ميخائيل غورباتشوف... بين التقديس والشيطنة

ضحية تاريخ خرج عن السيطرة

صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)
صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)
TT

ميخائيل غورباتشوف... بين التقديس والشيطنة

صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)
صعود يلتسين ... وافول غورباتشوف (أ.ف.ب)

«لا نستطيع متابعة العيش على هذا النحو». هذه العبارة التي همس بها ميخائيل غورباتشوف لوزير الخارجية الجديد إدوارد شيفارنادزه، قد تُلخص الفلسفة التي أملت على الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي والرئيس الأول والأخير للاتحاد الشاسع المساحة المتعدد القوميات واللغات والمعضلات. لم يكن غورباتشوف ساذجاً، كما اتهمه الرئيس فلاديمير بوتين، ولا غافلاً عن حقائق العالم على ما ذهبت تحليلات صحافية... بل كان مدركاً أن إصلاح الاتحاد السوفياتي قد ينتهي بخروج الحزب الشيوعي الذي يتزعمه من السلطة ومجيء قوى جديدة إلى الكرملين. تردده وإحجامه عن اللجوء إلى القوة في تسوية الخلافات مع رفاقه (على الرغم من أنه لم يكن على ذات السوية من السلمية في مواجهة التحركات الاحتجاجية في الجمهوريات المضطربة في جورجيا وأذربيجان وأوزبكستان وحوض البلطيق)، وتمسكه بالخطاب الرسمي للسلطة الذي يُنكر ما يحصل وراء الأبواب الموصدة لمصلحة رسم صورة وردية ومتفائلة للأحداث، أعطى كل ذلك انطباعاً عنه بأنه أطلق عملية تتجاوز قدراته على السيطرة على مسار الأمور.
يمكن الجزم بتفهم ميخائيل غورباتشوف صعوبة ما تواجهه بلاده - الاتحاد السوفياتي، يومذاك - وقصورها عن أداء الدور الذي أناطته بنفسها ابتداءً من الخمسينات، من خلال إبلاغه جميع الحلفاء والأصدقاء بضرورة الاعتماد على أنفسهم وعدم انتظار المساعدة السوفياتية.
قال هذا الكلام لزعيمي تشيكوسلوفاكيا غوستاف هوساك وألمانيا الشرقية أريك هونيكر، وقاله أيضاً لفيديل كاسترو ولحافظ الأسد.
كل واحد من هؤلاء أبدى رد فعل مختلفاً. زعماء أوروبا الشرقية المشاركة في حلف وارسو لم يصدقوا أن الاتحاد السوفياتي قد يتخلى عنهم في حال اضطرب حبل الأمن عندهم. موقعهم الاستراتيجي في مواجهة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) وانتشار قوات سوفياتية ضخمة في بلادهم، شكلا مبرراً للاعتقاد أن «الرفاق السوفيات» سيتدخلون، بلا شك، إذا برز خطر على الحكومات الشيوعية الأوروبية الشرقية. وكانت هذه تدين بالكثير للاتحاد السوفياتي الذي صنعها عملياً ووفر لها الحماية وأشرف على توليها السلطة في الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
بولندا وحدها كانت تعلم أن الموجة أعلى من قدرات الأحزاب الشيوعية الحاكمة على تجاوزها. فالشيوعيون البولنديون الذين كانوا يواجهون تحركات تتراوح بين المطالب النقابية والرفض الجذري للحكم الشيوعي منذ إضرابات حركة «تضامن» في 1980 وفرض الحكم العسكري لتجنب اجتياح سوفياتي شبيه بما جرى في المجر وتشيكوسلوفاكيا في عامي 1956 و1968، كانوا أول من سلّم السلطة إلى حكومة منتخبة ديمقراطياً في 1989.
- الاستثناء الكوبي
أما الزعيم الكوبي كاسترو، فلم يشعر أنه مدين بمنصبه للسوفيات. ذلك أن الثورة التي قادها أواخر الخمسينات، انتصرت بجهود مناضلين كوبيين (وبعض الأمميين مثل ارنستو «تشي» غيفارا). وبالتالي، فالسلطة في هافانا نتاج وطني محض وإن كانت تلتقي مع السوفيات في العداء للإمبريالية وفي الصراع ضد الولايات المتحدة. كذلك، الكوبيون اختاروا الاشتراكية بإرادتهم الحرة وليس لممالأة السوفيات ولا غيرهم.

شيفاردنادزه (غيتي)  -  ياكوفليف

هكذا عبّر كاسترو في خطاب طويل وغاضب ألقاه في مناسبة عودة القوات الكوبية من الحرب في أنغولا. «مع الدرع أو عليه» قال كاسترو مستعيداً كلمات الأمهات الأسبرطيات أثناء توديعهن أولادهن المتوجهين إلى الحرب. ومثلما عاد الجنود الكوبيون من أنغولا «مع الدرع أو عليه»، أي حاملين دروعهم أو منقولين كجثث عليها بعد موتهم في قتال الأعداء، هكذا ستحارب كوبا في سبيل خيارها. «الاشتراكية أو الموت» ختم كاسترو بالشعار الذي ظل مرفوعاً في الجزيرة بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي بسنوات طويلة.
أما الرئيس السوري حافظ الأسد، فيقال، إنه عاد من زيارة له إلى موسكو سنة 1987 بقناعة أن غورباتشوف، وعلى الرغم من وعوده بمواصلة تزويد سوريا بالمعدات العسكرية والمساعدة الاقتصادية، بدأ بالانكفاء عن الشرق الأوسط ولن يتابع سياسة أسلافه في مساندة السياسات السورية في المنطقة، وأن لدى السوفيات وجهات نظر جديدة بضرورة التوصل إلى سلام متفاوض عليه مع إسرائيل. وثمة من يعتقد أن الزيارة تلك مهّدت الطريق أمام تحسن العلاقات السورية مع الولايات المتحدة وصولاً إلى مشاركة دمشق في التحالف الدولي لطرد الاحتلال العراقي من الكويت.
التخفيف من أعباء القضايا الدولية تأسس على تقييم أجراه غورباتشوف وفريقه تضمن مقارنة بين ما يفرضه الالتزام «بمطاردة الإمبريالية» في العالم وبين ما يجنيه الاتحاد السوفياتي من التزاماته الأممية. حقائق تراجع الإنتاج الزراعي وقلة كفاية صادرات النفط والغاز لتلبية الحاجات المتزايدة، خصوصاً بعد إطلاق الولايات المتحدة «مبادرة الدفاع الاستراتيجية» المعروفة باسم «حرب النجوم»، والمصممة أصلاً لإنهاك الاتحاد السوفياتي وامتصاص موارده في سباق تسلح لا قدرة له على مجاراة الغرب فيه، كانت من الوضوح بحيث لا تخفى على أي مسؤول في الكرملين. يضاف إلى ذلك، أن العقوبات التي فرضها الغرب بعد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان وحرب الاستنزاف التي تورط فيها هناك، من المسائل التي أرخت بثقلها على قيادة غورباتشوف.
- الاقتناع بالاشتراكية
من جهة ثانية، لم يتخل غورباتشوف عن اعتقاده بأفضلية النظام الاشتراكي في تأمين الاستقرار الاجتماعي والسلم بين المكونات القومية والدينية السوفياتية الشديدة التباين. وظل على قناعته بأن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية هو الإطار المناسب للعلاقة بين القوميات المختلفة حتى بعد توالي إعلان الجمهوريات سيادتها فيما يشبه الانفصال عن الاتحاد السوفياتي الذي أبدى 80 في المائة من مواطنيه رغبتهم في الحفاظ عليه في استفتاء جرى في مارس (آذار) 1991.
وبحلول عام 1990، وصلت العملية التي أطلقها غورباتشوف قبل خمس سنوات إلى مأزقها. لقد بات الاتحاد السوفياتي جسداً خالياً من الأعضاء التي راحت تعلن استقلالها وانفصالها وسيادتها. وبدا كأن كل واحدة من الجمهوريات السوفياتية الـ15 باشرت تاريخها الخاص بما في ذلك حروبها الأهلية وصراعاتها الحدودية مع جيرانها وتحالفاتها الخارجية وبرامجها الاقتصادية. وظل الجسد هذا يبحث عن دور إلى أن وقع انقلاب 19 أغسطس (آب) 1991، بقيادة «لجنة الدولة للحالة الطارئة» التي أعلنت تسلمها السلطة بسبب «مرض» أصاب غورباتشوف أثناء تمضيته إجازته في منتجع سوتشي.
الانقلاب الذي أفشله نزول المواطنين الروس إلى شوارع موسكو يتقدمهم رئيس جمهورية روسيا الفيدرالية وخصم غورباتشوف العنيد بوريس يلتسين، أنهى عملياً فرص إنقاذ الاتحاد السوفياتي بعدما ظهر أن النخبة الحزبية والعسكرية والأمنية لن تتخلى عن أساليبها القديمة، وأنها على استعداد لاستخدام العنف والقتل، ولو ضد رئيس الاتحاد السوفياتي في سبيل البقاء في السلطة.
تصلّب النخبة القديمة ورفضها الإصلاح على الرغم من كل ما شهدته البلاد في الأعوام السابقة، كان عنصراً رئيسياً في نهاية عهد غورباتشوف الذي أعلن في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991 نهاية الاتحاد السوفياتي كدولة... كان هو نفسه مصمماً قبل سنوات ست على إنقاذها وإحيائها.
بعد ذلك التاريخ، أصبح غورباتشوف شخصية من الماضي. يكرّمه الغرب بأكثر العبارات تعظيماً، ويتهمه مواطنوه بالتسبب في تدهور أوضاعهم المعيشية وصولاً إلى المسؤولية عن أزمة التسعينات الخانقة.
وليس من شك في أن الرجل سيبقى في هذا الموضع الملتبس، بين التقديس والشيطنة، والذي لم يختره بإرادته، بل دفعته إليه قوة التاريخ العاتية.
يلتسين... وياكوفليف
الخصم الأشهر لميخائيل غورباتشوف كان، من دون شك، بوريس يلتسين. مسؤول منطقة سفيردلوفسك (يكاترينبورغ حالياً) في الحزب الشيوعي السوفياتي الذي جاء غورباتشوف به لتولي مسؤولية الحزب في العاصمة موسكو، ضمن الدفعة الأولى من تبديلات المناصب التي أجراها الأمين العام الجديد فور تسلمه منصبه في 1985.
اعتقد غورباتشوف أن يلتسين الديناميكي والإصلاحي سيكون سنداً له في المنصب الحساس على رأس الحزب في موسكو بعدما نجح في إبعاد منافسه على الأمانة العامة، المسؤول السابق للحزب في العاصمة فيكتور غريشين المتشدد والتقليدي. يبد أن ظن غورباتشوف لم يكن في مكانه وبات يلتسين على رأس الخصوم «من الجهة الإصلاحية» التي تطالب بتغييرات أسرع وأعمق في الحزب والدولة.
ولم يكن لحركة إصلاحية كبرى مثل التي أطلقها الأمين العام غورباتشوف إلا أن تفرز الشيوعيين السوفيات بين مؤيد ومعارض. وفي بنية تفتقر إلى آليات التغيير الديمقراطي مثل الحزب السوفياتي، كانت المعارضة تتخذ شكل مؤامرات في الغرف المقفلة وتكتلات بين أصحاب الآراء المتشابهة. وبلغت المعارضة ذروتها في انقلاب 19 أغسطس 1991 الذي قضى عملياً على آخر فرصة لإنقاذ الاتحاد السوفياتي كدولة.
أما الموالاة، وإذا أبعدناً جانباً تلك التي تقف إلى جانب صاحب أي سلطة في كل مكان وزمان طمعاً في الامتيازات والمناصب والحماية والجاه، فلم تكن متماسكة لا سياسياً ولا فكرياً. لقد أدى ألكسندر ياكوفليف، المثقف والمطّلع على الثقافة الغربية، دور المرجع الايديولوجي لغورباتشوف ولعملية «إعادة البناء والشفافية» (البيريسترويكا والغلاسنوست). وإليه تُنسب فكرة التخلي عن الشيوعية السوفياتية التقليدية والانخراط في بناء «اشتراكية ذات وجه إنساني» أو «اشتراكية أخلاقية» من دون إغفال احتمال تفكّك الاتحاد السوفياتي وخسارته جبروته العسكري ومكانته العالمية. والمفارقة هنا، أن «الاشتراكية ذات الوجه الإنساني» شعار رفعه الشيوعيون التشيكوسلوفاكيون بقيادة ألكسندر دوبتشيك فيما عُرف بـ«ربيع براغ» الذي انتهى تحت جنازير الدبابات السوفياتية في صيف 1968.
مسار ياكوفليف صوب المكتب السياسي للحزب الشيوعي، قمة السلطة آنذاك، لم يكن استثنائياً؛ إذ إنه انخرط في السلك الحزبي مبكراً. لكنه خصّص وقتاً كبيراً للاطلاع على الأسس النظرية للفلسفة الماركسية - اللينينية وأصولها في الفكر الألماني. وثمة مَن يقول، إن جولته الفكرية انتهت به إلى تبني أراء رافضة لكل المقولات الماركسية الرئيسية باعتبارها غير قابلة للتطبيق من دون لي ذراع المجتمع البشري واللجوء إلى القمع والقسر الذي عاينه شخصياً من خلال تخفيض رتبته الحزبية بعد انتقاده تصاعد النزعة القومية الروسية في الحزب.
آراء ياكوفليف وأثرها على غورباتشوف سرعان ما أثارت انتباه «صقور» الحزب الذين تناولوا الرجل بالقدح والذم وبالتذكير بأصوله اليهودية التي تحوّلت منذ عهد جوزيف ستالين إلى سبّة يتوجب أن تُخفى، بعد أحياء تقاليد العداء للسامية العميقة في التاريخ الروسي. وحقاً، تُنسب إلى ياكوفليف فكرة «استخدام آليات النظام الشمولي لتفكيك النظام الشمولي» بمعنى لجوء قيادة إصلاحية إلى طريقة الأمر والنهي لفرض نوع من التحول الديمقراطي داخل الحزب.
... وأفكار شيفارنادزه
إدوارد شيفارنادزه الآتي إلى موسكو مثل غورباتشوف من مكان بعيد، كان الذراع الخارجية لمشروع «الإصلاحات». وباستثناء الرغبة في تغيير الوضع المتهالك، كانت خلفية شيفارنادزه تختلف اختلافاً واضحاً عن تلك التي أنتجت الأمين العام.
فهذا الرجل الجورجي الذي لم تختفِ لهجته المحلية عند تحدثه بالروسية، كان مسؤولاً في وزارة الداخلية الجورجية، وبصفته هذه أشرف على حملات مكافحة الفساد؛ ما أهّله لتولي زعامة الحزب في الجمهورية. ومن هنا غلبت سمعته كإصلاحي وعُدّ من الفريق المحيط بغورباتشوف.
ومقابل يلتسين، المعارض من الجهة الإصلاحية، ظهر إيغور ليغاتشيف «المحافظ» الذي انتقل من دعم غورباتشوف وتنظيم حملته للوصول إلى الأمانة العامة بعد وفاة يوري أندروبوف، ثم قسطنطين تشيرنينكو عامي 1983 و1985، وصل إلى التصدي لإصلاحات حليفه السابق... بعدما تبين أن مسار الأمور لا يمكن أن يقف عند مكافحة الفساد المستشري بين كبار المسؤولين الحزبيين وتغيير زعماء الجمهوريات السوفياتية البعيدة عن المركز.
غير أن ليغاتشيف نأى بنفسه عن العداء السافر لغورباتشوف. الموقف ذاته اتخذه أناتولي لوكيانوف، صديق غورباتشوف وزميله السابق في كلية الحقوق بجامعة موسكو ثم معارضه واحد المحذرين من أن سياسات صديقه ستقود إلى انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن العداء لغورباتشوف داخل الحزب شمل حلفاء سابقين مثل نائبه غيناري ياناييف ورفاقه الذين انضووا في «لجنة الدولة للحالة الطارئة» التي نظمت الانقلاب على غورباتشوف واخفقت في قيادته إخفاقاً هزلياً/ مأساوياً.
- أعوام «البيريسترويكا» في عيني طالب عربي
> وصلتُ إلى الاتحاد السوفياتي للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول) 1985، بعد ستة أشهر تقريباً من تولي ميخائيل غورباتشوف الأمانة العامة للحزب الشيوعي. وغادرته للمرة الأخيرة في ربيع 1990 في ذروة التغييرات التي شهدتها أوروبا الشرقية. بذلك أكون أمضيت القسم الأكبر من عهد الرئيس السوفياتي الأول والأخير كطالب في الاتحاد السوفياتي، وفي عاصمته الثقافية ومهد ثورته لينينغراد (سانت بطرسبورغ، قبل الثورة البلشفية وبعد الانهيار السوفياتي).
خرجت السيارة التي أقلتنا من بيروت المقفل مطارها إلى دمشق، وكنا ثلاثة طلاب، ليلاً عبر ما كان بـ«طرق الكرامة» لنتمكن من الوصول إلى مطار العاصمة السورية صباحاً واللحاق بالطائرة الروسية المتوجهة إلى موسكو. وكان استحدِث الطريق المذكورة كبديل عن طريق بيروت - دمشق الذي كان يسيطر عليه الجيش اللبناني، بهدف إمداد الضاحية الجنوبية والشطر الغربي من العاصمة بالذخيرة والسلاح أثناء «انتفاضة الضاحية» و«انتفاضة 6 فبراير (شباط)» وخروج القسم الغربي من بيروت على سيطرة السلطة التي كان يقودها الرئيس أمين الجميل.
الطريق المظلمة التي تضيئها طلقات القنص من مواقع اللواء الثامن في الجيش اللبناني (الموالي للجميّل) والحفر التي تجعل من المرور أشبه ما يكون بالقفز على أرجوحة مطاطية، كانت كلها على تناقض مع الدروب العريضة المفضية إلى «موقف بيروت» الذي يستقبل السيارات الآتية من لبنان. فيما بدت نظافة وترتيب الطرق العريضة التي تقود إلى مطار دمشق الدولي، أشبه بمشهد من فيلم سينمائي مقارنة بالدمار والأنقاض اللذين يكتنفان المدن اللبنانية، وخصوصاً العاصمة بعد سبع سنوات من الحروب والاقتتال.
حملتنا طائرة ضخمة من طراز «إيل - 86» من دمشق مروراً بتوقف قصير في لارنكا، ثم إلى موسكو حيث فوجئنا بطقس بارد وممطر في أوائل سبتمبر (أيلول). اتساع طريق مطار دمشق، بدا شديد التواضع أمام الأوتوسترادات التي تصل مطار «شيريميتفو 2» الذي بنته شركات إيطالية لاستقبال المشاركين في أولمبياد موسكو في 1985، بقلب العاصمة السوفياتية (حينذاك).
من الفندق المخصص للطلاب الأجانب الوافدين، كانت تبدو العلامات الأولى «لإصلاحات» غورباتشوف. ذاك أن صفوفاً طويلة من المواطنين تقف أمام مخازن صغيرة. الطلاب الأقدم الذين كانوا يزورون الفندق لاستقبال أقاربهم أو للتعرف على الطلاب الجدد ومساعدتهم، أوضحوا أن الواقفين ينتظرون الحصول على زجاجتين من «الفودكا»، المشروب الكحولي الروسي الشهير والذي كان من بين أهداف «إصلاحات» غورباشوف الأولى.
فالأمين العام الجديد، وبتأثير من سلفه (ويفصل بينهما قسطنطين تشيرننكو) يوري أندروبوف الذي ترك أثراً كبيراً على صعود غورباتشوف سلم المناصب القيادية في الحزب الشيوعي، ويقال أيضاً بتأثير من زوجته صاحبة الشخصية القوية رايسا غورباتشوفا، أبدى استياءه مما يتركه إدمان الخمور على المجتمع السوفياتي وأثره على الإنتاج والانضباط والفاعلية في كل المجالات.
الطلاب الأقدم كانوا يؤكدون أن الإصلاحات ستنطلق بعد المؤتمر السابع والعشرين للحزب الذي عقد في مارس (آذار) 1986. وبالفعل أزاح غورباتشوف عدداً من منافسيه وخصومه السابقين وجاء بالحلفاء والموالين. لكن لم يكد يمضي شهر أو أكثر قليلاً على المؤتمر حتى انفجر مفاعل تشيرنوبيل النووي الذي كانت له آثار متناقضة على السياسة الداخلية للأمين العام الجديد. وبطبيعة الحال، لم نعرف بالانفجار سوى عندما أذاعت وسائل الإعلام الرسمية عنه بعد أيام عدة وقللت من شأنه.
في الأعوام التالية بدأت الأمور تتسارع. صرنا ننتظر خطابات غورباتشوف مع المواطنين السوفيات لنعرف كيف تسير أحوال البلاد التي تستضيفنا ونتلقى العلم فيها. وكان رفع السرية عن ارتكابات العهد الستاليني من المفاجآت التي هزّت وجدان الكثير من المواطنين الذين صار وقوفهم في الصفوف الطويلة يشمل أكشاك المجلات والصحف والمكتبات التي تبيع ما بدأ يُنشر عن جرائم ستالين وزبانيته. غني عن البيان، أن رافضي «شفافية» (غلاسنوست) غورباتشوف لم يصمتوا على كشف الجوانب السوداء من تاريخ الحكم الشيوعي. وظهر مَن يدافع عن ستالين وإنجازاته في بناء الاتحاد السوفياتي وتصنيعه وقيادته إلى النصر في الحرب العالمية الثانية...
بيد أن «الغلاسنوست» لم تترافق مع إنجازات اقتصادية. بل إن النهج الذي أرساه اسلاف غورباتشوف ببيع الموارد الطبيعية الضخمة من نفط وغاز ومعادن ثمينة، إضافة إلى منتوجات زراعية، وشراء السلع الاستهلاكية مقابلها، كان من الأهداف التي سدد غورباتشوف ضرباته إليها باعتبارها تمتص الثروة السوفياتية ولا تخدم الصناعات الوطنية وتعزز النزعة الاستهلاكية. ويمكن تحديد عام 1988 كبداية للتفارق بين «البيريسترويكا» التي نسمع بها لكنها تؤدي إلى اختفاء السلع الغذائية عن الرفوف وبين «الغلاسنوست» التي أصبحت أشبه بتسلية وطنية.
مجتمعنا الطالبي كان منقسماً في شأن تصديق وعود غورباتشوف. بعضنا، ممن انتمى إلى أحزاب وقوى وآلت تقليدياً الاتحاد السوفياتي وسياساته، علق آمالاً كبيرة على غورباتشوف، وكرر ما كانت تقوله الدعاية الرسمية عن أنه «مجدد الاشتراكية» ومنقذها، وأن الصعوبات التي نلمسها في حياتنا اليومية هي بمثابة الممر الإجباري نحو مستقبل اشتراكي «ذات وجه إنساني» مطهر من قسوة البلشفية وغلظة أساليبها وعنفها. والبعض الآخر، مال إلى الاعتقاد أن الأمر مقضٍ وأن الاتحاد السوفياتي يعيش أيامه الأخيرة، ولن يستطيع اللحاق بالسباق الذي زجّ نفسه به مع الغرب المتطور والغني. وأن غورباتشوف هو آخر «أمين عام» يحكم البلاد الشاسعة. ولم يملك هؤلاء أي رؤية لزمن ما بعد الاتحاد السوفياتي، لكننا كنا نلاحظ أن زملاءنا الطلاب الأذريين والأرمن، على سبيل المثال، راحوا يتبادلون النظرات شزراً في المطابخ المشتركة وفي الممرّات. وأن زميلنا من الشركس يزيد من حديثه عن التمييز الذي تتعرض له أسرته التي نفاها ستالين إلى أوزبكستان ولم يُسمح لها بالعودة إلى موطنها في جبال القوقاز. صديقي من تتارستان لم تعنِ له كل هذه الأحاديث شيئاً، فقد كان مشغول البال في كيفية إنهاء الخدمة العسكرية التي استدعي إليها.
ومع مرور الأيام كانت السلع تختفي من المخازن الرسمية لتظهر عند البائعين الذين حصلوا على رخص لإطلاق مشاريع صغيرة. وظهر من يُشجع الطلاب الأجانب على إحضار البضائع المرغوبة التي لم تقتصر، كما يسود الاعتقاد على سراويل الجينز وأدوات التجميل، بل شمل تأمين سفرهم إلى سنغافورة لشراء أجهزة كومبيوتر لمصلحة شركات خاصة ورسمية. ما كان ممنوعاً أصبح في غضون سنوات قليلة هو المطلوب. وقفز سعر الدولار في السوق السوداء إلى أرقام لم تكن في الخيال سنة وصولنا، في الوقت الذي كان التلفزيون الرسمي يتحدث عن الصعوبات التي تتكشف مع تقدم عملية الإصلاح وعن الفساد المستشري في صفوف القيادات الحزبية التي صار تبديلها خبراً ثابتاً في نشرات الأخبار.


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.