قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها

منذ إطلاقه في القرن التاسع عشر صار ما يشبه سجلاً لتاريخ البلد

قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها
TT

قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها

قاموس أكسفورد الإنجليزي... حكاية شغف أمّة بلغتها

يعود قاموس أكسفورد الإنجليزي إلى الأضواء مرّة كل عام على الأقل، ذلك عندما تعلن الهيئة القائمة على أعرق وأهم سجل معجمي للغة الإنجليزية وتوثيقها اختيارها لكلمة العام من بين المفردات الجديدة التي أبدعتها قرائح المتحدثين بتلك اللغة. وتعكس الاختيارات عادة جدلاً ثقافياً واجتماعياً واسعاً حول مسائل تعني الشأن العام، فشملت في السنوات الأخيرة «ما بعد الحقيقة» و«ثقافة الإلغاء» و«الأخبار المزيفة أو الكاذبة»، فيما امتنعت استثنائياً في عام الجائحة (2020) عن اختيار كلمة واحدة فحسب، نظراً لفيض الاصطلاحات التي أطلقتها الخبرة المستجدة للبشرية المعاصرة بالتعامل مع الطاعون الجديد «كوفيد 19»، فكان أن قدّمت مجموعة منها.
على أن العمل الذي ينجزه القاموس أوسع وأشمل بكثير من هذه المناسبة الإعلاميّة المسليّة، وهو يشمل تحديثاً فصلياً لتعابير اللغة الإنجليزية، يبدأ من إضافة كلمات جديدة تكرر استعمالها، وتنقيح أخرى من القاموس تعرضت معانيها لتحولات أو تقلبات ثقافيّة، كما نقل بعضها إلى المتحف اللغوي عبر وصفها بالقديمة التي عفا عليها الزمن أو النادرة الاستعمال.
وتعتمد بيوتات الصحافة والإعلام في العالم الغربي والجامعات ومراكز البحث، كما الأفراد بعمومهم، على قاموس أكسفورد كأكثر المرجعيات موثوقية بالنسبة للإملاء والمعاني وإنفاذ قواعد النحو والاستخدام السليم للغة الإنجليزية، ولا سيما أن القاموس لا يقتصر على النسق البريطاني، وإنما يتسع لكل الإنجليزيات المعروفة – إن جاز التعبير – من أستراليا إلى جامايكا، وما بينها من تجمعات سكانية يتحدث أصحابها طرفاً من لغة شكسبير.


جيمس موراي

ومنذ إطلاقه في القرن التاسع عشر، فإن قاموس أكسفورد وكأنّه قد كلّف نفسه بمهمة أوسع من رصد معاني الكلمات المستخدمة إلى ما يشبه سجلاً تاريخياً للنمو العضوي للغة الإنجليزيّة عبر المراحل، إذ إن الكلمة ما أن أدخلت إلى القاموس حتى لا تغادره أبداً، وإنما يتم تحديث وضع استعمالها، ما يعني أن «أكسفورد الإنجليزي» يتوسع بشكل دائم، حتى لتبدو مهمته مستحيلة بحق، ولا سيما أن اللغة الإنجليزية مرتبطة بهيمنة ثقافية أنجلوساكسونيّة على مجالات ثقافية وعلمية وتجاريّة كثيرة عابرة لحدود البلاد التي هي لغتها الأم. وهو بذلك يختلف عن القواميس الأخرى الدّارجة مثل كولينز وتشامبرز التي تحتفظ بالكلمات الأكثر تداولاً في نطاق مجلّد واحد، فهو يوضح أيضاً كيف تغير معنى كلمة معينة بمرور الوقت من خلال الاقتباسات التي يزيد عددها عن 3.5 مليون إلى الآن، والتي لا تؤخذ من الكتب والصحف والمجلات فحسب، بل في أوقاتنا الحالية من الإعلانات وكلمات الأغاني ونصوص الأفلام والتلفزيون حتى «تويتر».
يضم القاموس في صورته الحالية نحو 600 ألف كلمة، وطبعته الثانية التي نُشرت عام 1989 تملأ 20 مجلداً، وكانت هناك خطّة لنشر طبعة ثالثة في 2005 لكّن عمليّات التحرير لم تصل بعد إلى المنتصف. لكن قليلين في وقتنا الراهن يعتمدون على النسخة المطبوعة، وانتقل جزء كبير من التحرير والاستخدام إلى الإنترنت، وهو ما يفسّر جزئياً تلكؤ الناشر في الدفع بإصدار جديد مطبوع.
لكن ضخامة هذا المشروع واتساع تأثيره لا يجب أن تحجب عنا حقيقة أن عدد القائمين عليه لا يتجاوز 70 موظفاً، يعملون حين حضورهم في مكتب مفتوح متواضع في المبنى الذي يضم مقر مطبعة جامعة أكسفورد في أحد أحياء مدينة أكسفورد القديمة، وإن كان للقاموس يوماً غرفة فاخرة في إطار متحف الأشموليان العريق، التابع للجامعة. ويتولى هؤلاء الموظفون إدارة عمليات القاموس بشكل تعاوني لتقليل الأخطاء، ويمثل كل منهم مرجعيّة أوليّة للآخر قبل الاستعانة تالياً بجيش من غير المتفرغين، يشمل لغويين، وخبراء أصول الكلام، وعلماء البيبلوغرافيا، وأساتذة الآداب والعلوم، والخبراء المعنيين بالنطق، والمستشارين الخارجيين، لتعود الكلمة منهم إلى أيدي المحررين المتخصصين بالنشر في شكله النهائيّ.
ويمكن أن تستغرق هذه العمليّة بمجملها من بضع ساعات إلى بضعة أسابيع، بحسب طبيعة الكلمة واستخداماتها، لكنّه ليس مستغرباً أن تمرّ إحداها على 200 شخص قبل اعتمادها. كما أن القاموس لم يحقق ربحاً تجارياً في تاريخه، رغم أن الاشتراكات الحالية تغطى جزءاً هاماً من الميزانية السنوية التي تبلغ نحو 35 مليون جنيه أسترليني، إلا أن قيمته الأساسيّة تظلّ في السمعة الأدبيّة الراقية التي يمنحها للمطبعة، وللجامعة، وللمدينة، حتى للأمة البريطانيّة بمجملها، علماً بأن المشروع كان عُرض بداية على مطبعة جامعة كامبريدج المنافسة الدائمة لأكسفورد، لكنها رفضته في حينه، وإلا لكان الشرف لقاموس كامبريدج الإنجليزي!
تعود حكاية القاموس إلى العام 1857 حينما كانت بريطانيا في قلب العصر الفيكتوري الذي شهد ثورات معرفيّة وعلميّة وتقنيّة؛ السكك الحديدية، ومصانع الصلب، والأنثروبولوجيا، والتخدير، وأدب تشارلز ديكنز، ونظريات داروين. في تلك الأجواء الطموحة تداعت مجموعة من أعضاء جمعيّة فقه اللغة، هربرت كولريدج، وفريدريك فورنيفال، وريتشارد تشينفيكس، لتكوين ما سمي بلجنة الكلمات غير المسجلّة بهدف التقاط تلك التعابير التي ولدت ولم تحظ بشرف التسجّل في القواميس، وهذه كان صدرت منها تجارب مختلفة (أقدمها يعود إلى العام 1604). لكن المهمة بدت هائلة وشبه مستحيلة، فقررت اللجنة اللجوء إلى الأمّة برمتها، فأصدرت تعميماً يحتوي على تعليمات لتسجيل اقتباسات توضح استخدام كلمات إنجليزية جديدة على بطاقات بريديّة ترسل إلى اللجنة. وعلى الرّغم من أن العمليّة كانت تطوعيّة ولم يتلقَ المساهمون أي أجر على جهودهم، فإنّ اللّجنة غرقت حرفياً بالبطاقات البريديّة تلك، وشارك بعض الأفراد بعدة مئات منها بحماسة منقطعة النظير، ولا شكّ أن بعضهم كرّس أوقاتاً مهمة من حياته لتتبع حياة الكلمات ورصد استعمالها في الصحف والكتب والروايات، بل قصّوا أحياناً الاقتباسات من تلك المطبوعات ولصقوها على البطاقات لضمان دقّة التوثيق، مفسدين بذلك نسخ الكتب الأصليّة.
تعثّر العمل باللجنة بعد وفاة كولريدج، فتقرر نقل المشروع إلى مطبعة جامعة أكسفورد في العام 1879 وفق اتفاق شمل أيضاً تعيين جيمس موراي عالم اللغويات الشهير رئيساً للتحرير، الذي شكل فريقاً استغرقه العمل لفرز البطاقات البريديّة المتراكمة مسبقاً لدى اللجنة سنتين كاملتين، وكذلك نشر القاموس في 7000 صفحة خلال 10 سنوات، بميزانيّة لا تتجاوز 9 آلاف جنيه إسترليني. لكن بعد مرور 5 سنوات بدا واضحاً أن إنجاز المشروع بشكل نهائي سيأخذ وقتاً أكثر مما خطط له، ما حدا بالناشر إلى تبني فكرة النشر المجزأ. وهكذا صدر الجزء الأوّل في 1884 لكن الطبعة كاملة لم تكتمل (في 10 أجزاء) قبل عام 1928، أي بعد 70 عاماً من تشكيل لجنة الكلمات غير المسجلة. وقد احتفلت بريطانيا الرسميّة بذلك الإنجاز على لسان رئيس وزرائها آنذاك، ستانلي بالدوين، الذي قال في مأدبة عشاء بتلك المناسبة إن «تاريخنا، رواياتنا، قصائدنا، مسرحياتنا، كلها جمعت في هذا الكتاب الواحد العظيم. ومع ذلك فإن كثيراً من المدخلات في الطبعة الأولى كانت قد أصبحت قديمة، ولم يظهر كثير من الكلمات التي استجدت أثناء النشر، ما استدعى إصدار مجلدات تكميليّة متتابعة، قبل أن يقرر الناشر إصدار طبعة ثانية كاملة منقحة عام 1985. وهو النّص الذي يعتمد عليه اليوم في إعداد الطبعة الثالثة المقبلة.
نسرد هذه الحكاية عن قاموس لغة أمّة قررت أن تحافظ عليها حيّة ومتجددة، بينما يملأ قلبنا التشاؤم من عجز أمتنا العربيّة الممتدة عبر 22 دولة و400 مليون نسمة واستثماراتنا الملياريّة المتناثرة في بنوك الغرب عن تأسيس قاموس عربي موحد على نسق قاموس أكسفورد، يحفظ لغتنا العربيّة، ويمنحها القدرة على النموّ والتطوّر والانتشار بعد مرور قرون عدّة على صدور القاموس الرائد لابن منظور «لسان العرب» في القرن الثالث عشر، الذي لا يزال ونحن في القرن الحادي والعشرين أشمل معاجم اللغة العربية وأكبرها حتى الآن. وباستثناء أننا نمتلك القرآن الكريم الذي ضبطت نصوصه منذ ما يقرب من 1500 عام، فإن العربيّة المعاصرة تفتقر بشكل فاضح إلى مرجعيّة لغويّة حتى لتبدو رغم محاولات قطرية علقت في أبراج عاجيّة خارج الحياة وخارج الواقع وكأنها يتيمة بين لغات الأمم الحية، التي لكل منها وإن تضاءل عدد المتحدثين بها مؤسسات وطنيّة تدير قواميس شاملة تعنى بتجديد كلماتها وضبط استعمالها ورصد تحولات معانيها.
إن نهضة عربيّة لن تكون ممكنة دون قاموس لغوي شامل ومحدّث، سواء تولته عاصمة واحدة أو منظمة عربيّة جامعة عابرة للسياسة والأحلاف اللحظيّة. ومن خبرة قاموس أكسفورد الإنجليزي الماثلة أمامنا، فإن ما نحتاجه لجعل ذلك واقعاً ليس مالاً كثيراً ولا تجهيزات هائلة ولا جيشاً من الموظفين، بل كثير من الشغف لاستعادة ثقافتنا - معبراً عنها بلغتنا - من موتها السريري غير المعلن.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).