شيعة لبنان.. المختلفون

معارضو «حزب الله» في الطائفة يشكون من تهديداته لكن يفشلون بالاتحاد لصده

شيعة لبنان.. المختلفون
TT

شيعة لبنان.. المختلفون

شيعة لبنان.. المختلفون

قد يعتقد البعض أن الوقت الآن مناسب للاستفادة من «التململ الشيعي» في لبنان جراء انخراط «حزب الله» في الحرب السورية وتكلفتها العالية على الشارع الشيعي، أمنيا وسياسيا وبشريا، مع توالي الجنازات في القرى الشيعية في لبنان، لكن الشارع الشيعي اللبناني أثبت - حتى اللحظة - أنه لا يزال عصيا على الاختراق من قبل خصومه. فكيف بزمرة قليلة من الناشطين الشيعة الذي يواجهون الحزب بمنطق يختلف عن منطقه الذي يحظى بشعبية واسعة في الأوساط الشيعية التي كانت خائفة من إسرائيل، ثم انتقلت اليوم إلى الخوف من إسرائيل و«التكفيريين» وهي التسمية المعتمدة للتنظيمات المتطرفة أمثال «داعش» و«جبهة النصرة».
يعاني الشيعة اللبنانيون المعارضون لـ«حزب الله» من وقوعهم بين مطرقة الحزب وسندان معارضيه. فالحزب الذي انتقل من عدم الاعتراف بهم، إلى تهديدهم، كان في بعض الأحيان أكثر رأفة بهم من خصومه الذين «استعملوا» هؤلاء كفلكلور للتعددية الوطنية في المناسبات، ثم لجأوا إلى «حزب الله» للتحاور معه عند وقوع الخطر من الفتنة السنية - الشيعية باعتباره الممثل الوحيد لشيعة لبنان. ولعل نقطة الضعف الأبرز لدى هؤلاء، هي خطابهم الوطني في زمن الطوائفيات. فغالبية المعارضين للحزب يرفضون أن يكونوا «مشروعا شيعيا» في مواجهة مشروع «حزب الله»، مفضلين التزام خيار الدولة والخطاب الوطني.
وأتت برقيات «ويكيلكيس» التي نشرتها عدة صحف قبل أربع سنوات، من بينها صحيفة «الأخبار» اللبنانية لتلقي الضوء على مواقف مجموعة من الشيعة اللبنانيين كانوا يتناقشون مع أركان السفارة الأميركية في الوضع السياسي الداخلي، وتأثير «حزب الله» في الشارع الشيعي، وكيفية مواجهة هذا التأثير. وقد شهر الإعلام الموالي للحزب بهؤلاء، وتم تصنيفهم على أنهم «خونة»، وأعطوا اسما هو «شيعة السفارة» أو «شيعة فيلتمان» بالإشارة إلى السفير الأميركي الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان.
وقد تسلط الضوء على المعارضين الشيعة، بعد اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري في عام 2005، فخرج هؤلاء إلى العلن لأول مرة، وألفوا ما عرف بـ«اللقاء الشيعي» الذي ضم معارضين للحزب. غير أن هذا اللقاء تعرض لضربة قاصمة من قبل «14 آذار» بذهابها في وقت لاحق إلى تحالف انتخابي مع «حزب الله» وحركة «أمل»، القوة الشيعية الثانية. ويتهم الكاتب والصحافي قاسم قصير تيار «المستقبل» بتفشيل اللقاء. ويعدد قصير، الملم بملف الحركات الإسلامية، لـ«الشرق الأوسط» عدة أسباب لعدم قدرة المعارضين للحزب على إثبات أنفسهم في المواجهة المفتوحة معه، أبرزها «تشتت هذه القوى وانقسامها وعدم وجود قاسم مشترك بينها»، مشيرًا إلى أن عددا من هؤلاء تم استعمالهم من قبل تيار المستقبل وقوى «14 آذار» للاستفادة منهم تكتيكيا من دون دعم حقيقي. ويضيف قصير سببا جديدا هو النظام الانتخابي الأكثري الذي يمنع هؤلاء من التمثل في البرلمان، بالإضافة إلى «سوء خطاب المعارضين الذي لا يراعي حساسيات البيئة الشيعية التي يمثلها»، معتبرًا أن هؤلاء همهم الأساسي هو انتقاد «حزب الله» وحركة «أمل» من دون الانتباه إلى ما يفكر به المواطنون الشيعة وما يراعي هواجسهم. وأوضح أن «اقتصار عمل هؤلاء على الجانب النخبوي أثر على حركتهم وقلل من وصولهم إلى الناس»، متحدثا عن عامل آخر هام هو الفساد المالي وإساءة التصرف بالأموال التي تلقاها بعض هؤلاء لتنفيذ مشاريع. ولفت إلى أنه لم يتم تنفيذ أية مشاريع ملموسة لها علاقة بتحسين أوضاع الناس، بغض النظر عن عدم دقة مقارنة قدراتهم بقدرات «حزب الله».
ويقر منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد أن المعارضين الشيعة «مظلومون» من قبل 14 آذار، إلا أنه أكد أنهم ليسوا وحدهم فـ«أيضا الأرمن المعارضين للطاشناق مظلومين وغيرهم أيضا». وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «كل من يظن أنه قادر أن يغير قوى الأمر الواقع داخل طائفته غلطان. لذلك في أي حلحلة تصبح مع حزب الله لا يمكن أن يكون للمعارضين الشيعة دور، رغم أننا نسعى لذلك». وأضاف: «نحن نعترف بهذا التقصير ونعمل من أجل حلحلة الوضع عبر إنشاء المجلس الوطني لقوى (14 آذار) ونريد أن يكون دورهم فعالا أكثر في الأيام المقبلة».
ويرى الكاتب اللبناني محمد شبارو أن ما جعل «شيعة السفارة»، بالمفهوم المعارض لـ«حزب الله»، لقمة سائغة للحزب وتهديداته واعتداءاته، هي «14 آذار» بحد ذاتها، بأحزابها وتياراتها، المتفردة دومًا بالقرار، والرافضة لأي صوت مضارب، وهو عمليًا ما أدى إلى سقوط فكر «14 آذار»، كقوى عابرة للمناطق والطوائف والمذاهب، وتحولها إلى مجلس ملّي لبعض الأحزاب المسيطرة على شارع طائفي معين. وقال: «في عام 2005، ومع انطلاق ثورة الأرز، لم يكن الشارع الشيعي خارج (الثورة)، كان حضوره من حضور باقي الطوائف، سنّة ودروز وموارنة، وإن خارج القيد الطائفي. في ذلك الوقت، شاركت أعداد ضخمة من الشيعة المعارضين للوجود السوري، في لبنان، والذين رأوا في جماهير ساحة الشهداء خير ممثل لهم ولنظرتهم إلى لبنان. لكن بعد عام 2005، انتهجت أحزاب السيادة والاستقلال سياسة إقصائية واضحة، لم تراعِ فيها أي حيثية تذكر لـ«شيعة السفارة»، بدءًا من الحلف الرباعي، مرورًا بكل السياسات المتبعة مع «حزب الله» وحركة «أمل» والتي كرستهما ممثلين وحيدين للطائفة الشيعية. ولفت إلى أنه «حتى على أبواب الانتخابات النيابية عام 2009، دخلت إلى بيت الطائفة، إما بأسماء إقطاعية، أو بأسماء هامشية غير قادرة على خرق الشارع، ولا حتى تقديم أي برنامج أو فكر مضارب، نظرًا إلى سمعتها وصيتها المعروف بقاعًا وجنوبًا». ورأى أن أحزاب وتيارات «14 آذار» لم تقدم مشروعًا واحدًا للعبور الجدي إلى الدولة المدنية. على العكس، قدمت منذ عام 2005 مشروع الدولة الطائفية المركبة وفق المحاصصة بين تيارات يمثل كل منها طائفة. تماهت مع السائد لبنانيًا حدّ العمى، بدلاً من أن تقدم جديدًا يسهم في العبور إلى الدولة. قدمت مشروعًا يضم «المستقبل» عن السنّة، و«القوات» و«الكتائب» عن الموارنة، وبقية غبّ الطلب انتخابيًا أو للمناكفة مع «حزب الله» وحركة «أمل».
ويقول الكاتب والصحافي اللبناني علي الأمين، أحد المصنفين من «شيعة السفارة» إنه لا يمكن وصف حال الشيعة المعترضة على «حزب الله» بأنها «قوى شيعية تريد أن تشبه حزب الله وتنافسه على القرار السياسي للطائفة». ويضيف الأمين الذي يدير موقع «جنوبية» المتخصص بشؤون الجنوب اللبناني: «معظم القوى الشيعية تعتبر نفسها في البعد السياسي منتمية إلى أطر وطنية تبتعد عن الجانب الآيديولوجي المذهبي - الطائفي. وإذ يشدد لـ«الشرق الأوسط» على أن لا مشروع شيعيًا لهذه القوى، يجزم بأنها تنتمي بطبيعتها إلى الهوية اللبنانية وعنوانها السياسي الذي يجعل لبنان وطنا، والهوية الوطنية هي الهوية المتقدمة على كل الهويات. ويرى الأمين أن حزب الله أوغل في هويته الآيديولوجية التي تجعله يعتقد أن من حقه أن يكون موجودا أينما احتاج الأمر، سواء في اليمن أو العراق أو سوريا، وهذا غير موجود لدى معارضيه الشيعة وجزء كبير من الشيعة غير المسيسين.
ويعتبر الأمين أن أحد أهم عناصر قوة حزب الله، إضافة إلى العسكر والمال والسياسة، هو أنه يتغذى بنفوذه من العناصر المتطرفة في المقابل، فيستفيد من «داعش» كما يستفيد «داعش» وغيره من المتطرفين من الحزب لخلق النفوذ في بيئاتها. وهذا ما يجعل الحزب يذهب بعيدا في المزيد من التعبئة المذهبية التي تجعل الناس تعيش الخوف من الخطر الوجودي، مما يجعل من الصعوبة بمكان أمام الخيارات المعتدلة أن تثبت وجودها.
ويشير الأمين إلى أن التيارات المعارضة للحزب في البيئة الشيعية هي «أطراف لها هويتها العربية والوطنية ولدى بعضها الصفة الشيعية». ويقول: «إنها قوى متنوعة منها ما له عنوان وطني، ومنها عنوان تقليدي (العائلات الكبرى) ومنها أيضا عنوان ديني يختلف مع «حزب الله» في رؤيته. لكن هذه القوى على اختلافها عارضت تدخل حزب الله في سوريا»، معتبرا أن مخاطر هذا التدخل بدأ الناس يتلمسونها اليوم، خصوصا أن الحزب بدأ بخطاب الدفاع عن الأسد، ووصل به الأمر اليوم إلى خطاب الدفاع عن لبنان، موضحًا أن الخسائر البشرية الكبيرة غير المتوقعة تلعب دورها. وقال: «هناك نوع من القلق وسؤال (إلى متى؟) بات موجودا داخل الطائفة، وهذا قد يؤدي إلى إمكانية سماع الأصوات المعتدلة. واستدرك: «لا أريد أن أقول إن هناك تحولا، لكننا في لحظة تأمل، خصوصا أن الحزب انتقل من خطاب القوة إلى لغة مختلفة فبدأ يتحدث عن أنه (لو ذهب نصفنا أو ثلاثة أرباعنا سنكمل) وهذا مؤشر على خطاب الخوف أو التخويف القائم بعدما كان يعد دائما بالانتصارات». وإذ يرى أنها «لغة لها تأثير سلبي على الجمهور»، مشيرا في المقابل إلى أن لها تأثير آخر يساهم بالمزيد من إمساك الحزب للقرار داخل الطائفة.
وفي جميع الأحوال، يرى الأمين أن ثمة فرصة الآن للقوى المعارضة للحزب للتعبير عن موقفها، وفرصة أكبر لخطوات عملية نحو المزيد من التأكيد على العودة إلى الدائرة الوطنية، وهذا هو الخيار الاستراتيجي لهذه القوى في سعيها إلى حماية لبنان وتحصينه من الداخل وحماية الطائفة من التداعيات المحتملة للتغيير الحقيقي في سوريا. ويشدد على أن يكون هذا كله في سياق تأكيد على الهوية اللبنانية كهوية متقدمة، على أساس الشراكة كمجموعات طائفية ومذهبية، مما يفرض على الجميع أن يحترم حقوق الشراكة الوطنية».
ويشدد الأمين على أن خيارات الطائفة الشيعية في لبنان هي تلك التي عبر عنها الإمام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين والقيادات الشيعية اللبنانية الأخرى التي كان لها دور في تثبيت الكيان اللبناني والتأكيد على الهوية الوطنية اللبنانية.
على الصعيد الشخصي، يرفض الأمين الذي يعيش ويعمل في ضاحية بيروت الجنوبية، أن يدخل في «ادعاءات» حول الضغوط التي يتعرض لها. مكتفيا بالقول إنها «تجربة مكلفة». ويقول: «من المؤكد أن كل من يريد أن يأخذ موقفا معارضا يعي أنها مسألة مكلفة»، ويبرر ذلك بالقول: «الناس لديها مصالحها، وحزب الله يمسك بمصالح الناس، وقد تخطى بذلك الرئيس نبيه بري الذي تراجعت خصوصيته. فالمعارض (للحزب) إذا أراد أن يذهب لمراجعة البلدية في بعض شؤونه سيلاقي مصاعب، وكذلك في مؤسسات الدولة الرسمية وحتى القطاع الخاص. ليخلص إلى القول إن تكلفة معارضة الحزب هي «تكلفة عالية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأمنيا».
وفي الإطار نفسه، يشير الناشط السياسي، وعضو تجمع «لبنان المدني» مالك مروة إلى أن صحيفة «الأخبار» كانت أول من استعمل تعبير «شيعة السفارة»، معتبرا أن هذه التسمية يمكن أن تستعمل مع أي شخص يختلف مع «حزب الله» وهي طريقة لتخوينه وهدر دمه في مكان ما. ويرى مروة أن مضمون ما نشر في برقيات «ويكيليكس» عن الشخصيات الشيعية المعارضة لا يمكن أن يقارن بما قاله حلفاء «حزب الله» في هذه البرقيات. ويفضل مروة استعمال تعبير «المختلفون» بدلا من المعارضين، معتبرا لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية هؤلاء خيارهم هو الدولة والعودة إليها، وبناء وطني يتسع فيه الجميع. ويشدد على أن هؤلاء لا يمتلكون مشروعا شيعيا ثانيا، لكنهم مضطرون أن يتحدثوا اللغة الطائفية، وأن يتكلموا كشيعة لأن النظام السياسي في لبنان يصنف الناس وفق انتماءاتها الطائفية.
ويلمح مروة إلى أن عدم تأطير «المختلفين الشيعة» عملهم في هيئة أو حزب، مرده أن هذا التأطير سيجعلهم في مواجهة الخطر المباشر. ويقول: «فضل الكثيرون العمل على الصعيد الفردي تجنبا لمخاطر العمل كمجموعة»، ويشدد مروة على أن الخروج من الاستقطاب الطائفي القائم يحتاج إلى مساهمة كبيرة جدا. ويرى أن الشيعة في لبنان، وغيرهم من الأقليات في المنطقة، يحتاجون إلى الخطاب السني المعتدل. وإذ يؤكد أن غالبية السنة في المنطقة هم معتدلون، يرى أن الظواهر المتشددة تستهدف الاعتدال السني بالدرجة الأولى. ويأخذ على المكونات السياسية والطائفية الأخرى في لبنان عدم اعترافها بوجود شيعة يختلفون عن «حزب الله»، ويحصرون حوارهم معه، مما يضعف دور المختلفين الذي يواجهون باللحم الحي ماكينة سياسية عسكرية اقتصادية تدفع ملايين الدولارات سنويا. ويضيف: «الشيعة المستقلون في لبنان، هم أكثر أناس تركوا، وهم يتابعون نضالهم من دون كلل أو ملل» معتبرا أن تأثير هؤلاء بات كبيرا إلى حد أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اعترف بخطرهم، بعد أن كان يتجاهلهم طويلا ويعتبرهم غير موجودين.
ويؤكد مروة أن «الإيرانيين والسوريين ابتدعوا مسألة (حصرية المقاومة)، ووضعوها بيد (حزب الله) وبقية المكونات صفقت له، واعترفت له بهذا الحق، مما أعطاه مشروعية معينة في نظر الناس العاديين». واعتبر أن المواجهة لا تكون بخطاب شيعي مضاد، بل بخطاب وطني. وعبر مروة عن شعور متنامٍ بين أبناء الطائفة الشيعية في لبنان حين قال: «نحن نقف ضد حزب الله حرصا عليه وعلى الشيعة ولبنان. وتلويث يده بالدم السوري مرفوض تمامًا، وهو مشروع خاسر، ونقول له دائما: «سلم سلاحك للجيش اللبناني، ولنبحث في كيفية حماية أنفسنا».
ويبدي مروة أسفه لأن خصوم حزب الله يحاولون استعمال الشيعة المستقلين في المواسم التي يحتاجونهم فيها، كالانتخابات أو عند حصول مشكلات في البلد، أما عندما يريدون حل المشكل، فيذهبون إلى «حزب الله».
ومع هذا كله، يرى مروة بارقة أمل «لأن وهم القوة جربته كل الطوائف اللبنانية قبل الشيعة، وكان الخاسر دوما لبنان واللبنانيين، وهذا ما سيكتشفه الشيعة آجلا أم عاجلا». مشيرًا إلى أن الحل الثاني هو «حروب أهلية لا تنتهي».



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.