«ينال»... عذاب البحث عن المعنى المفقود

رواية يكتبها أحد أبطالها

أمجد توفيق
أمجد توفيق
TT

«ينال»... عذاب البحث عن المعنى المفقود

أمجد توفيق
أمجد توفيق

رواية «ينال» للروائي أمجد توفيق، الصادرة عام 2022، هي أنموذج للرواية الميتاسردية، أو ما تسمى أحياناً «ما وراء الرواية»، لأنها تنطوي على نزوع واضح لكتابة رواية من طرف أحد أبطال الرواية، كما تنطوي على إدراج قصة أو مخطوطة داخل المتن الروائي الأساسي، وقد وجدنا تنويعات كثيرة للرواية العالمية والعربية في هذا المجال. ففي رواية «طفيليات العقل» لكولن ولسن، يكتفي الراوي بتقديم مخطوطة، زعم أنها مترجمة، وينسحب بعدها من المشهد، ليترك السيادة للمخطوطة. وفي أحيان كثيرة نجد تناوباً بين سرد الراوي، ونص المخطوطة، وهو ما وجدناه في رواية «البيت الأندلسي» للروائي واسيني الأعرج الذي ينشر فصول المخطوطة بين سرود الراوي في تناوب خاص، وهو بالذات ما فعله الروائي أمجد توفيق في روايته «ينال»، إذْ نجده قد عمد إلى توزيع المخطوطة بين فصول الرواية. فبعد أن يتحدث لنا الراوي المركزي عن شخصية (ينال) مهرّب الأسلحة التي تعرف إليها في إسبانيا، يعمد في الفصل الثاني إلى نشر الجزء الأول من مخطوطة سلّمه إياها السيد (ينال). وبعد أن يعلق الراوي على هذا الجزء من المخطوطة يحاول تجنيسه، والتأكد مما إذا كانت تنطبق عليه مواصفات الرواية، ثم يعود في الفصل الرابع إلى نشر الجزء الثاني من المخطوطة، ويعكف الراوي في الفصل الخامس على تأمل غرابة شخصية السيد (ينال) وتناقض سلوكه، ثم يعود لاستكمال القسم الأخير من المخطوطة في الفصل السادس من المخطوطة التي شغلت ثلاثة فصول من الرواية ضمت أكثر من نصف المتن الروائي، بينما كانت الفصول الأربعة الأخرى مكرسة لسرود الراوي المركزي.
وهذا يؤكد هيمنة بنية المخطوطة على السرد الروائي، مما يعزز جوهر الرواية الميتاسردي. وفضلاً عن ذلك نجد إشارات متعددة من طرف السيد (ينال) ومن طرف الراوي المركزي لكتابة رواية. إذْ نجد زوجة الراوي تخبر زوجة السيد (ينال) بأن «زوجها رجل متقاعد، وأديب سبق له أن كتب رواية» (ص 14)، كما أن السيد «ينال» التمس من الراوي أن يقرأ المخطوطة التي كتبها، وخوّله لاحقاً حق نشرها:
«اسمع يا صديقي، هذا المغلف يحوي مجموعة من أوراق كتبتها قبل سنوات، أحببت أن تتكرم بقراءتها، وسأكون سعيداً أن أسمع منك شيئاً عنها»، (ص 22). وهذه كلها، وأعني بها المخطوطة والرغبة في كتابة رواية، مؤشرات تدعم الطبيعة الميتاسردية للرواية.
وفنياً، تعتمد الرواية على سرد مبأّر يمر عبر وعي الشخصيات الروائية المشاركة، وبشكل خاص سرد الراوي المركزي وسرد السيد (ينال). كما تنطوي الرواية بفضل ذلك على تعدد صوتي بوليفوني، بمشاركة شخصيات نسوية، مما يجعلها بحق رواية «بوليفونية» متعددة الأصوات. إذ يبدأ السرد الاستهلالي في الفصل الأول بتوظيف ضمير المتكلم (أنا)، يتحدث فيه الراوي المركزي عن تجربة شخصية جمعته، في أثناء زيارته لابنه (فيصل) في إسبانيا بالسيد (ينال):
«كانت تلك بداية معرفتي بالسيد ينال الذي ينحدر من أصل عراقي، وهاجر في زمن ملتبس خارجه، ليستقر فيما بعد في إسبانيا»، (ص 11).
ومن هنا تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية شخصية تتمركز حول بناء شخصية السيد (ينال) المثيرة للجدل، حيث يعمد الراوي، بصورة غير مباشرة، إلى كتابة سيرة بيوغرافية Biography لشخصية السيد (ينال)، كما أن المخطوطة التي كتبها السيد (ينال) تستكمل الوجه الآخر لبناء هذه الشخصية على مستوى السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافية) Autobiography. وخلال عمليتي الكشف والبناء هاتين نتعرف أيضاً بصورة أدق إلى شخصية الراوي المركزي الذي هو مدرس عراقي متقاعد وكاتب روائي، في الستين من عمره ويحمل اسم «عبد الله»، ونجده منذ بداية الرواية في زيارة إلى ولده (فيصل) الذي يعمل طبيباً في أحد مستشفيات إسبانيا.
ومن خلال مرويات الشخصيات الروائية نبدأ بالتعرف تدريجياً إلى شخصية السيد (ينال) وطبيعة عمله. إذْ قال (فيصل) ابن الراوي المركزي إن السيد (ينال) «رجل مشهور، إنه تاجر أسلحة، وهو غني جداً»، (ص 13)، كما علمت زوجة الراوي من خلال زوجة السيد (ينال) أن زوجها يمتلك شركات كثيرة في أوروبا، فضلاً عن مزرعة كبيرة، وفيلا في إسبانيا، تضم -كما اكتشف الراوي المركزي لاحقاً- مضماراً لرماية الأسلحة المختلفة. وهو ما يكشف عن طبيعة مهنة السيد (ينال) بوصفه تاجراً ومهرباً للأسلحة.
ويكشف السيد (ينال) في فصول المخطوطة التي كتبها بسرد مبأّر عبر ضمير المتكلم (أنا)، عن جوهر شخصيته بوصفه شخصية إشكالية تطرح سلسلة من الأسئلة الوجودية والفلسفية المعقدة، والتي كما يبدو هي التي أثقلت حياته ودفعته إلى الانتحار. فهو يشكك في كل شيء، وحتى في دلالة الاسم الذي يحمله:
«ولا أزعم أنني متأكد من شيء حتى اسمي، أجده غريباً مضحكاً، إنه لا يحمل من الاسم سوى صفته، فهو فعل مضارع وليس اسماً»، (ص 28).
ونجده مشتبكاً مع مجموعة من الأفكار الوجودية العميقة عن الحرية وغياب الشعور في الكمال وعذاب البحث عن المعنى المفقود، وأن الإنسان قد يتنكر بأقنعة للحماية مما هو مجهول أو معلوم:
«كررت أكثر من مرة أني رجل حر، هل كانت حريتي المزعومة غير محاصرة بالنقصان؟»، (ص 159).
وكان السيد (ينال) يشعر بأنه يعيش حالة انكسار دائمة، لكنه من الجانب الآخر يرفض الاستسلام:
«لست مستسلماً، ولن أكون كذلك»، (ص 161).
لكننا نكتشف في النهاية استسلامه للموت عندما قرر الانتحار، ورسم سيناريو انتحاره بطريقة مسرحية متكاملة. فبعد أن سلم مخطوطته للراوي المركزي، راجياً منه نشرها، لأنها العمل الأخير الذي سيقوم به في حياته، طلب منه أن يقبل مستقبلاً دعوة مهمة لزيارة باريس، قد لا يكون موجوداً فيها في استقباله، لكنه بالتأكيد سيجد من يقوم بذلك نيابةً عنه. وفوجئ الراوي، في أثناء وجوده في بغداد، بخبر انتحار السيد (ينال) بإطلاقة مسدسه وهو في مكتبه بفرنسا، وأنه قد ترك وصية طلب فيها أن يحضر الراوي المركزي نفسه مراسم فتحها. وفعلاً يغادر الراوي بغداد إلى فرنسا، حيث يجد الوصية بانتظاره، وبحضور محامي العائلة، وذويه.
ويبدو أن السيد (ينال) قد انتحر بعد أن أتعبته أسئلة الوجود الفلسفية الكبرى عن معنى حياته وحريته، فضلاً عن إحساسه اللاواعي بالذنب لأن صفقات الأسلحة التي كان يتاجر بها تسببت بقتل مئات من الناس الأبرياء.
ومن المفاجآت التي وجدها الراوي في أثناء قراءة الوصية تخصيص مبلغ كبير له لطباعة روايته، وهو مبلغ يمكن أن يغطي طباعة عشرات الكتب، مما يعني أنه إنما كان يقدم له مكافأة غير مباشرة على جهوده، كما ترك مبلغاً كبيراً من المال يقدر بعشرين مليون يورو بعهدة الراوي، يصرفه لبناء دار ومدرسة للأيتام. وقد أعد جميع الأوراق الرسمية لتخويله بهذه المهمة بعد أن وقّعها من السلطات الفرنسية والسفارة العراقية بباريس معاً.
ويختتم الروائي الرواية بمقطوعة شعرية يرثي بها صديقه السيد (ينال) وهو في طريقه إلى قبره حاملاً وروده المفضلة، وخاطبه وهو في قبره:
«فارقد بسلام
ولتهدأ جمرة أسئلتك
فظلام القبر ماء» (ص 172).
وندرك أن «جمرة الأسئلة» التي كان يطلقها السيد (ينال) هي التي استنزفت روحه ودفعته للاستسلام للموت، واختيار الانتحار بإطلاقة مسدس، وهو جالس في مكتبه في قلب مدينة باريس.
وعودة إلى جوهر الرواية الميتاسردي، نلاحظ أن الرواية قد انشغلت لفترة طويلة بالوقوف أمام طبيعة المخطوطة التي كتبها السيد (ينال)، وفيما إذا كانت رواية حقاً، وهو ما نجده في تساؤلات الراوي المركزي بعد انتهائه من قراءة الفصل الأول من المخطوطة:
«أنهيت قراءة أوراق المغلف، فأخذتني الحيرة في تجنيس ما كتبه السيد ينال، أهو رواية، إن كانت كذلك فهي غير مكتملة، وتطرح الكثير من الأسئلة. هل هي مذكرات شخصية؟» (ص 56).
ويذهب الراوي المركزي إلى الاعتقاد بأن السيد (ينال) ربما لم يفكر في كتابة رواية، وأغلب الظن أنه حاول تسجيل أحداث مرت به»، (ص 56). وتساءل الراوي عن مدى صدقية ما كتبه السيد (ينال)، لكنه توصل إلى أن «الروائيين ليسوا مؤرخين، والصدق لا يعني لهم سوى صدقهم الفني»، (ص 56).
والرواية، بوصفها رواية شخصية، تحمل الكثير من العناصر السيميائية الدالّة. فوفق ما ذكره الناقد الفرنسي فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصيات الروائية»، يمكن التعامل مع الشخصية، واستناداً إلى مفهوم العلاقة اللسانية، بوصفها مورفيماً فارغاً، أي بياضاً دلالياً، وهذا ما وجدناه عندما راح هذا البياض الدلالي يمتلئ تدريجياً من خلال البيانات والأحداث والمرويات التي قُدمت، لكنها كما يبدو بسبب هذا لامتلاء والاحتشاد أدت إلى انفجار هذه الشخصية في النهاية من خلال عملية الانتحار التي أقدم عليها، بتخطيط مسبق، السيد (ينال)، بطل الرواية المركزي. وفي ضوء ما أشار إليه الناقد فيليب هامون يمكن أن نعد شخصية السيد (ينال) شخصية مرجعية، بينما يمكن النظر إلى شخصية الراوي المركزي بوصفها شخصية إشارية. فالشخصية المرجعية هي جزء من شخصيات الوقائع الاجتماعية التي يستطيع القارئ أن يغنيها بتصوراته، أما الشخصية الإشارية فهي شخصية تعبر عن رؤية المؤلف، بوصفها شخصية ناطقة باسمه، كما هو الحال في جوقة التراجيديا القديمة، ذلك أنها تقوم بإضاءة ما خفي، وربط الأجزاء المبعثرة المختلفة في كل دلالي متماسك.
رواية «ينال» للروائي أمجد توفيق، لعبة ميتاسردية ذكية اشتغلت على مستوى الذاكرة والكتابة والمخطوطة لصياغة نص روائي متميز.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».