الهيب هوب السعودي: صعود متأنٍّ واعترافٌ رسمي وشعبي

قصي خضر لـ«الشرق الأوسط»: حذار الانزلاق إلى كلام لا يتوافق مع تقاليدنا

فنان الهيب هوب والإعلامي السعودي قصي خضر
فنان الهيب هوب والإعلامي السعودي قصي خضر
TT

الهيب هوب السعودي: صعود متأنٍّ واعترافٌ رسمي وشعبي

فنان الهيب هوب والإعلامي السعودي قصي خضر
فنان الهيب هوب والإعلامي السعودي قصي خضر

بخُطى بطيئة إنما ثابتة، تَسلّق فن الهيب هوب السعودي سلّم الانتشار في المملكة. لم يكن صعوداً سهلاً، فالتسعينات شكّلت سنواتٍ خجولة بالنسبة إلى فنٍّ كانت لا تزال تنطبق عليه حينها صفة «المستورَد».
كان على الهيب هوب أو الراب السعودي أن ينتظر بداية الألفية الثالثة حتى يخرج إلى الضوء، بفضل الإنترنت ومنصة «يوتيوب» ولاحقاً وسائل التواصل الاجتماعي.
أحد مؤسسي الهيب هوب في السعودية والذي واكب هذا الفن في مراحله كافة قصي خضر، يسترجع فترة البدايات في حديثه مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «في الماضي، لم يكن الجمهور يأخذ هذا الفن على محمل الجدّ، حتى إن الهيب هوب ما كان معروفاً في المملكة، الأمر الذي حتّم صعوبة في إثبات الذات. اليوم، ما زالت صعوبة إثبات النفس قائمة بالنسبة إلى المواهب الصاعدة، وسط زحمة السوشيال ميديا وكمية المحتوى الذي يقدَّم للجيل الجديد من خلالها».

الهيب هوب السعودي بين زمنَين
«لكل زمن صعوبته»، يقول خضر الذي يلمس اختلافاً في مشهديّة الهيب هوب السعودي حالياً: «تنوّع هذا الفن وتطوّر، صار جزءاً أساسياً من الأغاني والإعلانات، ما أتاح أمام الناس معاينته عن قرب فلمسوا أن فناني الهيب هوب السعوديين ليسوا نسخة طبق الأصل عن الأجانب».
يوافق حسان أحمد المعروف بـ«بيغ هاس» وهو الإعلامي المتخصص في الهيب هوب، على أن الإقبال على هذا الفن في المملكة كبير جداً في الوقت الراهن، لا سيّما في صفوف الشباب ما دون الـ30 عاماً الذين يشكّلون غالبية المجتمع السعودي. حسب أحمد، «لعبت الفيديوهات الموسيقية الخاصة بالراب السعودي، خصوصاً تلك التي نفّذها المخرج رائد المريّش، دوراً أساسياً في انتشار هذا الفن. نقلته من الأندرغراوند إلى الضوء بفضل الإنترنت. ثم أتت الحفلات التي تشهدها المملكة لتزيد من انتشار الهيب هوب».
https://www.youtube.com/watch?v=7JGSjMCoLaA
يقول قصي خضر في هذا السياق: «زاد الاهتمام بالهيب هوب مؤخراً إلى درجة أن فنانين عالميين صاروا يزورون السعودية ويقدّمون حفلات هنا، ما أتاح الفرصة أمام المواهب المحلية الصاعدة أن تفتتح تلك الحفلات».
من بين المواهب الجديدة التي استطاعت أن تفرض لنفسها مكانة في قلوب جماهير الهيب هوب السعودي، «بلاكبي BLVXB». يُخفي وراء هذا الاسم الغامض والغريب عشقاً واضحاً للموسيقى ورغبة في تحديثها. يفصح لـ«الشرق الأوسط»: «مللنا من أغاني الحب والفراق. الجيل الحالي بحاجة إلى من يعكس صوته ويمثّل هويته. أنا صريح مع نفسي قبل أن أكون صريحاً مع الآخرين، ومواضيع أغانيّ نابعة من تجارب حقيقية أسردها من دون إسداء النصائح أو فرض الآراء. أترك للناس أن تتفاعل على طريقتها».

مغنّي الهيب هوب السعودي بلاكبي BLVXB

يطمح «بلاكبي» إلى سرد القصص من خلال أغانيه، أما حلمه الأكبر فهو التعاون مع كبار فناني الراب على المستوى العربي، وهو حلمٌ قيد التحقيق من خلال الألبوم الذي يحضّره حالياً.
«لا بد من الانفتاح على التعاون والإنتاجات المشتركة، حتى يتمكّن الراب السعودي من تحقيق اختراقات أكثر على المستوى العربي»، يقول حسان أحمد الذي يوضح أن السعودية هي الرقم واحد على خريطة الهيب هوب الخليجي، لكن ما زال أمامها المزيد لتحقيقه عربياً.

نظافة الكلام لا تتناقض والحرية
يبدو قصي خضر راضياً عن واقع الهيب هوب الآخذ في الانتشار على أراضي المملكة، لكن ما هو ليس راضياً عنه، حسب تعبيره «هي الفترات التي يمر فيها الهيب هوب بانزلاقات إلى خطٍّ لا يتوافق مع عاداتنا وتقاليدنا لناحية الكلام المبتذل والمخالفات». يحذّر من أنه «إذا استمررنا على هذا النمط، لن يأخذنا أحد على محمل الجدّ وسيُنظر إلينا على أننا خارجون عن المجتمع».
من البدهيّ أن يكون خضر حريصاً على فنٍ كان هو من بُناة أعمدته الأساسية في المملكة العربية السعودية. أَدخل الفنان الملقّب بـ«دون ليجند Don Legend»، الهيب هوب وسوّق له في كلِ فسحة إعلامية فُتحت أمامه؛ أكان من خلال البرامج التلفزيونية أو من خلال حضوره اللافت كمقدّم لبرنامج «Arabs Got Talent». بين عامَي 2008 و2018، كرّس خضر عقداً من الزمن لقضيته الأحب إلى قلبه، فكانت النتيجة 5 ألبومات موسيقية، وهو يجهّز حالياً ألبومه السادس.
انفتح قصي منذ البداية على الأنواع الموسيقية الأخرى، فهو يعرّف عن نفسه كعاشقٍ للموسيقى قبل أن يُبرز بطاقة الهيب هوب. كثّف من تعاونه مع فنانين آخرين، والتزم بالأغاني الهادفة وبالمحتوى اللائق بما يتوافق مع تربيته وشخصيته وقناعاته. يقول إنه وصل إلى مرحلة لا ينافس فيها سوى ذاته ولا يتحدّى سواها، إلا أن هذه الثقة لا تمنعه من قراءة أسماء أخرى تلفتُه، مثل «ليل إيزي»، والقيادات العليا، ومجيد، ومهنّد، وشاكر، وراكان و«سليم».
بين قصي و«بلاكبي» عقدان من الزمن، لكنّ الاثنَين متّفقان على نظافة الكلام. يقول «بلاكبي» في هذا الإطار: «هناك أمور لا أرضى أن أتفوّه بها كإنسان وليس كفنان فحسب. أحرص على القيَم والقوانين. هذا لا يعني أنني أقمع نفسي، لكنّي لا أرضى الإساءة إلى أحد وأطمح إلى رفع راية السعودية من خلال فنّي».
https://www.youtube.com/watch?v=SieMc97Srnw
يتابع الفنان الشاب المتفائل جداً بمستقبل الراب السعودي: «يكفينا أنه حصل اعتراف رسمي من حكومة المملكة بفن الهيب هوب، إلى جانب إدخال العروض إلى الحفلات المهمة. إنها مسألة وقت فقط حتى يأخذ الراب حقه كاملاً ويزداد الدعم له ولفنّانيه».

الإعلامي المتخصص في الهيب هوب حسان أحمد Big Hass

عام 2017 أدرجت جمعية الثقافة والفنون في جدة فن الهيب هوب ضمن ما تقدّمه وتدعمه من فنون، شرط أن يكون المحتوى في سياق اللباقة والاحترام. يرى حسان أحمد في متابعة السلطات لمحتوى الراب أمراً مطَمئناً: «تمنح السلطات السعودية الفرصة للرابرز من أجل التعبير عن أنفسهم، لكنها في الوقت عينه تراعي شعور الرأي العام، وهنا أكرر عدم تأييدي للكلام البذيء».
ويضيف أحمد: «حتى في الولايات المتحدة، منبع الهيب هوب، تطوّرت الأمور ولم تَعد تتمحور حول السجالات (beefs)، ونحن كذلك يجب أن نركّز على رفع مستوى الفكر والكتابة من دون اللجوء إلى الكلام البذيء، فالراب في آخر المطاف هو عبارة عن شعر وإيقاع، ونحن كعرب ممتازون في الشعر وسَرد القصص بإبداع».


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.