من ديانا إلى ميغان... لم ينقطع حبل التمرُّد

دوقة ساسيكس تستوحي الكثير من ثورة أميرة ويلز

ميغان ماركل والأميرة ديانا (إنستغرام)
ميغان ماركل والأميرة ديانا (إنستغرام)
TT

من ديانا إلى ميغان... لم ينقطع حبل التمرُّد

ميغان ماركل والأميرة ديانا (إنستغرام)
ميغان ماركل والأميرة ديانا (إنستغرام)

مرّ ربع قرن على الرحيل التراجيدي لأميرة القلوب ديانا، وما زالت صورتها تعود إلى الأذهان كلّما دار حديثٌ عن الأناقة، أو التسامح، أو الإنسانية، أو الجرأة.
دخلت أميراتٌ كثيراتٌ بعدها إلى قصرَي باكنغهام وويندسور، ونالت سيّدات العائلة المالكة لقب «لايدي»، لكنّ «اللايدي دي» حافظت على الصدارة في الذاكرة الجماعيّة. تعدّدت محاولات تقليدها أو التشبّه بها شكلاً ومضموناً، إلا أنّ ديانا بقيت عصيّةً على الاستنساخ.
وحدَها ميغان ماركل، زوجة الأمير هاري، استطاعت أن تتقدّم على سواها أشواطاً في لعبة المقارنة مع أميرة ويلز الراحلة. لا هي شقراء مثلها، ولا يجري دمٌ بريطاني في عروقها، لكن بين ميغان وديانا صفاتٌ مشتركة جوهريّة لعلّ التمرّدَ أبرزها.
في بدايات ديانا، كان تمرّدها موارباً؛ فساتين لا تشبه ما في خزائن القصر من ملابس نسائية، ثم مصافحة من دون قفازات لمريض مصاب بالإيدز أمام عدسات الصحافة، أو ملامسة لجراح المصابين بداء الجُذام، أو سكب الطعام لأطفالٍ جَوعى في الزيمبابوي. أي من تصرّفاتها الإنسانية تلك لم يكن مفتَعلاً، هي أحبّت بالفطرة ووزّعت ذاك الحب مجاناً على محتاجيه. ففي بيتها الزوجيّ لم يكن مرغوباً بقلبها...

الأميرة ديانا في زيمبابوي (Getty)

لاحقاً، تحررت ديانا من المواربة وما عادت تختبئ خلف ستائر البروتوكول السميكة. «كنا ثلاثة في ذلك الزواج»، كشفت في مقابلة مع بي بي سي عام 1995 ملمّحةً إلى علاقة الأمير تشارلز بكاميلا باركر. وفي المقابلة ذاتها قالت: «أقوم بالأشياء بطريقة مختلفة لأنني لا ألتزم بالقوانين المكتوبة، أدع قلبي يتحكّم بي وليس عقلي. هذا الأمر تسبب لي بالمتاعب في عملي، لكن يجب على أحدهم أن يخرج إلى الناس ويحبّهم ويُظهر لهم ذلك».

ميغان على خطى ديانا؟
يوم دخلت ميغان إلى قصر باكنغهام عروساً عام 2018، لم تكن والدة زوجها هناك في استقبالها. غير أنّ دوقة ساسيكس لم تفوّت فرصةً لاستحضارها، بدءاً بتزيين يديها وأذنيها وعنقها بمجوهرات ديانا، وباقتباس أناقتها، مروراً بحماستها للأنشطة الإنسانية وتميّزها فيها، وصولاً إلى ما هو أقل بريقاً من المجوهرات وأكثر إرهاقاً من الخدمات الاجتماعية.
سرعان ما اكتشفت ميغان أنّ الحياة بين جدران القصر ليست ورديّة كما أزهار جنائنه. رغم أنها انضمّت إلى العائلة المالكة وهي امرأة ناضجة ومستقلّة مادياً ومعروفة عالمياً كممثلة ناجحة، لم تقوَ على صرامة ذلك النظام الجديد. فابنةُ كاليفورنيا المتمرّدة من على مقاعد المدرسة، والمنخرطة في الأنشطة السياسية والاجتماعية، والمطلّقة من زواجٍ أول لم يناسبها، خنقتها القيود والتعليقات العنصرية التي بدأت تسمعها من حولها، كمثل «ماذا سيكون لون بشرة طفلهما الأول يا ترى؟»، «إلى أي حدٍ ستكون داكنة؟»...

زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018 (رويترز)

أكثر من سنة أمضتها ماركل مُحبطة ومصابة بالكآبة، ومثل ديانا هي فكّرت بإنهاء حياتها، حسبما اعترفت في مقابلتها الشهيرة مع الإعلامية الأميركية أوبرا ونفري. تعرّضت لضغوطات من داخل العائلة ومن خارجها، وهي شكّلت مادة دسمة لبعض الصحافة البريطانية التي لم ترحمها، كما كانت الحال مع ديانا.
في أحدث لقاءاتها الإعلامية، تُرجع ميغان هذا الرفض إلى كونها أميركية، وليس بالضرورة لكونها من أصحاب البشرة السمراء. وترجّح أنها أزعجتهم بسبب ميلِها إلى طرح أسئلة كثيرة، ورفضِها المشاركة في ما لا يمكنها السيطرة عليه.
الطاعة هي القاعدة رقم واحد في باكينغهام. قاعدةٌ كان من الطبيعيّ أن تحطّمها ميغان التي رأت في الأميرة ديانا مثالاً يُحتذى منذ سنوات المراهقة. كيف لا، وهي حتى قبل أن تجمعها الحياة بهاري، كانت أميرة ويلز تمهّد لها طريق التحرّر وتفتح لها قنوات المجاهرة؟
مطلع عام 2020، أعلن هاري وماركل عن رغبتهما بالابتعاد عن العائلة المالكة، آخذَين على عاتقهما كل ما قد يستتبعه هذا القرار. انقطعت حبال الودّ بين هاري وعائلته ومعها توقّف التمويل، فاتّجه الثنائيّ إلى الولايات المتحدة باحثَين عن حياةٍ جديدة مع ولدَيهما آرتشي وليليبيث. حاول الأمير تشارلز المساعدة خلال المرحلة الأولى، لكنه توقف لاحقاً عن الرد على مكالمات ابنه. لكنّ هاري لم يبدُ متأثراً، ولم تُظهر ميغان أياً من علامات الندم.
لولا جرأتها وحريتها، لَما استطاعت ميغان أن تخطو بعد أقل من سنتَين، خارج ما كان سيتحوّل إلى سجنها الأبديّ. وهي ربما تدرك جيّداً أنها تدين بالكثير لديانا في خطوتها تلك. فيوم صنعت أميرة ويلز ثورتها، ما كان الزمن يمجّد النساء اللواتي يبدّين صحتهن النفسية، وكرامتهن على الانصياع الزوجيّ. ولم تكن تعرف المملكة المتحدة حينها أميرةً تقفل باب القصر وراءها وتمشي.
في حقبةٍ لم تكن فيها المجاهرة، وحقوق المرأة ومناهضة التنمّر والعنصرية، مفاهيم رائجة، خلعت ديانا تاجها، ومعه خلعت صمتاً دام 15 سنة.

هاري، سرُّ أمّه
لا تدين ميغان بالكثير للأميرة الراحلة فحسب، بل لهاري كذلك. ففيما كانت ديانا تصارع بمفردها ولا تحظى بأي دعمٍ من تشارلز، شكّل هاري السند الأول لشريكته. لو لم يكن مقتنعاً بقرارها، لما التزم به. ولو لم يكن غاضباً من تعامل المحيط معهما، لما خاطر بالألقاب والثروات والروابط العائلية. لكن، قبل كل ذلك، هاري ابنُ أمه وهو ورث عنها الكثير من الصفات الشخصية والاهتمامات الإنسانية والاجتماعية، كما تأثّر إلى حد المرض النفسي بما حصل لها. وفي المقابلة مع أوبرا، ذكر هاري أنه كان خائفاً من أن يعيد التاريخ نفسه، فتقع ميغان ضحية مصيرٍ مشابه لمصير ديانا.

الأميرة ديانا وابنها الأمير هاري عام 1988 (رويترز)

لم يَرِد اسم الأمير الشاب يوماً على قائمة المتسابقين نحو العرش البريطاني، فجعل من السباق إلى قلب ميغان قضيته. وهي، من بين كل الفتيات التي تعرّف إليهنّ، كانت الوحيدة التي احترفت التعامل مع جرحه الواسع والذي يُدعى «ديانا». اعترضت في كل مرةٍ خنق الدموع داخل عينَيه كما علّمه والده.
أقرّ هاري في عمل وثائقي بُث عام 2017 بأنه ربما بكى مرةً واحدة بعد جنازة والدته. ثم ألقى اللوم على تشارلز لأنه لم يفعل شيئًا لمداواة المعاناة، بل طلب من نجلَيه أن يشدّا على الشفة العليا مهما ارتجفت الشفة السفلى حزناً ورغبةً بالبكاء...
ليس عادياً أن يبوح الملوك والأمراء بآلامهم الروحيّة أمام الناس، لكنّ هذا ما فعله هاري وميغان. مشيا على خطى ديانا التي «كانت لتكون فخورة بي وصديقة ميغان المفضّلة»، على ما يرجّح هاري. فالشاب الذي لم يتسنّ له أن ينقذ ديانا، وجد في ميغان ليس زوجةً فحسب، بل وجد امرأةً يحميها من كل ما تعرّضت له أمّه ويعوّض بذلك ربما عن ذنبٍ لم يقترفه.


مقالات ذات صلة

السعودية وبريطانيا تعلنان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً

يوميات الشرق الأمير ويليام اطّلع على مواقع طبيعية وتاريخية وثقافية في العلا (الهيئة الملكية للمحافظة)

السعودية وبريطانيا تعلنان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً

أعلنت السعودية والمملكة المتحدة عام 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً، لتعزيز التبادل الثقافي، والفني، والتعليمي بين البلدين، بالتزامن مع زيارة الأمير ويليام إلى العلا

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق الملك البريطاني تشارلز (يمين) يتحدث إلى شقيقه أندرو في لندن (أ.ب) p-circle

دعوات للملك البريطاني لكشف ما يعرفه عن صلات أندرو بإبستين... وإلزامه بالإدلاء بشهادته

طُلب من الملك البريطاني تشارلز الثالث توضيح ما يعرفه بشأن صِلات شقيقه أندرو ماونتباتن-ويندسور بالمُدان بجرائم اعتداء جنسي على أطفال؛ جيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج الأمير محمد بن سلمان يتحدث مع الأمير ويليام خلال جولتهما في الدرعية التاريخية (واس) p-circle 00:55

محمد بن سلمان يصطحب ويليام في جولة بـ«الدرعية»

اصطحب الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير ويليام، أمير ويلز، ولي العهد البريطاني، مساء الاثنين، بجولة في الدرعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا الأمير السابق المعروف الآن باسم أندرو ماونتباتن - وندسور (أرشيفية - أ.ف.ب)

الشرطة البريطانية «تقيم مزاعم» بأن أندرو أرسل تقارير حساسة إلى إبستين

أعلنت شرطة منطقة وادي التايمز في بريطانيا، اليوم الاثنين، أنها «تقيم مزاعم» بأن الأمير السابق أندرو أرسل تقارير تجارية سرية إلى المدان بارتكاب جرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز يحيي الجمهور خارج محطة كليثيرو (أ.ب)

ماذا يأكل الملك البريطاني تشارلز خلال يومه؟

تستحضر عبارة «الأكل كملك» صور الولائم الفاخرة وشاي ما بعد الظهيرة المترف، غير أن ملك بريطانيا، الملك تشارلز الثالث، غالباً ما يُشاهَد وهو يتناول طبقاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.