مساعدات أميركية بـ270 مليون دولار... وصواريخ «هيمارس» تغيِّر وتيرة الحرب في دونباس

سوليفان: الفجوة بين قدرات روسيا العسكرية وأهدافها في أوكرانيا تتزايد كل شهر

قال جون كيربي منسق الاتصالات في مجلس الأمن القومي إن الولايات المتحدة قدمت حزمة جديدة لأوكرانيا بقيمة 270 مليون دولار تشمل أربعة أنظمة صواريخ «هيمارس» ما يرفع عددها إلى 16 (رويترز)
قال جون كيربي منسق الاتصالات في مجلس الأمن القومي إن الولايات المتحدة قدمت حزمة جديدة لأوكرانيا بقيمة 270 مليون دولار تشمل أربعة أنظمة صواريخ «هيمارس» ما يرفع عددها إلى 16 (رويترز)
TT

مساعدات أميركية بـ270 مليون دولار... وصواريخ «هيمارس» تغيِّر وتيرة الحرب في دونباس

قال جون كيربي منسق الاتصالات في مجلس الأمن القومي إن الولايات المتحدة قدمت حزمة جديدة لأوكرانيا بقيمة 270 مليون دولار تشمل أربعة أنظمة صواريخ «هيمارس» ما يرفع عددها إلى 16 (رويترز)
قال جون كيربي منسق الاتصالات في مجلس الأمن القومي إن الولايات المتحدة قدمت حزمة جديدة لأوكرانيا بقيمة 270 مليون دولار تشمل أربعة أنظمة صواريخ «هيمارس» ما يرفع عددها إلى 16 (رويترز)

يؤكد مسؤولون دفاعيون أميركيون، أن القوات الأوكرانية، تمكنت في الأيام والأسابيع الأخيرة، بعد استخدامها الناجح لمنظومات «هيمارس» الصاروخية، من استهداف أكثر من 100 هدف عسكري روسي «عالي القيمة». ويؤكد هذا الإعلان، ادعاءات سابقة للجيش الأوكراني، عن استهداف مواقع روسية، كان عددها أقل. وقال مسؤول دفاعي كبير، مساء الجمعة، إن أوكرانيا قصفت بالفعل أكثر من 100 هدف عسكري، بما في ذلك مواقع القيادة، ومستودعات الذخيرة، ومواقع الدفاع الجوي، والرادار وعقد الاتصالات، ومواقع المدفعية بعيدة المدى. في هذا الوقت، قال جون كيربي منسق الاتصالات في مجلس الأمن القومي، إن الولايات المتحدة قدمت حزمة جديدة بقيمة 270 مليون دولار، تشمل أربعة أنظمة صواريخ «هيمارس»، ما يرفع عددها إلى 16. وتتضمن الحزمة أيضاً 36 ألف طلقة من الذخيرة لمدافع الهاوتزر، وما يصل إلى 580 طائرة من دون طيار من طراز «فينيكس غوست»، ما يرفع قيمة المساعدات الأميركية الإجمالية إلى 8.2 مليار دولار حتى الآن. وقال كيربي إن إمداد أوكرانيا بالأسلحة، «هو عملية مستمرة»، وتتم «في الوقت الفعلي تقريباً، حيث نواصل متابعة الأحداث في ساحة المعركة والتحدث مع الأوكرانيين حول ما يحتاجون إليه». ويطالب المسؤولون الأوكرانيون بالعشرات من أنظمة «هيمارس» لمساعدتهم في شن هجوم مضاد على القوات الروسية. غير أن كيربي امتنع عن ذكر الحد الأقصى الذي ستقدمه الولايات المتحدة من تلك المنظومات، علماً بأن رئيس أركان القوات الأميركية الجنرال مارك ميلي، كان قد أشار قبل يومين إلى احتمال أن يصل العدد قريباً إلى 20 منظومة. وقال كيربي: «كما سمعتني أقول مرات كثيرة، نحن في حوار دائم مع الأوكرانيين، كل يوم تقريباً على مستويات مختلفة في التسلسل القيادي، ونتحدث عن احتياجاتهم من القدرات حتى نتمكن من الاستجابة قدر الإمكان».
وأشاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بالمساعدة العسكرية الأميركية الجديدة، ممتدحاً دور منظومات «هيمارس» في تغيير مسار الحرب في إقليم الدونباس، من خلال عمليات التسليم المقبلة للمزيد من الصواريخ والمركبات والطائرات من دون طيار. وذكر زيلينسكي في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، السبت: «أشكرك أيها الرئيس بايدن على حزمة المساعدات الدفاعية الجديدة لأوكرانيا. الأسلحة القوية، ذات الأهمية الحاسمة، ستنقذ أرواح جنودنا وتسرع من تحرير أرضنا من المعتدين الروس. أنا أقدّر الصداقة الاستراتيجية بين بلدينا. معاً لتحقيق النصر!».
من جانبها، حذرت روسيا أميركا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) من أن إمداد الأسلحة لأوكرانيا لن يؤدي إلا لإطالة أمد الحرب.
وقال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي يوم الجمعة، خلال مشاركته في منتدى «آسبن» الأمني: «إن الفجوة بين القدرات العسكرية الروسية وأهدافها في أوكرانيا، تتزايد مع مرور كل شهر». وأضاف أن الفضل يعود إلى كل من الأوكرانيين، و«الكم الهائل من الأسلحة المتطورة والتدريب عليها التي قدمتها الدول الغربية». وقال سوليفان إنه لو كان مسؤولاً أوكرانياً كبيراً، فإنه سيطلب المزيد من الأسلحة لبلده، كما فعل الرئيس زيلينسكي وإدارته. وقال: «من لن يكون وطنياً لبلده؟»، «هذه هي وظيفتهم». وأكد سوليفان أنه لا يعتقد أن الولايات المتحدة لديها «نقص في الإمداد» لأوكرانيا.
في هذا الوقت، قال مسؤول دفاعي أميركي كبير، إن القوات الأوكرانية، نجحت في الضغط على القوات الروسية، التي تكبدت ما لا يقل عن 15 ألف قتيل عسكري منذ فبراير (شباط)، وتعاني من مئات القتلى والجرحى كل يوم، وفقاً لتقديرات أميركية وغربية. وكشف المسؤول الدفاعي للصحافيين مساء الجمعة، أن تلك الخسائر تشمل مقتل آلاف الضباط من رتب عدة والكثير من الجنرالات. وأكد أن أوكرانيا قصفت بالفعل أكثر من 100 هدف عسكري روسي «عالي القيمة»، بما في ذلك مواقع القيادة، ومستودعات الذخيرة، ومواقع الدفاع الجوي، والرادار وعقد الاتصالات، ومواقع المدفعية بعيدة المدى. وقال إنه بينما تواصل روسيا إطلاق آلاف القذائف المدفعية يومياً، فإن موسكو «لا تستطيع الاستمرار في ذلك إلى الأبد»، بعدما زجّت بنحو 85 في المائة من جيشها في الحرب، وتركت مناطق أخرى من روسيا من دون قوات عسكرية. وأضاف: «لقد استهلكوا الكثير من ذخائرهم الأكثر ذكاءً... قدراتهم تزداد غباءً». وفيما تكرر روسيا القول إنها تمكنت من تدمير بعض منظومات «هيمارس»، أكد المسؤول أن القوات الروسية لم تتمكن حتى اليوم من إصابة أي منظومة صاروخية من طراز «هيمارس»، (التي تتمتع بقدرة تحرك وهروب عالية)، على الرغم من أنه «من المحتمل أن يحالفهم الحظ، ويفعلوا ذلك في مرحلة ما». وأضاف أن البنتاغون يرى مؤشراتٍ على أن الجيش الروسي يحاول التكيف مع الهجمات الأوكرانية، للتخفيف من قدرة الجيش الأوكراني على الهجوم، عبر تحريك قواته بشكل متكرر واستخدام التمويه لإخفاء الوحدات والأسلحة. ورغم ذلك، قال إن تأثير هذه التكتيكات «لا يبدو جيداً... نحن نعلم من الطريقة التي يقاتل بها الروس أنهم بحاجة إلى شخص ما ليخبرهم بما يجب عليهم فعله، وعندما تكون قادراً على قتل الشخص الذي يعطيك الأوامر، يمكنك منعهم أيضاً من مواصلة الحرب»، في إشارة إلى عمليات التمرد التي تحصل في الكثير من الوحدات الروسية التي يرفض أفرادها مواصلة القتال. وكرر المسؤول الدفاعي تأكيدات المسؤولين الأميركيين، الذين أشاروا إلى أن صواريخ «هيمارس» ليست حلاً عجائبياً، وليست «رصاصة فضية»، ستقلب موازين المعركة، لكنها تجعل من الصعب على روسيا القيام بعمليات هجومية، فيما المعلومات تشير إلى أنها بدأت حفر الخنادق في مكان تموضعها، ما يشير إلى أن الهجوم قد لا يتواصل. وقال المسؤول إن روسيا لم تحقق مكاسب كبيرة الأسبوع الماضي، وإن القوات الأوكرانية بدأت في استعادة أجزاء من بعض القرى حول مدينة خيرسون الجنوبية، التي استولت عليها روسيا في الأيام الأولى من الحرب. وأضاف أنه تجري مناقشات مع الحلفاء حول كيفية إمداد أوكرانيا بطريقة مستدامة وطويلة الأجل، بما فيها تقديم الطائرات، الأمر الذي كان قد أشار إليه رئيس أركان القوات الجوية الأميركية الجنرال تشارلز براون، قبل أيام.
وكتبت المخابرات العسكرية البريطانية في تغريدة لها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، السبت: «تسببت الضربات الأوكرانية الإضافية في إلحاق المزيد من الأضرار بجسر (أنتونيفسكي) الرئيسي، على الرغم من أن روسيا أجرت إصلاحات مؤقتة. واعتباراً من الجمعة كان من شبه المؤكد أنه مفتوح لبعض حركة المرور». وتابعت المخابرات: «لم يكن من الممكن التحقق من مزاعم المسؤولين الأوكرانيين بأن روسيا تستعد لبناء جسر عائم عسكري بديل عبر نهر دنبرو»، وأضافت المخابرات: «يعطي الجيش الروسي أولوية للحفاظ على قدرته العسكرية الخاصة بالجسور، لكن محاولةً لبناء معبر على نهر دنبرو ستكون عملية محفوفة بمخاطر عالية للغاية».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...