدت مدينة دمت في محافظة الضالع (185 كيلومتراً جنوب صنعاء)، الجمعة، سقوط الشاب القعقاع بن عنتر داخل فوهة البركان الخامد شرق المدينة، التي تعدّ من أهم المزارات السياحية في البلاد، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثته إلا صباح السبت، وسط اتهامات للسلطات الخاضعة للحوثيين بإهمال سلامة الزوار والمتسلقين.

وعُرف القعقاع بين زوار فوهة البركان التي يتعارف اليمنيون على تسميتها بـ«حرضة دمت»، كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمكان، إذ اعتاد النزول إلى المنحدرات الصخرية الحادة وكتابة أسماء الزوار على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية بسيطة، مستنداً إلى خبرة طويلة ومهارة اكتسبها عبر سنوات من التعامل مع الموقع شديد الخطورة.

وتعارف الكثيرون على تشبيه الشاب المغامر بشخصية «سبايدرمان» في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة، وبعد الحادثة المأساوية تناقلوا مقطع فيديو تحدث فيه عن إدراكه حجم المخاطرة بحياته واضطراره لذلك.

غير أن الحادثة التي هزت اليمنيين وعدداً كبيراً من مستخدمي وسائل التواصل في البلاد العربية، لم تكن مجرد نهاية مأساوية لمغامر اشتهر بجرأته في تسلق المنحدرات الخطرة، والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، بل أعادت تسليط الضوء على الظروف التي جعلت من تلك المغامرات عملاً يومياً ومصدراً للدخل، في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

ورفض كثيرون اختصار القصة في مغامرة فردية أو اتهام الراحل بالتهور، ورأى ناشطون أن القعقاع لم يكن يبحث عن الإثارة بقدر ما كان يبحث عن لقمة العيش، مشيرين إلى أن المخاطر التي واجهها يومياً كانت بالنسبة له وسيلة لإعالة نفسه وأسرته في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.

وشهدت الفوهة عدة حوادث سقوط خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراءات لتوفير وسائل السلامة والحماية للزوار.

المسؤولية القانونية والأخلاقية

أبدى عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهكماً مريراً من طلبات زوار الفوهة البركانية بكتابة أسمائهم على المنحدرات الوعرة، متسائلين عن الفائدة التي يحصلون عليها والمكاسب التي يحققونها بتعريض حياة شخص للخطر في تنفيذ هذه المهمة المثيرة للسخرية، وبمقابل مادي لا يساوي أكثر من ثمن وجبة.

فوهة بركان دمت تعدّ من أشهر المزارات السياحية في اليمن (إعلام محلي)

إلا أن أبرز التساؤلات كانت حول مسؤولية الجماعة الحوثية التي تسيطر على المنطقة، وتديرها بأشدّ طرق الرقابة والهيمنة الأمنية والعسكرية.

يرى خبير قانوني أن المسؤولية في هذه الحادثة لا تقع على طرف واحد، فبينما كان القعقاع على دراية بالمخاطر التي يواجهها، واستمر في ممارسة نشاطه سنوات طويلة، وهو ما يندرج قانونياً ضمن مفهوم القبول بالمخاطرة أو مساهمة المتضرر في الضرر، إلا أن ذلك لا يلغي واجبات الجهات المختصة التي تسيطر على المنطقة وتديرها.

ويوضح الخبير الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة، أنه، ما دام المزار السياحي يقع تحت سيطرة الجماعة الحوثية، وتعمل على إدارته وتحصيل الموارد منه، فإن ذلك يُلزمها بتوفير جميع وسائل السلامة للزوار والعاملين فيه، سواء كانوا يعملون كموظفين تابعين لها، أو مقدمي خدمات للزوار بمقابل مالي.

الشاب المغامر كان يستعرض مهاراته أمام الزوار ليحظى بتعاطفهم وتشجيعهم (فيسبوك)

وأضاف أن المسؤولية القانونية تمتدّ إلى أبعد من ذلك، فحتى لو لم يكن المزار يخضع لإدارة سياحية، ولا يجري تحصيل الرسوم فيه، فإن إلزام مرتاديه بإجراءات السلامة يبقى واجباً ما دام المكان يحظى بتلك الشهرة والإقبال الكبيرين.

ويُستثنى من ذلك، بحسب الخبير القانوني، المغامرات الفردية التي ينطلق فيها الأشخاص، سواء كأفراد أو مجموعات، في مناطق بعيدة عن التجمعات العامة، فهناك يتحمل المغامر مسؤوليته منفرداً، ولا تتحمل أي جهة مسؤولية حمايته، إلا في حال طلب منها مساعدته وإنقاذه حال تعرضه للخطر.

غياب وسائل السلامة

يلفت السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المنطقة تعدّ من أهم التجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس مع الحكومة الشرعية والجيش اليمني، وتقع على الخط الرئيسي الرابط بين العاصمة المختطفة صنعاء ومدينة عدن وعدد من المحافظات.

الآلاف من أهالي مدينة دمت وزوارها يودعون القعقاع بعد انتشال جثته (إكس)

كما تعدّ دمت إحدى أهم المدن التي تحقق للجماعة الحوثية إيرادات مالية كبيرة، بحكم موقعها والحركة التجارية فيها، وتبادل السلع الذي يجري فيها بين مناطق سيطرة الجماعة ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وتعدّ فوهة البركان من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في المنطقة، وتستقبل أعداداً متزايدة من الزوار.

من جهته، أشار المحامي نجيب عبد الله إلى أن عدم قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى جثة القعقاع يكشف عن إهمال كبير واستهتار بحياة مرتادي المزار، وعدم التفكير بحمايتهم أو التخطيط لمثل هذه الحالات التي يمكن أن تتكرر كثيراً، إلى جانب احتمالية وقوع حوادث سقوط جماعية.

الحركات البهلوانية منحت الشاب القعقاع بعض النقود قبل أن تسلبه حياته (إكس)

وبيَّن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات من أي مزار سياحي، يجعل الجهة المشرفة عليه مسؤولة بشكل كامل عن توفير السلامة والحماية لمرتاديه وتأمينهم، وعليها تنفيذ جميع إجراءات الحماية والسلامة، وتنبيه الزوار إلى المخاطر بشكل واضح ووضع قواعد للالتزام بالتعليمات، ولا تسقط مسؤوليتها إلا في حال تجاوز الزوار تلك التعليمات، أو وقوع حوادث خارجة عن السيطرة.

وتأخرت فرق الدفاع المدني التابع للجماعة الحوثية في البدء بأعمال الإنقاذ إلى وقت متأخر من يوم الحادثة، في حين تبرع رجل أعمال من المنطقة بمبلغ 2 مليون ريال (3738 دولاراً، حيث يفرض الحوثيون سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً) كمكافأة لمن ينتشل جثة المغامر القعقاع، والتي انتهت صباح اليوم التالي.


بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.