«ينال»... عذاب البحث عن المعنى المفقود

رواية يكتبها أحد أبطالها

أمجد توفيق
أمجد توفيق
TT

«ينال»... عذاب البحث عن المعنى المفقود

أمجد توفيق
أمجد توفيق

رواية «ينال» للروائي أمجد توفيق، الصادرة عام 2022، هي أنموذج للرواية الميتاسردية، أو ما تسمى أحياناً «ما وراء الرواية»، لأنها تنطوي على نزوع واضح لكتابة رواية من طرف أحد أبطال الرواية، كما تنطوي على إدراج قصة أو مخطوطة داخل المتن الروائي الأساسي، وقد وجدنا تنويعات كثيرة للرواية العالمية والعربية في هذا المجال. ففي رواية «طفيليات العقل» لكولن ولسن، يكتفي الراوي بتقديم مخطوطة، زعم أنها مترجمة، وينسحب بعدها من المشهد، ليترك السيادة للمخطوطة. وفي أحيان كثيرة نجد تناوباً بين سرد الراوي، ونص المخطوطة، وهو ما وجدناه في رواية «البيت الأندلسي» للروائي واسيني الأعرج الذي ينشر فصول المخطوطة بين سرود الراوي في تناوب خاص، وهو بالذات ما فعله الروائي أمجد توفيق في روايته «ينال»، إذْ نجده قد عمد إلى توزيع المخطوطة بين فصول الرواية. فبعد أن يتحدث لنا الراوي المركزي عن شخصية (ينال) مهرّب الأسلحة التي تعرف إليها في إسبانيا، يعمد في الفصل الثاني إلى نشر الجزء الأول من مخطوطة سلّمه إياها السيد (ينال). وبعد أن يعلق الراوي على هذا الجزء من المخطوطة يحاول تجنيسه، والتأكد مما إذا كانت تنطبق عليه مواصفات الرواية، ثم يعود في الفصل الرابع إلى نشر الجزء الثاني من المخطوطة، ويعكف الراوي في الفصل الخامس على تأمل غرابة شخصية السيد (ينال) وتناقض سلوكه، ثم يعود لاستكمال القسم الأخير من المخطوطة في الفصل السادس من المخطوطة التي شغلت ثلاثة فصول من الرواية ضمت أكثر من نصف المتن الروائي، بينما كانت الفصول الأربعة الأخرى مكرسة لسرود الراوي المركزي.
وهذا يؤكد هيمنة بنية المخطوطة على السرد الروائي، مما يعزز جوهر الرواية الميتاسردي. وفضلاً عن ذلك نجد إشارات متعددة من طرف السيد (ينال) ومن طرف الراوي المركزي لكتابة رواية. إذْ نجد زوجة الراوي تخبر زوجة السيد (ينال) بأن «زوجها رجل متقاعد، وأديب سبق له أن كتب رواية» (ص 14)، كما أن السيد «ينال» التمس من الراوي أن يقرأ المخطوطة التي كتبها، وخوّله لاحقاً حق نشرها:
«اسمع يا صديقي، هذا المغلف يحوي مجموعة من أوراق كتبتها قبل سنوات، أحببت أن تتكرم بقراءتها، وسأكون سعيداً أن أسمع منك شيئاً عنها»، (ص 22). وهذه كلها، وأعني بها المخطوطة والرغبة في كتابة رواية، مؤشرات تدعم الطبيعة الميتاسردية للرواية.
وفنياً، تعتمد الرواية على سرد مبأّر يمر عبر وعي الشخصيات الروائية المشاركة، وبشكل خاص سرد الراوي المركزي وسرد السيد (ينال). كما تنطوي الرواية بفضل ذلك على تعدد صوتي بوليفوني، بمشاركة شخصيات نسوية، مما يجعلها بحق رواية «بوليفونية» متعددة الأصوات. إذ يبدأ السرد الاستهلالي في الفصل الأول بتوظيف ضمير المتكلم (أنا)، يتحدث فيه الراوي المركزي عن تجربة شخصية جمعته، في أثناء زيارته لابنه (فيصل) في إسبانيا بالسيد (ينال):
«كانت تلك بداية معرفتي بالسيد ينال الذي ينحدر من أصل عراقي، وهاجر في زمن ملتبس خارجه، ليستقر فيما بعد في إسبانيا»، (ص 11).
ومن هنا تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية شخصية تتمركز حول بناء شخصية السيد (ينال) المثيرة للجدل، حيث يعمد الراوي، بصورة غير مباشرة، إلى كتابة سيرة بيوغرافية Biography لشخصية السيد (ينال)، كما أن المخطوطة التي كتبها السيد (ينال) تستكمل الوجه الآخر لبناء هذه الشخصية على مستوى السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافية) Autobiography. وخلال عمليتي الكشف والبناء هاتين نتعرف أيضاً بصورة أدق إلى شخصية الراوي المركزي الذي هو مدرس عراقي متقاعد وكاتب روائي، في الستين من عمره ويحمل اسم «عبد الله»، ونجده منذ بداية الرواية في زيارة إلى ولده (فيصل) الذي يعمل طبيباً في أحد مستشفيات إسبانيا.
ومن خلال مرويات الشخصيات الروائية نبدأ بالتعرف تدريجياً إلى شخصية السيد (ينال) وطبيعة عمله. إذْ قال (فيصل) ابن الراوي المركزي إن السيد (ينال) «رجل مشهور، إنه تاجر أسلحة، وهو غني جداً»، (ص 13)، كما علمت زوجة الراوي من خلال زوجة السيد (ينال) أن زوجها يمتلك شركات كثيرة في أوروبا، فضلاً عن مزرعة كبيرة، وفيلا في إسبانيا، تضم -كما اكتشف الراوي المركزي لاحقاً- مضماراً لرماية الأسلحة المختلفة. وهو ما يكشف عن طبيعة مهنة السيد (ينال) بوصفه تاجراً ومهرباً للأسلحة.
ويكشف السيد (ينال) في فصول المخطوطة التي كتبها بسرد مبأّر عبر ضمير المتكلم (أنا)، عن جوهر شخصيته بوصفه شخصية إشكالية تطرح سلسلة من الأسئلة الوجودية والفلسفية المعقدة، والتي كما يبدو هي التي أثقلت حياته ودفعته إلى الانتحار. فهو يشكك في كل شيء، وحتى في دلالة الاسم الذي يحمله:
«ولا أزعم أنني متأكد من شيء حتى اسمي، أجده غريباً مضحكاً، إنه لا يحمل من الاسم سوى صفته، فهو فعل مضارع وليس اسماً»، (ص 28).
ونجده مشتبكاً مع مجموعة من الأفكار الوجودية العميقة عن الحرية وغياب الشعور في الكمال وعذاب البحث عن المعنى المفقود، وأن الإنسان قد يتنكر بأقنعة للحماية مما هو مجهول أو معلوم:
«كررت أكثر من مرة أني رجل حر، هل كانت حريتي المزعومة غير محاصرة بالنقصان؟»، (ص 159).
وكان السيد (ينال) يشعر بأنه يعيش حالة انكسار دائمة، لكنه من الجانب الآخر يرفض الاستسلام:
«لست مستسلماً، ولن أكون كذلك»، (ص 161).
لكننا نكتشف في النهاية استسلامه للموت عندما قرر الانتحار، ورسم سيناريو انتحاره بطريقة مسرحية متكاملة. فبعد أن سلم مخطوطته للراوي المركزي، راجياً منه نشرها، لأنها العمل الأخير الذي سيقوم به في حياته، طلب منه أن يقبل مستقبلاً دعوة مهمة لزيارة باريس، قد لا يكون موجوداً فيها في استقباله، لكنه بالتأكيد سيجد من يقوم بذلك نيابةً عنه. وفوجئ الراوي، في أثناء وجوده في بغداد، بخبر انتحار السيد (ينال) بإطلاقة مسدسه وهو في مكتبه بفرنسا، وأنه قد ترك وصية طلب فيها أن يحضر الراوي المركزي نفسه مراسم فتحها. وفعلاً يغادر الراوي بغداد إلى فرنسا، حيث يجد الوصية بانتظاره، وبحضور محامي العائلة، وذويه.
ويبدو أن السيد (ينال) قد انتحر بعد أن أتعبته أسئلة الوجود الفلسفية الكبرى عن معنى حياته وحريته، فضلاً عن إحساسه اللاواعي بالذنب لأن صفقات الأسلحة التي كان يتاجر بها تسببت بقتل مئات من الناس الأبرياء.
ومن المفاجآت التي وجدها الراوي في أثناء قراءة الوصية تخصيص مبلغ كبير له لطباعة روايته، وهو مبلغ يمكن أن يغطي طباعة عشرات الكتب، مما يعني أنه إنما كان يقدم له مكافأة غير مباشرة على جهوده، كما ترك مبلغاً كبيراً من المال يقدر بعشرين مليون يورو بعهدة الراوي، يصرفه لبناء دار ومدرسة للأيتام. وقد أعد جميع الأوراق الرسمية لتخويله بهذه المهمة بعد أن وقّعها من السلطات الفرنسية والسفارة العراقية بباريس معاً.
ويختتم الروائي الرواية بمقطوعة شعرية يرثي بها صديقه السيد (ينال) وهو في طريقه إلى قبره حاملاً وروده المفضلة، وخاطبه وهو في قبره:
«فارقد بسلام
ولتهدأ جمرة أسئلتك
فظلام القبر ماء» (ص 172).
وندرك أن «جمرة الأسئلة» التي كان يطلقها السيد (ينال) هي التي استنزفت روحه ودفعته للاستسلام للموت، واختيار الانتحار بإطلاقة مسدس، وهو جالس في مكتبه في قلب مدينة باريس.
وعودة إلى جوهر الرواية الميتاسردي، نلاحظ أن الرواية قد انشغلت لفترة طويلة بالوقوف أمام طبيعة المخطوطة التي كتبها السيد (ينال)، وفيما إذا كانت رواية حقاً، وهو ما نجده في تساؤلات الراوي المركزي بعد انتهائه من قراءة الفصل الأول من المخطوطة:
«أنهيت قراءة أوراق المغلف، فأخذتني الحيرة في تجنيس ما كتبه السيد ينال، أهو رواية، إن كانت كذلك فهي غير مكتملة، وتطرح الكثير من الأسئلة. هل هي مذكرات شخصية؟» (ص 56).
ويذهب الراوي المركزي إلى الاعتقاد بأن السيد (ينال) ربما لم يفكر في كتابة رواية، وأغلب الظن أنه حاول تسجيل أحداث مرت به»، (ص 56). وتساءل الراوي عن مدى صدقية ما كتبه السيد (ينال)، لكنه توصل إلى أن «الروائيين ليسوا مؤرخين، والصدق لا يعني لهم سوى صدقهم الفني»، (ص 56).
والرواية، بوصفها رواية شخصية، تحمل الكثير من العناصر السيميائية الدالّة. فوفق ما ذكره الناقد الفرنسي فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصيات الروائية»، يمكن التعامل مع الشخصية، واستناداً إلى مفهوم العلاقة اللسانية، بوصفها مورفيماً فارغاً، أي بياضاً دلالياً، وهذا ما وجدناه عندما راح هذا البياض الدلالي يمتلئ تدريجياً من خلال البيانات والأحداث والمرويات التي قُدمت، لكنها كما يبدو بسبب هذا لامتلاء والاحتشاد أدت إلى انفجار هذه الشخصية في النهاية من خلال عملية الانتحار التي أقدم عليها، بتخطيط مسبق، السيد (ينال)، بطل الرواية المركزي. وفي ضوء ما أشار إليه الناقد فيليب هامون يمكن أن نعد شخصية السيد (ينال) شخصية مرجعية، بينما يمكن النظر إلى شخصية الراوي المركزي بوصفها شخصية إشارية. فالشخصية المرجعية هي جزء من شخصيات الوقائع الاجتماعية التي يستطيع القارئ أن يغنيها بتصوراته، أما الشخصية الإشارية فهي شخصية تعبر عن رؤية المؤلف، بوصفها شخصية ناطقة باسمه، كما هو الحال في جوقة التراجيديا القديمة، ذلك أنها تقوم بإضاءة ما خفي، وربط الأجزاء المبعثرة المختلفة في كل دلالي متماسك.
رواية «ينال» للروائي أمجد توفيق، لعبة ميتاسردية ذكية اشتغلت على مستوى الذاكرة والكتابة والمخطوطة لصياغة نص روائي متميز.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».