إيطاليا المشرذَمة سياسياً والمتعَبة اقتصادياً تقلق بروكسل وفرانكفورت

مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)
مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)
TT

إيطاليا المشرذَمة سياسياً والمتعَبة اقتصادياً تقلق بروكسل وفرانكفورت

مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)
مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)

ستكون إيطاليا في 25 سبتمبر (أيلول) على موعد مع انتخابات برلمانية مبكرة فرضتها استقالة ماريو دراغي من رئاسة الحكومة أخيراً بسبب غياب التضامن الوزاري الضروري لمواجهة الظروف الحالية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.
كان يمكن أن يمر خبر انفراط عقد الحكومة الإيطالية مرور الكرام، لأن العقود الثلاثة الأخيرة لطالما شهدت انهيار حكومات ودعوة الناخبين إلى مراكز الاقتراع مرة بعد أخرى ليعيدوا رسم الأحجية السياسية الإيطالية التي نشأت منذ منتصف تسعينات القرن الماضي بعد اضمحلال عمودَي السياسة المتضادين: الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي...
استقال ماريو دراغي (74 عاماً) بعد عام ونصف عام من تعيينه رئيسًا لحكومة وحدة وطنية. وقد أبلغ إلى رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا أنه يتنحى بعد أن رفضت ثلاثة أحزاب في حكومته دعمه في تصويت على الثقة في البرلمان.
أتى دراغي إلى رئاسة الوزراء من خارج البرلمان، لكنْ مسلحاً بسمعة حسنة استحق عليها لقب «سوبر ماريو» لتعامله الفعال والحكيم مع أزمة منطقة اليورو عندما كان رئيساً للبنك المركزي الأوروبي (2011 – 2019). وهو مستقل سياسياً، استعان به رئيس الجمهورية بعد انهيار حكومة جوزيبي كونتي الثانية لخلافه مع شريكه ماتيو رينزي على إدارة الملف الاقتصادي الذي ازداد تعقيداً بسبب تداعيات جائحة «كوفيد - 19».
كانت مهمة دراغي ضمان الاستقرار السياسي، والأهم معالجة الملف الاقتصادي انطلاقاً من خبرته الطويلة في هذا الشأن، هو الذي كان قبل توليه مهمته الأوروبية رئيس مجلس الاستقرار المالي في إيطاليا وحاكم المصرف المركزي.
*أزمة اقتصادية حادة
كان العبء الاقتصادي ثقيلاً، فالناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ نحو تريليوني دولار أميركي سنوياً، يقابله دين عام يبلغ تريليونين و795 مليار دولار، أي ما نسبته 135 % تقريباً من الناتج، وهي بذلك تحتل المرتبة الثانية في الاتحاد الأوروبي بعد اليونان التي يبلغ ناتجها 245 مليار دولار ودينها 388 ملياراً، بنسبة تفوق 180% من الناتج.
تُعتبر إيطاليا من الأعمدة الأساسية في الاتحاد الأوروبي. وتحتل المرتبة الثالثة من حيث حجم الاقتصاد بعد ألمانيا وفرنسا. من هنا، يغدو موضوع الاستقرار السياسي فيها بالغ الأهمية، لأن الوضع الاقتصادي يتفاعل سلباً وإيجاباً مع الوضع السياسي، وبالتالي فإن الأزمة السياسية الحالية لا تساعد على الإطلاق في تحسين حال الاقتصاد أياً يكن من يدير دفة القيادة الحكومية، حتى وإن كان خبيراً اقتصادياً طويل الباع مثل ماريو دراغي.
رئيس حركة الخمس نجوم جوزيبي كونتي (أ.ب)
*أزمة على أبواب الشتاء
ستجرى الانتخابات الإيطالية في بداية فصل الخريف وعلى أبواب فصل الشتاء. وبالتجربة والوقائع، لا يتوقع أحد أن «تنجب» الانتخابات مشهداً سياسياً واضح المعالم، فيه جهة حاكمة قادرة ومعارَضة تحاسب وتصوّب. بل يرجَّح بنسبة كبيرة أن يولد برلمان مشرذم كالعادة، وبالتالي حكومة ائتلافية هجينة، كالحكومة الحالية التي أسقطها خلاف على تكاليف إنشاء محرقة للنفايات في روما وحزم المساعدات الاجتماعية لمواطنين أرهقتهم أعباء الإقفال إبان الجائحة والآثار الكارثية للحرب في أوكرانيا.
هنا يجدر بنا أن نسأل كيف لأي حكومة إيطالية مقبلة أن تتعامل مع أزمة الغاز في عزّ الشتاء؟ ونعلم أن الحكومة الحالية استدارت صوب الجزائر لزيادة وارداتها من الغاز، وعززت اللجوء إلى مصادر الطاقة المتجددة، وكذلك إلى الفحم الحجري لتوليد ما يكفي حوالي 60 مليون إيطالي من الطاقة.
وينبع التساؤل من كون الحكومة الإيطالية هشة دائماً، فحزب شعبوي مثل حركة الخمس نجوم التي أسسها الممثل الكوميدي بيبي غريللو ورجل الأعمال (الراحل) جانروبرتو كاساليجو عام 2009، تحتل 100 مقعد في مجلس نواب يضم 630 مقعداً، و62 مقعداً في مجلس شيوخ مكوّن من 315 مقعداً. وبالتالي، تمكن هذا الحزب الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق جوزيبي كونتي، من إسقاط الحكومة عندما سحب دعمه لها غير مقتنع بحزمة مساعدات يبلغ حجمها 26 مليار يورو أقرتها الحكومة لمساعدة الإيطاليين في مواجهة التضخم المتصاعد الذي تبلغ نسبته راهناً 8%.
وقال كونتي مبرراً رفضه حزمة المساعدات التي اعتبرها هزيلة بقوله: «لديّ خوف شديد من أن يكون سبتمبر الوقت الذي ستواجه فيه العائلات خيار دفع فاتورة الكهرباء أو شراء الطعام»...
والحال، أن السياسة الإيطالية مليئة بالشعبويين، مثل ماتيو سالفيني رئيس حزب الرابطة الذي يملك دوماً طموحات واسعة لقيادة البلاد. والأحزاب على كثرتها وتضادّ توجهاتها، تنقسم على بعضها في أحيان كثيرة. وأحدث مثال على ذلك، خروج وزير الخارجية لويجي دي مايو من حركة الخمس نجوم في يونيو (حزيران) الماضي وتأسيسه حزباً باسم «معاً من أجل المستقبل».

رئيس حزب الرابطة ماتيو سالفيني (رويترز)
*المأزق المحلي والمسرح الأوروبي
لا فرصة حقيقية لتماسك السياسة الإيطالية، فالبلاد التي لم تتوحّد وتأخذ شكلها الحالي إلا عام 1871 مع إنشاء المملكة الإيطالية بجهود (الملك) فيتوريو إيمانويلي و(رئيس الوزراء) كافور (كاميللو بنزو) والجنرال جوزيبي غاريبالدي والسياسي والصحافي جوزيبي مازيني، لا تزال في الواقع فسيفساء سياسية واجتماعية واقتصادية، تنقسم خصوصاً بين شمال غنيّ وجنوب فقير.
هذا الواقع أدى – بدفع من الفساد – إلى انهيار منظومة الثنائية الحزبية، واندثار وجوه مثل الزعيم الديمقراطي المسيحي جوليو أندريوتي والزعيم الاشتراكي بتينو كراكسي... وهذا الواقع سينتج مجدداً برلمان نواب مجزأً على طريقة السوق المجزأة التي لا سيطرة للاعب اقتصادي كبير على ديناميكياتها.
وبالتالي ستقوم حكومة هشة، سواء برئاسة دراغي أو سواه، عليها مواجهة استحقاقات كبيرة، ليس أقلها تباطؤ النمو الاقتصادي بعد قفزة العام الماضي الإيجابية مع تراجع آثار الجائحة، وأزمة الغاز، وضعف اليورو الذي يعادل حالياً غريمه الفعلي الدولار، ودين عام ضخم يحتاج تجاوزه إلى نهضة اقتصادية ونمو متوثّب يستمران سنوات.
المشكلة في الأزمة الإيطالية أنها ليست إيطالية فحسب، بل هي تؤثر على صناعة القرار في بروكسل وفرانكفورت... بروكسل حيث المفوضية الأوروبية التي ترأسها السيدة الألمانية أورسولا فون در لاين، وفرانكفورت حيث البنك المركزي الأوروبي الذي ترأسه السيدة الفرنسية كريستين لاغارد.
زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
إنها الثنائية الألمانية الفرنسية التي عليها أن تحمل بنياناً أوروبياً لا مغالاة في القول إنه يتعرض لضغوط هيكلية كبيرة. ولا شك في أن أنظار السيدتين المذكورتين وسواهما من المسؤولين الأوروبيين الكبار تنصب على إيطاليا بقلق كبير. فماذا لو قامت في روما حكومة يمينية قومية متطرفة مشككة في الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، برئاسة زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» جورجيا ميلوني، على سبيل المثال. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا الحزب هو جذور تعود إلى الحركة الاجتماعية الإيطالية التي أسسها فاشيون سابقون...
إيطاليا تمر بامتحان صعب، ومعها الاتحاد الأوروبي... وثمة من يرى أن الحرب في أوكرانيا غيّرت وسوف تغيّر الديناميكيات السياسية والاقتصادية من حولها، وعندما تنتهي سيكون في أوروبا مشهد مختلف، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟