«ينال»... عذاب البحث عن المعنى المفقود

رواية يكتبها أحد أبطالها

أمجد توفيق
أمجد توفيق
TT

«ينال»... عذاب البحث عن المعنى المفقود

أمجد توفيق
أمجد توفيق

رواية «ينال» للروائي أمجد توفيق، الصادرة عام 2022، هي أنموذج للرواية الميتاسردية، أو ما تسمى أحياناً «ما وراء الرواية»، لأنها تنطوي على نزوع واضح لكتابة رواية من طرف أحد أبطال الرواية، كما تنطوي على إدراج قصة أو مخطوطة داخل المتن الروائي الأساسي، وقد وجدنا تنويعات كثيرة للرواية العالمية والعربية في هذا المجال. ففي رواية «طفيليات العقل» لكولن ولسن، يكتفي الراوي بتقديم مخطوطة، زعم أنها مترجمة، وينسحب بعدها من المشهد، ليترك السيادة للمخطوطة. وفي أحيان كثيرة نجد تناوباً بين سرد الراوي، ونص المخطوطة، وهو ما وجدناه في رواية «البيت الأندلسي» للروائي واسيني الأعرج الذي ينشر فصول المخطوطة بين سرود الراوي في تناوب خاص، وهو بالذات ما فعله الروائي أمجد توفيق في روايته «ينال»، إذْ نجده قد عمد إلى توزيع المخطوطة بين فصول الرواية. فبعد أن يتحدث لنا الراوي المركزي عن شخصية (ينال) مهرّب الأسلحة التي تعرف إليها في إسبانيا، يعمد في الفصل الثاني إلى نشر الجزء الأول من مخطوطة سلّمه إياها السيد (ينال). وبعد أن يعلق الراوي على هذا الجزء من المخطوطة يحاول تجنيسه، والتأكد مما إذا كانت تنطبق عليه مواصفات الرواية، ثم يعود في الفصل الرابع إلى نشر الجزء الثاني من المخطوطة، ويعكف الراوي في الفصل الخامس على تأمل غرابة شخصية السيد (ينال) وتناقض سلوكه، ثم يعود لاستكمال القسم الأخير من المخطوطة في الفصل السادس من المخطوطة التي شغلت ثلاثة فصول من الرواية ضمت أكثر من نصف المتن الروائي، بينما كانت الفصول الأربعة الأخرى مكرسة لسرود الراوي المركزي.
وهذا يؤكد هيمنة بنية المخطوطة على السرد الروائي، مما يعزز جوهر الرواية الميتاسردي. وفضلاً عن ذلك نجد إشارات متعددة من طرف السيد (ينال) ومن طرف الراوي المركزي لكتابة رواية. إذْ نجد زوجة الراوي تخبر زوجة السيد (ينال) بأن «زوجها رجل متقاعد، وأديب سبق له أن كتب رواية» (ص 14)، كما أن السيد «ينال» التمس من الراوي أن يقرأ المخطوطة التي كتبها، وخوّله لاحقاً حق نشرها:
«اسمع يا صديقي، هذا المغلف يحوي مجموعة من أوراق كتبتها قبل سنوات، أحببت أن تتكرم بقراءتها، وسأكون سعيداً أن أسمع منك شيئاً عنها»، (ص 22). وهذه كلها، وأعني بها المخطوطة والرغبة في كتابة رواية، مؤشرات تدعم الطبيعة الميتاسردية للرواية.
وفنياً، تعتمد الرواية على سرد مبأّر يمر عبر وعي الشخصيات الروائية المشاركة، وبشكل خاص سرد الراوي المركزي وسرد السيد (ينال). كما تنطوي الرواية بفضل ذلك على تعدد صوتي بوليفوني، بمشاركة شخصيات نسوية، مما يجعلها بحق رواية «بوليفونية» متعددة الأصوات. إذ يبدأ السرد الاستهلالي في الفصل الأول بتوظيف ضمير المتكلم (أنا)، يتحدث فيه الراوي المركزي عن تجربة شخصية جمعته، في أثناء زيارته لابنه (فيصل) في إسبانيا بالسيد (ينال):
«كانت تلك بداية معرفتي بالسيد ينال الذي ينحدر من أصل عراقي، وهاجر في زمن ملتبس خارجه، ليستقر فيما بعد في إسبانيا»، (ص 11).
ومن هنا تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية شخصية تتمركز حول بناء شخصية السيد (ينال) المثيرة للجدل، حيث يعمد الراوي، بصورة غير مباشرة، إلى كتابة سيرة بيوغرافية Biography لشخصية السيد (ينال)، كما أن المخطوطة التي كتبها السيد (ينال) تستكمل الوجه الآخر لبناء هذه الشخصية على مستوى السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافية) Autobiography. وخلال عمليتي الكشف والبناء هاتين نتعرف أيضاً بصورة أدق إلى شخصية الراوي المركزي الذي هو مدرس عراقي متقاعد وكاتب روائي، في الستين من عمره ويحمل اسم «عبد الله»، ونجده منذ بداية الرواية في زيارة إلى ولده (فيصل) الذي يعمل طبيباً في أحد مستشفيات إسبانيا.
ومن خلال مرويات الشخصيات الروائية نبدأ بالتعرف تدريجياً إلى شخصية السيد (ينال) وطبيعة عمله. إذْ قال (فيصل) ابن الراوي المركزي إن السيد (ينال) «رجل مشهور، إنه تاجر أسلحة، وهو غني جداً»، (ص 13)، كما علمت زوجة الراوي من خلال زوجة السيد (ينال) أن زوجها يمتلك شركات كثيرة في أوروبا، فضلاً عن مزرعة كبيرة، وفيلا في إسبانيا، تضم -كما اكتشف الراوي المركزي لاحقاً- مضماراً لرماية الأسلحة المختلفة. وهو ما يكشف عن طبيعة مهنة السيد (ينال) بوصفه تاجراً ومهرباً للأسلحة.
ويكشف السيد (ينال) في فصول المخطوطة التي كتبها بسرد مبأّر عبر ضمير المتكلم (أنا)، عن جوهر شخصيته بوصفه شخصية إشكالية تطرح سلسلة من الأسئلة الوجودية والفلسفية المعقدة، والتي كما يبدو هي التي أثقلت حياته ودفعته إلى الانتحار. فهو يشكك في كل شيء، وحتى في دلالة الاسم الذي يحمله:
«ولا أزعم أنني متأكد من شيء حتى اسمي، أجده غريباً مضحكاً، إنه لا يحمل من الاسم سوى صفته، فهو فعل مضارع وليس اسماً»، (ص 28).
ونجده مشتبكاً مع مجموعة من الأفكار الوجودية العميقة عن الحرية وغياب الشعور في الكمال وعذاب البحث عن المعنى المفقود، وأن الإنسان قد يتنكر بأقنعة للحماية مما هو مجهول أو معلوم:
«كررت أكثر من مرة أني رجل حر، هل كانت حريتي المزعومة غير محاصرة بالنقصان؟»، (ص 159).
وكان السيد (ينال) يشعر بأنه يعيش حالة انكسار دائمة، لكنه من الجانب الآخر يرفض الاستسلام:
«لست مستسلماً، ولن أكون كذلك»، (ص 161).
لكننا نكتشف في النهاية استسلامه للموت عندما قرر الانتحار، ورسم سيناريو انتحاره بطريقة مسرحية متكاملة. فبعد أن سلم مخطوطته للراوي المركزي، راجياً منه نشرها، لأنها العمل الأخير الذي سيقوم به في حياته، طلب منه أن يقبل مستقبلاً دعوة مهمة لزيارة باريس، قد لا يكون موجوداً فيها في استقباله، لكنه بالتأكيد سيجد من يقوم بذلك نيابةً عنه. وفوجئ الراوي، في أثناء وجوده في بغداد، بخبر انتحار السيد (ينال) بإطلاقة مسدسه وهو في مكتبه بفرنسا، وأنه قد ترك وصية طلب فيها أن يحضر الراوي المركزي نفسه مراسم فتحها. وفعلاً يغادر الراوي بغداد إلى فرنسا، حيث يجد الوصية بانتظاره، وبحضور محامي العائلة، وذويه.
ويبدو أن السيد (ينال) قد انتحر بعد أن أتعبته أسئلة الوجود الفلسفية الكبرى عن معنى حياته وحريته، فضلاً عن إحساسه اللاواعي بالذنب لأن صفقات الأسلحة التي كان يتاجر بها تسببت بقتل مئات من الناس الأبرياء.
ومن المفاجآت التي وجدها الراوي في أثناء قراءة الوصية تخصيص مبلغ كبير له لطباعة روايته، وهو مبلغ يمكن أن يغطي طباعة عشرات الكتب، مما يعني أنه إنما كان يقدم له مكافأة غير مباشرة على جهوده، كما ترك مبلغاً كبيراً من المال يقدر بعشرين مليون يورو بعهدة الراوي، يصرفه لبناء دار ومدرسة للأيتام. وقد أعد جميع الأوراق الرسمية لتخويله بهذه المهمة بعد أن وقّعها من السلطات الفرنسية والسفارة العراقية بباريس معاً.
ويختتم الروائي الرواية بمقطوعة شعرية يرثي بها صديقه السيد (ينال) وهو في طريقه إلى قبره حاملاً وروده المفضلة، وخاطبه وهو في قبره:
«فارقد بسلام
ولتهدأ جمرة أسئلتك
فظلام القبر ماء» (ص 172).
وندرك أن «جمرة الأسئلة» التي كان يطلقها السيد (ينال) هي التي استنزفت روحه ودفعته للاستسلام للموت، واختيار الانتحار بإطلاقة مسدس، وهو جالس في مكتبه في قلب مدينة باريس.
وعودة إلى جوهر الرواية الميتاسردي، نلاحظ أن الرواية قد انشغلت لفترة طويلة بالوقوف أمام طبيعة المخطوطة التي كتبها السيد (ينال)، وفيما إذا كانت رواية حقاً، وهو ما نجده في تساؤلات الراوي المركزي بعد انتهائه من قراءة الفصل الأول من المخطوطة:
«أنهيت قراءة أوراق المغلف، فأخذتني الحيرة في تجنيس ما كتبه السيد ينال، أهو رواية، إن كانت كذلك فهي غير مكتملة، وتطرح الكثير من الأسئلة. هل هي مذكرات شخصية؟» (ص 56).
ويذهب الراوي المركزي إلى الاعتقاد بأن السيد (ينال) ربما لم يفكر في كتابة رواية، وأغلب الظن أنه حاول تسجيل أحداث مرت به»، (ص 56). وتساءل الراوي عن مدى صدقية ما كتبه السيد (ينال)، لكنه توصل إلى أن «الروائيين ليسوا مؤرخين، والصدق لا يعني لهم سوى صدقهم الفني»، (ص 56).
والرواية، بوصفها رواية شخصية، تحمل الكثير من العناصر السيميائية الدالّة. فوفق ما ذكره الناقد الفرنسي فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصيات الروائية»، يمكن التعامل مع الشخصية، واستناداً إلى مفهوم العلاقة اللسانية، بوصفها مورفيماً فارغاً، أي بياضاً دلالياً، وهذا ما وجدناه عندما راح هذا البياض الدلالي يمتلئ تدريجياً من خلال البيانات والأحداث والمرويات التي قُدمت، لكنها كما يبدو بسبب هذا لامتلاء والاحتشاد أدت إلى انفجار هذه الشخصية في النهاية من خلال عملية الانتحار التي أقدم عليها، بتخطيط مسبق، السيد (ينال)، بطل الرواية المركزي. وفي ضوء ما أشار إليه الناقد فيليب هامون يمكن أن نعد شخصية السيد (ينال) شخصية مرجعية، بينما يمكن النظر إلى شخصية الراوي المركزي بوصفها شخصية إشارية. فالشخصية المرجعية هي جزء من شخصيات الوقائع الاجتماعية التي يستطيع القارئ أن يغنيها بتصوراته، أما الشخصية الإشارية فهي شخصية تعبر عن رؤية المؤلف، بوصفها شخصية ناطقة باسمه، كما هو الحال في جوقة التراجيديا القديمة، ذلك أنها تقوم بإضاءة ما خفي، وربط الأجزاء المبعثرة المختلفة في كل دلالي متماسك.
رواية «ينال» للروائي أمجد توفيق، لعبة ميتاسردية ذكية اشتغلت على مستوى الذاكرة والكتابة والمخطوطة لصياغة نص روائي متميز.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.