قصة الشعرية وتاريخها المثير للجدل

الجدل حول مصدرها ومقارنتها بالباستا

قصة الشعرية وتاريخها المثير للجدل
TT

قصة الشعرية وتاريخها المثير للجدل

قصة الشعرية وتاريخها المثير للجدل

يصعب الحديث عن النودل أو الشعرية والمعكرونة الباستا دون العودة إلى الجدل حول أصلها وفصلها ومن جاء بها أولا ومن بدأ باستخدامها. ورغم استخداماتها التي تعود إلى آلاف السنين، لا يزال الكثير من الناس يعتقدون أن ماركو بولو هو الذي جلب النودل من الصين خلال رحلته الشهيرة على طول طريق الحرير نهاية القرن الثالث عشر وسماها باستا - pasta. ويجادل البعض على أن المعكرونة - macaroni كانت موجودة في إيطاليا مائتي سنة قبل عودة ماركو بولو من رحلته للصين وربما أكثر. وتشير دراسات إيطالية حديثة إلى أن قصة ماركو بولو غير صحيحة إذ أن الإيطاليين دأبوا على استهلاك أنواع كثيرة منها منذ القرن التاسع وبالتحديد المعكرونة الجافة المصنوعة من القمح القاسي. لكن انتشار المعكرونة في إيطاليا والعالم لم يتم إلا على يد العرب بحلول القرن الثالث عشر. وفي هذا القرن، كما تشير المعلومات المتوفرة، كان الكثير من مدن إيطاليا الشمالية المعروفة تبيع المعكرونة المجففة.
كما يعود البعض في أصول المعكرونة إلى أيام الحضارة الأتروسكانية القديمة والتروسكانيين في توسكانا التي كانت تسمى بـ«أتروريا» آنذاك. فقد كان سكان الإقليم الإيطالي المعروف والمطعم بالحضارة الإغريقية يحضرون نوعا من أنواع شعرية اللزانيا - lasagna المصنوعة من الحنطة القديمة (قمح مفلوق) 400 سنة قبل الميلاد. وبعد ذلك بدأ الرومان بتحضير ما يعرف بـ«لاجين» lagane وهو نوع آخر من أنواع عجينة اللزانيا المحضرة من الطحين والماء. مهما يكن فقد كانت شعرية اللزانيا تطبخ قبل أو بعد الرومان في الفرن ولم تبدأ عملية السلق التي نعرفها بعد. وقد جاء ذكر اللاجينا في أوراق الشاعر الروماني الشهير هوراس في القرن الأول قبل الميلاد، إذ تحدث عن قلي الناس لطبقات من العجين تسمى اللاجينا - lagana.
وفي القرن الثاني للميلاد، استخدم الطبيب اليوناني المعروف جالينوس كلمة إتريون - itrion للدلالة على أي نوع من أنواع الخلط بين الحنطة والماء. وكانت كلمة إتريوم - itrium اللاتينية آنذاك تعني العجين المغلي.
وكانت الإتريون التي يعتبرها بعض البحاثة أول كلمة أوروبية للنودل أو الشعرية، أيام اليونان نوعا من أنواع التورتيللا - tortilla المقلية بزيت السمسم والعسل، ولم تبدأ عملية غليها بالماء إلا لاحقا نهاية القرن الرابع قبل الميلاد لتوفير الزيت الغالي الثمن.
وكان الناس في تلك الأزمان الساحقة يستخدمون كلمة الإتريون - itrion بصيغة الجمع أي «إتريا - itria، وهذا هو الحال مع النودل الكلمة التي تأتي دائما بصيغة الجمع.
وحسب التلمود، فإن الإتريا كان موجودا وشائعا في فلسطين بين القرنين الثالث والخامس للميلاد، وانتشر الاسم في اللغات العبرية والآرامية وبعدها العربية. وكانت تدلل الكلمة في اللغة الآرامية على نوع من أنواع شوربة النودل، حيث كان يتم تصميم العجينة بأشكال صغيرة مختلفة.
وقد وصف عالم اللغويات السرياني عيسى بن علي أو أشو بار علي في القرن العاشر للميلاد، ايتيرا - itriyya اليونانية الأصل، على أنها خيوط أو سلاسل من السميد المجفف قبل الطبخ. أما مؤسس علم الجغرافيا محمد الإدريسي، فقد ذكرها قائلا: إنها تصنع وتصدر من جزيرة صقلية الإيطالية أيام حكم النورمان في القرن الحادي عشر.
وعن العرب ودوهم تشير بعض المعلومات المتوفرة أن العرب أخذوا النودل إلى كل مكان حتى البرتغال، إذ كان البرتغاليون يطلقون على النودل اسم التريا - aletria المأخوذ من الاترية العربية - al - itriya على ما تؤكده الموسوعة الحرة.
ويؤكد الكثير من الخبراء، أن الفضل في اختراع الباستا المغلية بالماء يعود إلى العرب. فقد لجأ التجار العرب خلال رحلاتهم على طريق الحرير إلى أخذ الباستا الجافة كإحدى المواد الغذائية الأساسية معهم لسهولة حملها وغليها لاحقا بالماء. كما أدخلوها إلى صقلية بعد الغزو الإسلامي في القرن الثامن.
وكانت هذه الباستا التي يستخدمها العرب خلال أسفارهم، هي نفس الباستا التي كان يستخدمها الناس في مدينة باليرمو، عاصمة صقلية بكميات كبيرة. وكان أصل كلمة معكرونة - macarone التي يستخدمها أهل باليرمو، يشتق من التعبير الصقلي عن العجين المصنوع بقوة أي خلال وقت طويل. ويقول كومر بأن أول وصفات المعكرونة وأقدمها جاء من صقلية ومن الوصفات أو الأطباق العربية وخصوصا المعكرونة بالباذنجان النوع الذي أدخله العرب بدورهم إلى صقلية، والمعكرونة بالسردين التي تعتبر الأطيب والأهم والتي لا تزال تحضر حتى يومنا هذا.
لا بد من الذكر هناك أن النودل/ الشعرية والباستا هما ذات الشيء، وكل شيء سواء أكان باستا أم نودل أم سباغيتي أم معكرونة، جميعها الشيء ذاته، أي خليط بين الحنطة والماء وأحيانا خليط من الحنطة والماء والبيض وأحيانا يضاف إليه الأرز في الحالة الصينية أو الآسيوية. ويمكن القول في هذا المضمار بأن جميعها تأتي تحت عنوان الباستا التي تعني العجينة ككلمة. وفيما يستخدم ويسلق بعضها طازجا يحفف بعضها الآخر للحفظ والتخزين للاستخدامات المستقبلية.
وتقول الموسوعة الحرة في هذا الإطار، بأن النودل - Noodle وهي الشعرية في اللغة العربية مشتقة من كلمة نودل - Nudel الألمانية التي تعني المعكرونة. وكلمة نودل – Nudel تعود في الأصل إلى اللاتينية نودوس – Nodus التي تعني العقدة.
في مقدمة مدونات ليوناردو ديفينشي المطبخية الشهيرة التي جمعها تلميذه فرانسيسكو ميلزي، وترجمها كل من جوناثان روث وشيليه إلى الإنجليزية لا يوجد اختلاف في الجوهر بين هذه التسميات كما ذكرنا، وتأتي جميعها في مئات الأشكال بعضها رفيع كخيوط وسلاسل طويلة وأحيانا أشكال صغيرة رقيقة على شكل أصداف أو أسطوانات صغيرة، وأحيانا كتل عجينية صغيرة أشبه بالزلابية - dumpling المحشية باللحم أو الخضار أو الجبن.
ولكن الفصل بين هذه التسميات والأنواع، بات أكثر وضوحا ودقة هذه الأيام، إذ أن الحديث عن النودل، يعني الحديث عن الشعرية الصينية البيضاء التي تصنع أحيانا من الحنطة والماء وأحيانا من الحنطة والماء والأرز، ويتم استهلاكها في المطاعم الآسيوية وخصوصا الطويل منها، أما الحديث عن الباستا فهو الحديث عن الباستا الإيطالية (التي تعني العجينة) الشقراء والسمراء اللون والتي تضم مئات الأنواع وعلى رأسها الباستا الطويلة، أي السباغيتي - Spaghetti الطويلة والرفيعة والمعكرونة التي تأتي على شكل أسطوانات ضيقة وتصنع من الحنطة الصلبة.
مهما يكن، وبعيدا عن الجدل البيزنطي حول ماركو بولو وإيطالية النودل والباستا، فإن النودل والباستا من أقدم الأطعمة في التاريخ على ما يبدو، ويوجد الكثير من الشواهد في الكثير من مناطق العالم، إذ أن الخلط بين الماء والحنطة وتجفيف الخليط من أبسط الوسائل في تخضير الطعام وأكثرها فعالية وأقلها كلفة.
لكن الحفريات والآثار في معظمها تعود إلى اليابان (3000 سنة قبل الميلاد من دقيق الأرز) والصين التي تعتبر الأم الأصل لمعظم أنواع المعجنات، إذ تشير المعلومات الأثرية أن الصين بدأت باستغلال القمح وتحصيله 7000 سنة قبل الميلاد. كما تم العثور على طاسات النودل والنودل الطويل والرفيع المصنوع من الدخن في موقع لاجيا الأثري على طول النهر الأصفر قبل 4000 سنة. وتشير القطع التي تم العثور عليها على وجود تقنيات عالية لإنتاجها. أما قطع النودل الطويلة التي تشبه السباغيتي والتي تعود إلى أيام مملكة هان 202 سنة قبل الميلاد، فقد كانت أول النودل المصنوعة من الحنطة العادية التي يعثر عليها.
ويعتبر النودل في الكثير من الدول الآسيوية وخصوصا الصين واليابان، رمزا للعافية والحياة الطويلة، ولذا يستخدم كثيرا في كعك أعياد الميلاد ورأس السنة.
وبالطبع يعتقد العلماء أن النودل انتشر من الصين إلى جميع أنحاء آسيا وبعدها جميع أنحاء العالم. ولا عجب أن نرى في جنوب آسيا والهند بشكل خاص استعمالات قديمة لما يعرف بالسيفيان – Seviyan باللغة الهندية والأوردية، وهي نوع من أنواع شعرية «فيرميشيلي»- vermicelli الإيطالية الصغيرة، وتستخدم في بعض البلدان الآسيوية مثل الهند وسريلانكا كبديل عن الأرز في أطباق الحلوى، أشبه بـ«الأرز بالحليب».
وما هو معروف أن التبادل الحضاري والثقافي بين الصين وجنوب شرقي آسيا يعود إلى آلاف السنين، وينطبق الأمر ذاته على المطبخ الهندي الذي تطعم وتأثر منذ قديم الزمان بالمطبخين الفارسي والأفغاني، وهلم جرى. ويعتقد البعض في هذا الإطار أن البدو الرحل في وسط آسيا هم الذين ساهموا بانتشار اللبن والجبن حول العالم وبالتالي كانوا أيضا وراء انتشار النودل. ويقول بعض المؤرخين بأنه كما هو الحال مع المغول الذين نشروا الزلابية من الصين إلى صربيا، إذ يصعب التمييز بين الزلابية الصربية البلميني – pelmini والزلابية الصينية الشهيرة الجياوزي - Jiaozou. وينطبق الأمر ذاته على الزلابية التركية المعروفة بالمانتي – Manti.
وفي الشرق الأوسط الذي لا تعرف شعوبه ودوله عادة أطباق الباستا، كثيرا ما يستخدم الناس أطباق الزلابية - dumpling المحشوة باللحم والمطبوخة باللبن، كما درج العرب منذ قديم الزمان كما ذكرنا سابقا عن استخدام الشعرية في أطباق الشوربة، ولا يزال المصريون يضيفون الباستا إلى العدس والأرز لتحضير طبق الكشري الشهير.
أما في أوروبا، فلا يمكن تجاهل إيطاليا التي تتكل على الباستا وعوالمها ويعتبر طبق زلابية الفارنيكي - Varenyky من أشهر الأطباق البولندية والأوكرانية والروسية. وعلى سبيل ذكر الروس هنا لا بد من الذكر هنا أن طبق الستروجانوف - Beef Stroganoff كان يقدم مع الشعرية قبل أن يستبدل الأرز بالشعرية حديثا.

* ليوناردو ديفينشي مخترع السباغيتي
* في مقدمة مدونات ليوناردو ديفينشي المطبخية الشهيرة التي جمعها تلميذه فرانسيسكو ميلزي، وترجمها كل من جوناثان روث وشيليه إلى الإنجليزية، يقول المحرران بأن ديفينشي هو من اخترع السباغيتي - Spaghetti وهي من بنات أفكار الشهير ديفينشي، وقد تمكن من ذلك خلال محاولاته ترفيع وترقيق شرائح اللازانيا السميكة وتحسين شكلها، وهناك الكثير من الرسوم الرائعة التي تركها ديفينشي وراءه في وصف تصنيع السباغيتي. وتقول القصة بأنه تمكن من إنتاجها وتصنيعها كخيوط رفيعة كما نعرفها الآن، لكن الناس لم يرغبوا فيها كثيرا ووجدوها صعبة التناول بالسكين ولذا اضطر ولأول مرة إلى اختراع الشوكة برؤوسها الثلاثة حلا للمشكلة. وبكلام آخر فإن اختراع الشوكة في البدايات جاء حلا ديفينشيا لمشكلة تناول السباغيتي. ولهذا السبب يقول بعض البحاثة بأن السباغيتي كما نعرفها الآن، لم تنتشر فعلا في إيطاليا وحول العالم إلا بعد الحرب العالمية الثانية وتعليب الأميركيين لها مع صلصة الطماطم.



«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».


مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
TT

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)
جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن في فترة ما بعد رمضان وخلال عطلات الصيف، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى. فخلال العام الماضي، استقبلت أحياء «سوهو»، و«فيتزروفيا»، و«مايفير»، و«دالستون» سلسلة من المطاعم التي تعكس تحولاً ملموساً نحو المساحات الأكثر خصوصية والأعلى تركيزاً.

يواصل مطبخ شرق البحر المتوسط توسيع نطاق حضوره، بينما تخطف القوائم المعتمدة على المكونات الموسمية الطازجة الأنظار. كما تعيد المقاهي الهادئة التي تعتني بتفاصيل التصميم الزخم إلى ثقافة الحياة الليلية في العاصمة. وتوفر هذه الافتتاحات الأخيرة، في مجملها، صورة واضحة ومباشرة للوجهات التي تجسد نبض لندن العصري في الوقت الراهن.

فيما يلي نماذج منتقاة لأبرز المطاعم التي أُطلقت في لندن خلال العام الماضي، وهي وجهات افتُتحت مؤخراً وباتت بالفعل محور حديث النخبة في كافة أنحاء المدينة.

أطباق صغيرة في مطعم كامارا (الشرق الاوسط)

إيسز فود كرافت (Aces Food Craft)

مطعم فاخر في قلب فيتزروفيا يعكس مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»

شهد حي «فيتزروفيا» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، انطلاقة مطعم «إيسز فود كرافت»، وهو أول مشروع مستقل للثنائي «ألكساندرا يازيفيكا» وزوجها «أليكس كراسيوم».

يرتكز هذا المطعم الذي يتميز بأجوائه الحميمية على مفهوم الطهي القائم على جودة المكونات، حيث يقدم تجربة عشاء راقية ومبتكرة تستلهم جوهرها من أفضل المحاصيل البريطانية. وتتجلى في أطباقه خبرة «أليكس» العريضة التي اكتسبها في أرقى المطابخ العالمية، بما في ذلك مطاعم حائزة على نجمة ميشلان في طوكيو. وبعد مسيرته السابقة بوصفه رئيس الطهاة التنفيذي في مطعم «سوشارو» الشهير، يقود «أليكس» اليوم مطبخاً يقدم طهياً دقيقاً يحتفي بالمكونات الأساسية، ضمن أجواء دافئة صُممت لتمنح الزائر شعوراً بالألفة وكأنه في منزله، بعيداً عن صرامة المطاعم الرسمية التقليدية.

أغرودولتشي (Agrodolce)

بصمة روما الكلاسيكية تحط الرحال في لندن

مطعم أغرودولتشي من الخارج (الشرق الاوسط)

افتتح مطعم «أغرودولتشي» أبوابه في شارع «شارلوت» بحي فيتزروفيا في مارس (آذار) 2025، لينقل تقاليد الطهي الرومانية الأصيلة إلى قلب لندن. يصب المطعم جُل اهتمامه على المعكرونة المحضرة يدويا والأطباق الكلاسيكية العريقة، مثل «كاريبونارا» و«أماتريشيانا» و«توناريلي بالزعفران»، إلى جانب قائمة مختارة بعناية من المقبلات والحلويات. ويعكس تصميم المكان روح نظيره في روما، حيث تزدان المساحات بطاولاته الرخامية، وأواني الخزف الإيطالية العتيقة، مع توفير خيارات لتناول الطعام في قاعات خاصة. ويحافظ «أغرودولتشي» على التزام صارم بالوصفات التقليدية، والمكونات عالية الجودة، وأصول الضيافة الإيطالية البسيطة وغير المتكلفة.

أوتومات (Automat)

جوهرة أميركية خفية في قلب «مايفير»

افتتح مطعم «أوتومات» أبوابه في شارع «ماونت» بحي مايفير في نوفمبر 2025، ليقدم مفهوماً راقياً ومجدداً للمطبخ الأميركي في المنطقة.

وبإشراف من مجموعة «وان لوكشري غروب» وبإدارة «كريس سيدون» بوصفه مديراً للعلامة التجارية، يعيد المطعم صياغة كلاسيكيات المائدة الأميركية من أوائل ومنتصف القرن العشرين برؤية عصرية حديثة. ويتميز الوصول إلى المطعم بخصوصية تامة عبر متجر الجلود الفاخرة «تانر كرول»، حيث تبرز المساحة التي تتسع لـ58 ضيفاً كوجهة حميمية تحاكي نمط «البارات السرية»، ويقدم أطباقاً أميركية كلاسيكية بلمسات مخملية راقية. وتجمع الديكورات الداخلية من تصميم استوديو «توميف» بين سحر الأصالة القديمة والبراعة الحديثة، لتقديم أصول الضيافة الأميركية بروح «مايفير» المتميزة.

براذر ماركوس (Brother Marcus)

مطعم شرق المتوسط المفضل يتوسع في «سوهو»

مأكولات براذر ماركوس (الشرق الاوسط)

في سبتمبر (أيلول) 2025، حطَّ مطعم «براذر ماركوس» رحاله في شارع «بولاند» بحي سوهو، ناقلاً نكهات شرق البحر المتوسط إلى قلب وسط لندن. يشتهر المطعم - الذي أسسه «تاسوس غايتانوس» و«أليكس لارج» - بأطباقه السخية الشهية المفعمة بالنكهات المستوحاة من تقاليد الطهي العريقة في شرق المتوسط، والتي تُقدم في أجواء مريحة تُعنى بأدق تفاصيل التصميم. يمتد فرع «سوهو» على طابقين، ويقدم خدماته على مدار اليوم؛ بدءاً من أطباق الفطور المتأخر الراقية وصولاً إلى أطباق «المزة» المخصصة للمشاركة. وتعكس قائمة الطعام عقداً من التطوير، مرتكِزة على لمسات مستوحاة من جزيرة كريت وأسلوب الطهي التشاركي الودود.

كراست بروس (Crust Bros)

بيتزا نابولي الحائزة على الجوائز تتألق في «كوفنت غاردن»

بيتزا "كراست بروس" الحائزة على عدة جوائز (الشرق الاوسط)

تُعد «كراست بروس» علامة لندنية مرموقة حائزة على «جائزة البيتزا الوطنية» لمرتين متتاليتين؛ وتشتهر بعجينتها ذات الحواف المحمرة والمميزة بنقشة «جلد النمر»، وبيتزا نابولي المُخصصة حسب طلبات الضيوف، حيث تمزج بين التقنيات التقليدية واللمسات العصرية المبتكرة.

وفي يوليو (تموز) 2025، افتتحت العلامة أكبر فروعها حتى الآن في حي «كوفنت غاردن» وهي مساحة تمتد على طابقين، وتتسع لـ135 ضيفاً في شارع «بيدفورد» في قلب منطقة «ويست إند»، حيث تُحضر العجينة طازجة يومياً وتُترك لتتخمر ببطء لمدة تصل إلى 72 ساعة قبل خبزها في درجات حرارة عالية للحصول على قوامها الهش الفريد. ويمكن للضيوف ابتكار البيتزا الخاصة بهم أو الاختيار من قائمة الأطباق المفضلة، إلى جانب أطباق جديدة حصرية، فضلاً عن الآيس كريم «الجيلاتو» بالتعاون مع «لا جيلاتيريا».

باراسول (Parasol)

إيقاعات «الديسكو» تعيد صياغة السهرات في شرق لندن

انطلق «باراسول» في منطقة «دالستون» في مايو (أيار) 2025، بوصفه أول مشروع مشترك بين «آندي كير» و«توم غيبسون»، الثنائي الذي يقف وراء عدد من أبرز الوجهات اللندنية المرموقة، مثل «ذا صن تافرن»، و«ديسكونت سوت كومباني»، و«ذا أمبريلا ووركشوب».

ويتخذ «باراسول» موقعاً مميزاً في طابق تحت الأرض جرى تحويله بالكامل في شارع «ستوك نيوينغتون»، حيث تبرز الديكورات ذات الطابع الترابي مع لمسات مغربية ومكسيكية ناعمة. ويضفي منسقو الأغاني طابعاً خاصاً على الأمسيات التي تمتد حتى الثانية صباحاً، بمختارات موسيقية مستوحاة من حقبة «ديسكو نيويورك» في أوائل الثمانينات، مما يجعلها وجهة مثالية لمن يبحث عن تجربة ليلية مفعمة بالحيوية والزخم.


من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
TT

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)
مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص، وتشكيلات المزّة العامة. غير أن هذا المطبخ بدأ اليوم يبرز بوصفه تأثيراً طهوياً مستقلاً، يحظى بقبول متزايد بين روّاد الطعام في الهند.

في مدنٍ هندية متعددة، بات الطعام السعودي يجد موطئ قدمه تدريجياً، لا عبر تسويقٍ صاخب أو بهرجة قائمة على كونه موضة جديدة أو تجربة غريبة مؤقتة، بل من خلال إحساس عميق بالألفة لا يزال المتذوّق الهندي في طور اكتشافه.

ولم يعد هذا المطبخ حكراً على مطابخ الجاليات أو الفعاليات المؤقتة في الفنادق، بل أخذ يتجذّر بثبات في مطاعم الأحياء، وإقامات الطهاة المنسّقة، وأنماط الطعام الحضرية.

مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

ويكمن جوهر هذا التحوّل في تنامي التقدير للطهي القائم على المكوّنات، وتقنيات الطهي البطيء، وثقافة الأكل الجماعي، وهي قيم راسخة منذ زمن طويل في كل من المطبخين السعودي والهندي.

وقد أسهمت عروض طهوية حديثة، في مقدمتها فعالية «المائدة السعودية» التي أشرف عليها الشيف كونال كابور، أحد أبرز رواة القصص الطهوية في الهند، في إبراز هذه القرابة الثقافية بوضوح أكبر، مقدمةً المطبخ السعودي لا باعتباره غريباً، بل قريباً ومألوفاً على نحو هادئ.

يعيد كابور تقديم أطباق مثل الكبسة والمنسف وأرز الزعفران بالمأكولات البحرية، بأسلوب يتّسم بالأناقة والتوازن اللذين اشتهر بهما. وحتى الحلويات، مثل بانا كوتا الورد والفستق، وإبداعات التمر واللوز، والبقلاوة الغنية، تحمل بصمته المميّزة: تحافظ على جوهرها التقليدي الحقيقي، وفي الوقت نفسه تقدَّم بأسلوب مهني راقٍ وتقنيات عالية دون تشويه أصلها.

السليق على الطريقة السعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف كابور، الذي لعب دوراً محورياً في تعريف الجمهور الهندي بعمق المطبخ السعودي عبر تجارب طعام منسّقة: «الطعام السعودي لا يحاول أن يبهرك، بل يطعمك. إنه صادق، قائم على المكوّنات، ومبني على المشاركة. وهذه قيم يفهمها المطبخ الهندي جيداً».

مطبخ يبدو مألوفاً

حين وصف الشيف كابور المطبخ السعودي بأنه الأقرب إلى مطبخ ولاية بيهار شرق الهند، أثار ذلك دهشة الكثيرين، إلا أن المقارنة لم تكن مجازية؛ فكلا المدرستين الطهويتين تعتمدان بدرجة كبيرة على الحبوب والبقوليات والأرز والخضراوات واللحوم المطهوة ببطء، مع نكهات تُبنى عبر العطر لا الحدّة.

الجريش السعودي (شاترستوك)

وقال كابور خلال إطلاق «المائدة السعودية» في مطعم «ون 8 كوميون» بمدينة غورغاون: «لو طُلب مني أن أربط النكهات السعودية بأي منطقة هندية، لاخترت بيهار. التقنيات، والإحساس بالراحة، وحتى طريقة مشاركة الطعام، كلها أمور تبدو مألوفة. الفارق الأكبر هو الزيت؛ نحن نستخدم زيت الخردل، وهم يستخدمون زيت الزيتون. تغيّر الزيت يغيّر الإحساس بالنكهة، لكن بنية الطبق تبقى متشابهة بوضوح».

كما يسلّط كابور الضوء على مكوّنات سعودية مثل الباذنجان والزعفران والتمر والأعشاب، مشيراً إلى مدى انسجامها مع الذاكرة الطهوية الهندية. ويقول: «الطهي السعودي لا يُخفي المنتجات المحلية تحت طبقات متعددة من التوابل، بل يبرز نكهاتها الطبيعية من خلال تقنيات بسيطة مثل الشواء، والطهي البطيء، أو التحميص».

ويحرص كابور على كسر الفكرة الشائعة التي تختزل المطبخ السعودي في كونه مطبخاً واحداً متجانساً أو مجرد «مطبخ صحراوي». ويوضح: «السعودية تضم جبالاً وسواحل والبحر الأحمر وشِعاباً مرجانية، فضلاً عن المأكولات البحرية ولحم الضأن والحبوب، وطيف واسع من الأطباق النباتية». وهو مطبخ تشكّل بفعل الجغرافيا والتجارة، أكثر من اعتماده على كثافة التوابل. وتشكل مكوّنات مثل التمر والقمح والأرز والزعفران والهيل والليمون المجفف والأعشاب أساس الوجبات اليومية، وتُحضَّر باستخدام الشواء والطهي البطيء والتحميص، وهي أساليب مألوفة بعمق في المطابخ الهندية.

وفي إحدى أمسيات أيام الأسبوع في حي أوكلا بدلهي، لم يعد من غير المألوف رؤية روّاد يتشاركون أطباقاً كبيرة من المندي، الأرز طويل الحبة المعطّر بالهيل والقرنفل، الذي تعلوه قطع من الدجاج أو لحم الضأن المطهو ببطء. وما كانت يوماً وجبة للحنين تُطبخ بهدوء في بيوت المهاجرين، بدأت اليوم تتسلّل إلى أروقة المدن الهندية وتثبت حضورها في مشهدها الغذائي.

وغالباً ما يصف الطهاة الهنود العاملون بالمطبخ السعودي دورهم ليس كمبتكرين، بل كمترجمين؛ إذ يكمن التحدّي في الحفاظ على رصانة الطبق داخل ثقافة طعام تشتهر بالوفرة.

كبسة سعودية (شاترستوك)

ويقول الشيف أنس خان، الذي يدير مطبخاً عربياً: «الطهي الهندي قائم على تعدد التوابل، بينما الطهي السعودي قائم على معرفة متى تتوقف. إذا بالغت، تفقد روح الطبق. هذا مطبخ الانضباط». ويؤكد الشيف كابور المعنى نفسه قائلاً: «لا يمكنك فرض الطابع الهندي على الطعام السعودي. إن فعلت ذلك، يفقد الطبق نزاهته. الفكرة ليست في المزج، بل في الفهم».

جذور في التجارة والهجرة

هذا التقارب ليس وليد الصدفة. فقد ربطت الهند وشبه الجزيرة العربية عبر قرون طويلة طرق تجارة بحرية، تبادلتا خلالها التوابل والأرز والمعرفة الطهوية.

وفي العقود الأخيرة، عمّق الشتات الهندي في السعودية، وهو من أكبر الجاليات الوافدة في المملكة، هذا التبادل. فقد سمحت المطابخ المنزلية والطهاة والموائد المشتركة بانتقال النكهات والتقنيات عبر الأجيال. والنتيجة ليست اندماجاً بمعناه الحديث، بل تداخلاً: مطبخان نشآ كل على حدة، لكنهما ظلا في حوار دائم.

ومع عقود من الهجرة إلى السعودية، دخلت كثير من الأطباق البيوت الهندية قبل أن تصل إلى المطاعم. ويقول الشيف روحان، الذي نشأ في عائلة ذات صلات وثيقة بالسعودية: «بالنسبة لنا، هذا الطعام يجسّد مشاعر الحنين؛ إذ يذكّر الناس بآباء عملوا في الخارج، وبموائد العيد، وبالأطباق المشتركة. المطاعم لا تفعل اليوم سوى اللحاق بما عرفته البيوت منذ زمن».

لماذا أصبح الذوق الهندي أكثر تقبلاً الآن؟

يكتسب توقيت بروز المطبخ السعودي في الهند أهمية خاصة. ويقول الشيف الشهير رانفير برار: «روّاد المطاعم في الهند اليوم باتوا أكثر سفراً وفضولاً، وأقل اهتماماً بالطعام الغريب أحادي البعد. فهناك شهية متزايدة للأصالة، سواء داخل الهند أو خارجها. والطعام السعودي، بتركيزه على الراحة والألفة، ينسجم طبيعياً مع هذا التحوّل».

ويرى برار أن أقوى صلة بين الثقافتين تكمن في طريقة تناول الطعام نفسه، ففي السعودية تُقدَّم الوجبات في أوعية كبيرة تُشارك بين أفراد العائلة والضيوف الجالسين معاً، وهو ما يعكس التقاليد الهندية التي ترى في الطعام تعبيراً عن الضيافة لا مجرّد عرض.

ويؤمن الشيف كابور بأن هذا القبول ينبع من الألفة لا من عنصر التجديد، فيقول: «الطعام السعودي لا يصدم الذوق الهندي، بل يطمئنه. التقنيات بسيطة، والنكهات صادقة، والطعام مُعدّ للمشاركة. وهذا أمر يفهمه الهنود بالفطرة».

فالسليق، عصيدة الأرز الكريمية الغنية بالمرق والحليب، تجد ما يقابلها في الأطعمة التي يأكلها الهنود للشعور بالراحة. والجريش المصنوع من القمح المجروش يذكّر بأطباق الحبوب الشائعة في شمال وشرق الهند. وحتى شوربات العدس المنتشرة في البيوت السعودية تبدو مألوفة على الفور للذوق الهندي في الطعام.

مدن هندية يترسّخ فيها الطعام السعودي

لم يكن نمو المطبخ السعودي في الهند متكافئاً، لكنه حمل دلالات مهمة.

فإلى جانب منطقة دلهي الكبرى، برزت بنغالورو بوصفها مركزاً مهماً، مدفوعة بجمهورها من الطلاب والعاملين في قطاع التكنولوجيا ذوي الخبرة الخليجية. وتحتضن أحياء مثل فريزر تاون وكاماناهالي مطاعم تتمحور حول المندي، حيث تُقدَّم الأطباق الكبيرة للأكل باليد، تماماً كما في البيوت السعودية.

وبالمثل، أظهرت مدينة حيدر آباد، ذات الإرث العريق المرتبط بالأرز، تقبّلاً خاصاً لهذا المطبخ. ويشير طهاة محليون إلى أن المندي يبدو مألوفاً للمدينة التي نشأ سكانها على أكل البرياني. ويقول أحد الطهاة في حيدر آباد: «الناس يفهمون منطق الطبق فوراً. الأرز يحمل نكهة اللحم؛ ولذا فهو ليس غريباً على الإطلاق».

أما كيرالا التي توصف بأنها «بلاد الله»، فإنها تتصدر القائمة.