إيطاليا المشرذَمة سياسياً والمتعَبة اقتصادياً تقلق بروكسل وفرانكفورت

مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)
مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)
TT

إيطاليا المشرذَمة سياسياً والمتعَبة اقتصادياً تقلق بروكسل وفرانكفورت

مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)
مجلس النواب الإيطالي في بداية جلسة شرح فيها ماريو دراغي أسباب استقالته (رويترز)

ستكون إيطاليا في 25 سبتمبر (أيلول) على موعد مع انتخابات برلمانية مبكرة فرضتها استقالة ماريو دراغي من رئاسة الحكومة أخيراً بسبب غياب التضامن الوزاري الضروري لمواجهة الظروف الحالية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.
كان يمكن أن يمر خبر انفراط عقد الحكومة الإيطالية مرور الكرام، لأن العقود الثلاثة الأخيرة لطالما شهدت انهيار حكومات ودعوة الناخبين إلى مراكز الاقتراع مرة بعد أخرى ليعيدوا رسم الأحجية السياسية الإيطالية التي نشأت منذ منتصف تسعينات القرن الماضي بعد اضمحلال عمودَي السياسة المتضادين: الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي...
استقال ماريو دراغي (74 عاماً) بعد عام ونصف عام من تعيينه رئيسًا لحكومة وحدة وطنية. وقد أبلغ إلى رئيس الجمهورية سيرجيو ماتاريلا أنه يتنحى بعد أن رفضت ثلاثة أحزاب في حكومته دعمه في تصويت على الثقة في البرلمان.
أتى دراغي إلى رئاسة الوزراء من خارج البرلمان، لكنْ مسلحاً بسمعة حسنة استحق عليها لقب «سوبر ماريو» لتعامله الفعال والحكيم مع أزمة منطقة اليورو عندما كان رئيساً للبنك المركزي الأوروبي (2011 – 2019). وهو مستقل سياسياً، استعان به رئيس الجمهورية بعد انهيار حكومة جوزيبي كونتي الثانية لخلافه مع شريكه ماتيو رينزي على إدارة الملف الاقتصادي الذي ازداد تعقيداً بسبب تداعيات جائحة «كوفيد - 19».
كانت مهمة دراغي ضمان الاستقرار السياسي، والأهم معالجة الملف الاقتصادي انطلاقاً من خبرته الطويلة في هذا الشأن، هو الذي كان قبل توليه مهمته الأوروبية رئيس مجلس الاستقرار المالي في إيطاليا وحاكم المصرف المركزي.
*أزمة اقتصادية حادة
كان العبء الاقتصادي ثقيلاً، فالناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ نحو تريليوني دولار أميركي سنوياً، يقابله دين عام يبلغ تريليونين و795 مليار دولار، أي ما نسبته 135 % تقريباً من الناتج، وهي بذلك تحتل المرتبة الثانية في الاتحاد الأوروبي بعد اليونان التي يبلغ ناتجها 245 مليار دولار ودينها 388 ملياراً، بنسبة تفوق 180% من الناتج.
تُعتبر إيطاليا من الأعمدة الأساسية في الاتحاد الأوروبي. وتحتل المرتبة الثالثة من حيث حجم الاقتصاد بعد ألمانيا وفرنسا. من هنا، يغدو موضوع الاستقرار السياسي فيها بالغ الأهمية، لأن الوضع الاقتصادي يتفاعل سلباً وإيجاباً مع الوضع السياسي، وبالتالي فإن الأزمة السياسية الحالية لا تساعد على الإطلاق في تحسين حال الاقتصاد أياً يكن من يدير دفة القيادة الحكومية، حتى وإن كان خبيراً اقتصادياً طويل الباع مثل ماريو دراغي.
رئيس حركة الخمس نجوم جوزيبي كونتي (أ.ب)
*أزمة على أبواب الشتاء
ستجرى الانتخابات الإيطالية في بداية فصل الخريف وعلى أبواب فصل الشتاء. وبالتجربة والوقائع، لا يتوقع أحد أن «تنجب» الانتخابات مشهداً سياسياً واضح المعالم، فيه جهة حاكمة قادرة ومعارَضة تحاسب وتصوّب. بل يرجَّح بنسبة كبيرة أن يولد برلمان مشرذم كالعادة، وبالتالي حكومة ائتلافية هجينة، كالحكومة الحالية التي أسقطها خلاف على تكاليف إنشاء محرقة للنفايات في روما وحزم المساعدات الاجتماعية لمواطنين أرهقتهم أعباء الإقفال إبان الجائحة والآثار الكارثية للحرب في أوكرانيا.
هنا يجدر بنا أن نسأل كيف لأي حكومة إيطالية مقبلة أن تتعامل مع أزمة الغاز في عزّ الشتاء؟ ونعلم أن الحكومة الحالية استدارت صوب الجزائر لزيادة وارداتها من الغاز، وعززت اللجوء إلى مصادر الطاقة المتجددة، وكذلك إلى الفحم الحجري لتوليد ما يكفي حوالي 60 مليون إيطالي من الطاقة.
وينبع التساؤل من كون الحكومة الإيطالية هشة دائماً، فحزب شعبوي مثل حركة الخمس نجوم التي أسسها الممثل الكوميدي بيبي غريللو ورجل الأعمال (الراحل) جانروبرتو كاساليجو عام 2009، تحتل 100 مقعد في مجلس نواب يضم 630 مقعداً، و62 مقعداً في مجلس شيوخ مكوّن من 315 مقعداً. وبالتالي، تمكن هذا الحزب الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق جوزيبي كونتي، من إسقاط الحكومة عندما سحب دعمه لها غير مقتنع بحزمة مساعدات يبلغ حجمها 26 مليار يورو أقرتها الحكومة لمساعدة الإيطاليين في مواجهة التضخم المتصاعد الذي تبلغ نسبته راهناً 8%.
وقال كونتي مبرراً رفضه حزمة المساعدات التي اعتبرها هزيلة بقوله: «لديّ خوف شديد من أن يكون سبتمبر الوقت الذي ستواجه فيه العائلات خيار دفع فاتورة الكهرباء أو شراء الطعام»...
والحال، أن السياسة الإيطالية مليئة بالشعبويين، مثل ماتيو سالفيني رئيس حزب الرابطة الذي يملك دوماً طموحات واسعة لقيادة البلاد. والأحزاب على كثرتها وتضادّ توجهاتها، تنقسم على بعضها في أحيان كثيرة. وأحدث مثال على ذلك، خروج وزير الخارجية لويجي دي مايو من حركة الخمس نجوم في يونيو (حزيران) الماضي وتأسيسه حزباً باسم «معاً من أجل المستقبل».

رئيس حزب الرابطة ماتيو سالفيني (رويترز)
*المأزق المحلي والمسرح الأوروبي
لا فرصة حقيقية لتماسك السياسة الإيطالية، فالبلاد التي لم تتوحّد وتأخذ شكلها الحالي إلا عام 1871 مع إنشاء المملكة الإيطالية بجهود (الملك) فيتوريو إيمانويلي و(رئيس الوزراء) كافور (كاميللو بنزو) والجنرال جوزيبي غاريبالدي والسياسي والصحافي جوزيبي مازيني، لا تزال في الواقع فسيفساء سياسية واجتماعية واقتصادية، تنقسم خصوصاً بين شمال غنيّ وجنوب فقير.
هذا الواقع أدى – بدفع من الفساد – إلى انهيار منظومة الثنائية الحزبية، واندثار وجوه مثل الزعيم الديمقراطي المسيحي جوليو أندريوتي والزعيم الاشتراكي بتينو كراكسي... وهذا الواقع سينتج مجدداً برلمان نواب مجزأً على طريقة السوق المجزأة التي لا سيطرة للاعب اقتصادي كبير على ديناميكياتها.
وبالتالي ستقوم حكومة هشة، سواء برئاسة دراغي أو سواه، عليها مواجهة استحقاقات كبيرة، ليس أقلها تباطؤ النمو الاقتصادي بعد قفزة العام الماضي الإيجابية مع تراجع آثار الجائحة، وأزمة الغاز، وضعف اليورو الذي يعادل حالياً غريمه الفعلي الدولار، ودين عام ضخم يحتاج تجاوزه إلى نهضة اقتصادية ونمو متوثّب يستمران سنوات.
المشكلة في الأزمة الإيطالية أنها ليست إيطالية فحسب، بل هي تؤثر على صناعة القرار في بروكسل وفرانكفورت... بروكسل حيث المفوضية الأوروبية التي ترأسها السيدة الألمانية أورسولا فون در لاين، وفرانكفورت حيث البنك المركزي الأوروبي الذي ترأسه السيدة الفرنسية كريستين لاغارد.
زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
إنها الثنائية الألمانية الفرنسية التي عليها أن تحمل بنياناً أوروبياً لا مغالاة في القول إنه يتعرض لضغوط هيكلية كبيرة. ولا شك في أن أنظار السيدتين المذكورتين وسواهما من المسؤولين الأوروبيين الكبار تنصب على إيطاليا بقلق كبير. فماذا لو قامت في روما حكومة يمينية قومية متطرفة مشككة في الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، برئاسة زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» جورجيا ميلوني، على سبيل المثال. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا الحزب هو جذور تعود إلى الحركة الاجتماعية الإيطالية التي أسسها فاشيون سابقون...
إيطاليا تمر بامتحان صعب، ومعها الاتحاد الأوروبي... وثمة من يرى أن الحرب في أوكرانيا غيّرت وسوف تغيّر الديناميكيات السياسية والاقتصادية من حولها، وعندما تنتهي سيكون في أوروبا مشهد مختلف، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.


تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلنت فرنسا تأجيل قمة مجموعة السبع «جي 7»، هذا العام؛ لتجنب تعارضها مع المباراة النهائية للفنون القتالية المختلطة «يو إف سي»، المقرر إقامتها في البيت الأبيض في 14 يونيو (حزيران) المقبل، للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثمانين، وفقاً لتقرير مجلة «بوليتيكو» الإخبارية، اليوم الجمعة.

ونقلت «بوليتيكو» تقريرها عن مسؤولين مطّلعين ببرنامج قمة «جي 7»، مضيفة أن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن التأجيل الذي سيكون ليوم واحد جاء بعد «مشاورات مع الشركاء في مجموعة السبع».

يشار إلى أن الرابع عشر من يونيو هو أيضاً يوم العلم في الولايات المتحدة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية»، كانت باريس قد أعلنت سابقاً أن اجتماع قادة الاقتصادات الديمقراطية الرائدة، هذا العام، سيُعقد في الفترة من 14 إلى 16 يونيو، في إيفيان-ليه-بان، على الضفة الفرنسية الجنوبية لبحيرة جنيف.