خبراء أمميون ومزارعون يحذّرون من أثر التغيرات المناخية

وقفة قبل «الجفاف الأفريقي»: رعاة يبحثون عن ماء ويخشون المجاعة والمرض

الصومالية فرحية محمد جيدي (أوكسفام)
الصومالية فرحية محمد جيدي (أوكسفام)
TT

خبراء أمميون ومزارعون يحذّرون من أثر التغيرات المناخية

الصومالية فرحية محمد جيدي (أوكسفام)
الصومالية فرحية محمد جيدي (أوكسفام)

أجبر الجفاف الصومالية فرحية محمد جيدي (25 عاماً)، التي تعمل بمهنة الرعي، على التنقل مع عائلتها أكثر من أربع مرات، وفي كل مرة كانوا يفقدون بعضاً مما يملكون من رؤوس الماشية، بسبب قلة الماء والمرعى.
كانت عائلة جيدي تملك 100 رأس من الماعز ومثلها من الأغنام، وبدأت هذه الحيوانات بالنفوق في أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني)، وكانت آخر الحيوانات التي نفقت في فبراير (شباط) الماضي.
ما تُظهره معاناة عائلة جيدي التي رصدها تقرير لمنظمة «أوكسفام» (اتحاد دولي للمنظمات الخيرية التي تركز على تخفيف حدة الفقر في العالم)، تؤكده تقارير أممية حديثة تشير إلى أن «الأوضاع في دول القرن الأفريقي (إرتيريا، وجيبوتي، والصومال، وإثيوبيا)، بالإضافة إلى كينيا، تتجه من سيئ إلى أسوأ، إذ تستعد لاستقبال موسم خامس على التوالي من نقص الأمطار».
وحسبما أفاد ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، في تصريحات قبل أيام، فإن التوقعات للفترة من أكتوبر إلى ديسمبر (كانون الأول) المقبلين، تُظهر احتمالات عالية لظروف «أكثر جفافاً من المتوسط» في معظم أنحاء المنطقة (القرن الأفريقي)، والتي يصفها الخبراء بأنها «الأكثر تأثراً بتغيرات المناخ».
تقول جيدي: «كنا نحاول تتبع الأمطار، ونتحرك في كل مرة، وفقاً للمكان الذي كان من المفترض أن تهطل فيه، لكن في كل مرة خاب أملنا... والحقيقة أنه إذا لم تهطل الأمطار، فلن ينجو منا أحد».
وتسببت الأمطار الشحيحة بدول القرن الأفريقي، في أسوأ موجة جفاف في الذاكرة الحية بالنسبة لتلك المنطقة، حتى إن البعض يراه قد تجاوز ما حدث عام 2011 عندما خلّف الجفاف حينها نحو ربع مليون شخص ميت، وسبب نفوق قطعان كبيرة من الماشية، وترك الناجين من دون وسائل لإطعام أنفسهم أو لكسب الرزق.
أحمد العدوي، باحث ما بعد الدكتوراه بمعهد طوكيو للتكنولوجيا، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «التغير المناخي ليس فقط مسؤولاً عن الزيادات التدريجية في درجات الحرارة، بل الأكثر خطورة هو زيادة تكرار الأحداث المتطرفة كالفيضانات والجفاف».
ووفق التقييم السادس، الذي أصدرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، التابعة للأمم المتحدة، فإن «هناك تباينات مكانية كبيرة بين المناطق التي ستزيد فيها الفيضانات وتلك التي ستتعرض لمخاطر متزايدة عن المألوف لتكرار حالات الجفاف».
وتواجه تلك المنطقة، خامس مواسم الهطول المنخفض جداً للأمطار، وذلك إلى جانب درجات الحرارة المرتفعة، التي تستنفد قدرة الناس على التعامل مع الظروف الأكثر جفافاً والأمطار النادرة.
وتتوقع وحدة «المعلومات الإنسانية التابعة للحكومة الأميركية»، أن موجة الجفاف الحالية «ستعرّض 18 مليون شخص للجوع في: الصومال وكينيا وإريتريا ومناطق في إثيوبيا»، وتشير تقديرات أخرى إلى أن «50 مليوناً سيكونون تحت خطر المجاعات في سبع دول، إذا استمرت موجات الجفاف الشهور القادمة»، حسب الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيقاد).
ويوضح العدوي أنه «على سبيل المثال تشير الهيئة (إيقاد) بثقة متوسطة إلى إمكانية ارتفاع نسبة هطول الأمطار في شرق أفريقيا بنسبة تتراوح من 10 إلى 40 في المائة (وفقاً للسيناريو الذي نتجه نحوه)، بسبب تكثيف دورة المياه العالمية (حركة المياه بين الغلاف الجوي واليابسة والمحيطات)، وهذا قد يفسر ارتفاع معدلات الفيضانات في حوض النيل في السنوات الأخيرة، وعلى النقيض تشهد الآن منطقة القرن الأفريقي أسوأ حالة جفاف منذ 40 عاماً، حيث الأمطار أقل من المتوسط للسنه الخامسة على التوالي».
ويقول الراعي الصومالي محمود جيدي سيروباي، الذي تحدث عبر تقرير «أوكسفام»، إن «هذا الجفاف يقتل كل شيء ببطء، فقد جرف الأرض والمراعي، ثم جرف الحيوانات، التي أصبحت أضعف وأضعف في البداية ثم ماتت في النهاية، وقريباً، سوف يكتسحنا، حيث يصاب الناس بالإنفلونزا والإسهال والحصبة، وإذا لم يحصلوا على الطعام والمياه النظيفة والأدوية، فسوف يموتون مثل حيواناتهم».
وتجبر الأزمة بعض سكان المنطقة على «الاختيار بين دفع ثمن الطعام والرعاية الصحية، ومع هجرة الكثيرين بحثاً عن الطعام، يعرّضهم ذلك لخطر متزايد من الإصابة بالأمراض»، كما قال تيدروس أدهانوم، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في بيان أصدرته المنظمة في 17 أغسطس (آب) الجاري.
وأوضح أن «الجوع وسوء التغذية يشكلان خطراً مباشراً على الصحة، لكنهما يُضعفان أيضاً دفاعات الجسم، ويفتحان الباب أمام الأمراض بما في ذلك الالتهاب الرئوي والحصبة والكوليرا».
وأعلن مدير منظمة الصحة العالمية تقديم المنظمة لأكثر «من 16 مليون دولار من صندوق الطوارئ لتلبية الاحتياجات بتلك المنطقة»، لكنه شدد على أنه «هناك حاجة إلى مزيد من الدعم، إذ تحتاج المنظمة بشكل عاجل إلى 123 مليون دولار أميركي ستُستخدم لمنع تفشي الأوبئة ومكافحتها، وعلاج سوء التغذية، وتوفير الخدمات الصحية الأساسية، بالإضافة إلى الأدوية.
ويذهب العدوي خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن «الدراسات أثبتت أن معدلات الجفاف في المنطقة مرتبطة بالتغيرات المناخية بسبب الأنشطة البشرية، بينما تشير التوقعات المناخية استمرار الأمطار أقل من المتوسط في مناطق كينيا والصومال وإثيوبيا مع زيادات كبيرة في حدة الجفاف في أوغندا». ويضيف أن «تأثير الأحداث المناخية المتطرفة يكون أكثر حدة في المناطق ذات القدرات الاقتصادية المحدودة»، واصفاً المساعدات الإنسانية بأنها «حلول مؤقتة».
ودعا العدوى كذلك إلى «ضرورة أن تشمل هذه المساعدات تنمية قدرات المجتمعات المحلية في تلك الدول بتعزيز قدراتها على تخزين المواد الغذائية، وتطوير نظم محلية دقيقة للتنبؤ، والتعامل مع مخاطر الفيضانات والجفاف بدل نهج أسلوب الإدارة بطريقة (رد الفعل)».
غير أن ما يطالب به العدوي لم يتحقق طوال المواسم الأربعة السابقة، التي واجه خلالها مواطنو تلك الدول ويلات الجفاف.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مقتل 17 شخصاً في هجوم لمسلحين على قرية في وسط نيجيريا

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
TT

مقتل 17 شخصاً في هجوم لمسلحين على قرية في وسط نيجيريا

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

هاجم مسلحون الأحد قرية في ولاية بينو بوسط نيجيريا، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص، وفق ما أفاد مسؤولون وسكان محليون الأحد.

وتقع ولاية بينو في منطقة تشهد صراعات مستمرة بين المزارعين والرعاة بسبب تنازعهم على الأراضي الخصبة والموارد الطبيعية، فضلا عن عمليات خطف مقابل فدية ترتكبها جماعات مسلحة محلية تعرف باسم «قطاع الطرق».

وأكد المتحدث باسم حكومة ولاية بينو، تيرسو كولا، وقوع الهجوم في قرية مبالوم التابعة لمنطقة غوير ايست، قائلا: «هناك ضحايا بالتأكيد»، مشيرا إلى عدم حصوله بعد على أرقام دقيقة.

وقال أحد السكان، تيرسير نغوتور، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، «أستطيع أن أؤكد مقتل 17 شخصا».

وأضاف «وصل المهاجمون (...) قرابة الساعة الخامسة مساء السبت وأطلقوا النار في جميع الاتجاهات. كنت بعيدا، وعندما غادروا بدأنا البحث عن أحبائنا».

كما أفاد ساكن آخر، غبادي جون، بمقتل «17 شخصا» وإصابة العديد من الأشخاص.

وحمّل حاكم ولاية بينو، هياسينث آليا، مسؤولية الهجوم لـ«رعاة مسلحين مشتبه بهم»، واصفا ما فعلوه بأنه «همجي».


جيش نيجيريا: إنقاذ 31 رهينة بعد هجوم على كنيسة

قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
TT

جيش نيجيريا: إنقاذ 31 رهينة بعد هجوم على كنيسة

قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)

أعلن الجيش النيجيري، الأحد، إنقاذ 31 ​مدنياً احتجزوا رهائن خلال هجوم على كنيسة في ولاية كادونا، شمال غربي البلاد، فيما عُثر على 5 قتلى في ‌مكان الواقعة.

وقال ‌الجيش إن ​الهجوم ‌وقع في ​أثناء قداس عيد القيامة في قرية أريكو بمنطقة كاتشيا. وأضاف أن القوات تلاحق منفذي الهجوم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكّد كاليب ماجي، رئيس «الرابطة المسيحية النيجيرية»، ‌في ‌ولاية كادونا، تعرض كنيستين ​لهجوم ‌في قرية أريكو، ‌الأحد. وأضاف أن 7 قتلوا، فيما احتجز المهاجمون عدداً غير معروف من ‌الرهائن.

وقال ماجي لوكالة «رويترز» للأنباء: «لا تزال عمليات البحث جارية».

وتشهد منطقة، شمال غربي نيجيريا، أعمال عنف منذ سنوات، بما في ذلك عمليات خطف جماعي مقابل فدية ومداهمات للقرى، حيث تعمل جماعات مسلحة من مخابئ في غابات شاسعة ​في ​أنحاء المنطقة.


محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
TT

محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

عقد الجانبان الكونغولي والأميركي محادثات من شأنها محاولة إحياء مسار السلام المتعثر في شرق جمهورية الكونغو منذ بداية العام الحالي مع تصاعد أعمال العنف.

وبحث الجانبان مستجدات الأوضاع ومسار السلام الذي رعته الولايات المتحدة وقطر على مدار نحو عام 2025، وهو ما يراها متابعون للشؤون الأفريقية محاولات لإحياء المحادثات المتعثرة بهدف خفض التصعيد المستمر، والتأكيد على المضي به رغم انشغالات الوسطاء بتطورات حرب إيران.

واستقبلت وزيرة الخارجية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تيريز فاجنر، القائم بالأعمال بالإنابة في السفارة الأميركية لدى كينشاسا، إيان ج. ماكاري، حيث تناولت المباحثات مسار السلام في واشنطن وباقي المبادرة الأخرى الجارية وتطورات تلك العملية، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الكونغولية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، وقعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025 بواشنطن، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقعته كينشاسا وحركة «23 مارس» المتمردة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

ويأتي الاجتماع الذي عُقد السبت بعد تعثر يشهده المسار، الذي شهد أواخر مارس (آذار) الماضي إعلان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تغريدة على «إكس»، أن الغريمتين رواندا والكونغو الديمقراطية «التزمتا في محادثات واشنطن بالتهدئة وحماية المدنيين، بعد اجتماعات في واشنطن، وتشمل التهدئة تعهدات بسحب قوات تدريجياً وتجميد هجمات أخرى».

وجاءت تلك الجهود نحو أسبوعين من مشاركة قطر عبر تقنية الاتصال المرئي، في اجتماع بحث تنفيذ «آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار»، وسبق أن تم توقيعه مطلع فبراير (شباط) الماضي بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية والمتمردين في الدوحة.

وأوضح المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك المباحثات التي أجرتها كينشاسا مع واشنطن تندرج ضمن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، في ظل استمرار تصاعد العنف في شرق الكونغو الديمقراطية وتعدد الفاعلين المسلحين وتشابك المصالح الإقليمية.

دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وتعكس هذه التحركات، حسب عيسى، «إدراكاً متزايداً بأن المقاربة العسكرية لم تعد كافية، وأن استئناف المسار التفاوضي بات ضرورة لتفادي مزيد من التدهور»، لافتاً إلى أن «نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بمدى التزام الأطراف المحلية، ولا سيما الجماعات المسلحة، بوقف إطلاق النار والانخراط الجاد في العملية السياسية».

ووفقاً لتقدير عيسى، «تستطيع الولايات المتحدة أن تضطلع بدور داعم عبر الضغط الدبلوماسي وتوفير ضمانات تتعلق بوقف إطلاق النار، ومراقبة تنفيذ الاتفاقات، ودعم آليات التحقق الميداني، غير أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في غياب إرادة داخلية حقيقية».

ويأتي هذا المسار مع تصاعد أعمال العنف، وفي 2 أبريل (نيسان) الحالي، قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، حسبما أعلنت القوات المسلحة الكونغولية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وفي ظل ذلك الوضع، وما يصاحبه من انشغال كل من أميركا وقطر بملفات أكثر إلحاحاً، وعلى رأسها تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، يعتقد المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن المحادثات تأكيد على أولوية الدفع نحو مسار تفاوضي فعلي في شرق الكونغو الديمقراطية، وعدم فقدان الزخم السياسي والدبلوماسي اللازم لبلورة اختراق حقيقي. وأضاف عيسى: «وهذا الانشغال لا يعني بالضرورة غياب المسار التفاوضي، وكما رأينا هناك مباحثات، لكنه يجعله أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلّها، حيث تقتصر الجهود على احتواء التصعيد بدل معالجته جذرياً».

مع ذلك، قد يظل الباب مفتوحاً أمام تحركات محدودة أو مبادرات إقليمية بديلة، خاصة إذا ما توفرت إرادة محلية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة، وفق تقدير عيسى، محذراً من أن غياب دعم دولي قوي ومنسق، يقلل من فرص تحويل هذه التحركات إلى مسار تفاوضي جاد ومستدام. ويؤكد عيسى أن «أي تقدّم محتمل سيكون بطيئاً وهشاً، وقابلاً للانتكاس عند أول اختبار ميداني، إلا إذا تمت إعادة ترتيب الأولويات الدولية وتكثيف التنسيق الإقليمي، لضمان عدم انزلاق الوضع نحو مزيد من التصعيد، وتهيئة حدٍّ أدنى من الثقة يسمح بفتح نافذة تفاوضية أكثر استدامة».