الزوجان بول نيومان وجوان وودوارد في فيلم وثائقي

أخرجه إيثان هوك واستعان فيه بعدد كبير من نجوم هوليوود

بول نيومان وجوان وودورد في المنزل (غيتي)
بول نيومان وجوان وودورد في المنزل (غيتي)
TT

الزوجان بول نيومان وجوان وودوارد في فيلم وثائقي

بول نيومان وجوان وودورد في المنزل (غيتي)
بول نيومان وجوان وودورد في المنزل (غيتي)

يبدأ إيثان هوك عرض «آخر نجوم السينما»، فيلمه الوثائقي الذي يمتد عبر 6 ساعات حول بول نيومان وجوان وودوارد، بمؤتمر مرئي. وبإلقاء نظرة خاطفة على حاسوبه المحمول، وشعره المسترسل على كتفيه، كان يرحب بموكب غير رسمي مماثل من الممثلين لمشروعه: جورج كلوني، ولورا ليني، وبيلي كرودب، وأوسكار أيزاك، وزوي كازان، وسالي فيلد، وسام روكويل والعديد من الآخرين. بدا الأمر وكأنه تجمع لفريق من الممثلين حول طاولة لقراءة السيناريو في الصباح الباكر.

بول نيومان وجوان وودوارد يطبعان أيديهما في الإسمنت ضمن تكريمهماعام 1963 في المسرح الصيني بهوليوود (غيتي)

تدور قصة «آخر نجوم السينما»، الذي بدأ عرضه يوم الخميس على قناة «إتش بي أو ماكس»، حول اثنين من أكثر فناني أميركا تكريماً، وأشهرهم من حيث الأداء، فضلاً عن قصة زواج علني ومحفوف بالمتاعب للغاية طيلة نصف قرن من الزمان. إنها حكاية معقدة ومترامية الأطراف، وهوك - الذي تولى الأمر بناء على طلب أحد أطفال نيومان ووودوارد - يستجيب للتحدي بمقاربة شاملة وغير رسمية على حد سواء. يقوم بتعريف رمزين رائعين، من دون محاولة المطابقة بينهما. وهو يتبنى دور المعجب المتحمس للغاية من رواد الاحتفالات.
وجاءت النتيجة، رغم فقدانها الزخم المطلوب عبر حلقاتها الست، ساحرة وممتعة وجاذبة للمشاهدين؛ فالمسلسل، في جزء منه، عبارة عن سيرة ذاتية تقليدية وفق الترتيب الزمني، ويظهر نيومان ووودوارد باستمرار على الشاشة في الأفلام ومقاطع التلفزيون والمشاهد والمقابلات والأفلام المنزلية. إنها كمثل الكتلة الحرجة من الجمال والشخصية التي لا يمكن للعديد من الأفلام الوثائقية مضاهاتها.
لكن ما يجعل العرض مختلفاً هو المجموعة الكبيرة من زملاء هوك المشاركين. ويحل محل الأكاديميين من ذوي العلم والخبرة الذين غالباً ما نجدهم في الأفلام الوثائقية التاريخية، وجزء من عملهم أن يصبحوا محاورين وموجهي المواد الصوتية لخدمة تأملات السيد هوك حول حياة نيومان ووودوارد وحياتهما المهنية.

بول نيومان وجوان وودوارد في أحد أفلامهما

لكن في الغالب، هم ليسوا هناك للتحدث وإنما للعمل. ولقد حصل هوك على الفرصة للاطلاع على نصوص سلسلة من المقابلات التي أجريت في إطار التاريخ الشفهي الذي لم ينجزه نيومان قط (من المقرر نشر كتاب يستند إلى تلك المواد في الخريف المقبل). إذن، تُسرد القصة على الشريط الصوتي من خلال مقتطفات من هذه المقابلات الحية والصريحة بصورة مدهشة، التي قرأها فريق هوك: كلوني في دور نيومان، وليني في دور وودوارد، وبروكس أشمانسكاس في دور غور فيدال، وفنسنت دونوفريو في دور كارل مالدن، وبوبي كانافالي في دور إيليا كازان، وما إلى ذلك. السيرة الذاتية لممثلين بارعين تتحول إلى تمرين رائع في الأداء.
أكثر ما سوف يلفت الانتباه في فيلم «آخر نجوم السينما» على الأرجح هو روايته عن الحياة الشخصية الصعبة لنيومان ووودوارد: إذ استمرا في علاقة غير شرعية لمدة خمس سنوات بينما كان مقترناً بزوجته الأولى، وويلات إدمانه على الكحول، والضرر الناجم عن افتقاره للشعور بالأمان (وفي وقت لاحق بالنسبة له: سباق السيارات والأعمال الخيرية).
لكن الأجزاء الأكثر إثارة للاهتمام تأتي مبكراً؛ عندما كانا ممثلين شابّين وطموحين. هناك زخم كبير، وجزل مستمر، في حسابات استوديو الممثلين، ونمط الحياة في نيويورك في خمسينات القرن الماضي، والصور غالباً أكثر قوة لكونها غير مألوفة: نيومان على ظهر حصانه في اختبار أداء فيلم «أوكلاهوما!»، أو في زي ملائم للفترة الزمنية لظهوره السينمائي المحرج لأول مرة في فيلم «الكأس الفضية». وكلما صارت القصة أكثر قتامة بمرور السنين، فقد المسلسل قدراً من حيويته، وكأنه أشبه بمسيرة إجبارية عبر كتالوجات النجمين للأعمال السينمائية والتلفزيونية. كلما ابتعد الموضوع عن التمثيل لا يبدو هوك مرتاحاً، أو ربما مهتماً.

ملصق فيلم «آخر نجوم السينما»

كما أنه تعوقه الحقيقة المؤسفة القائلة إن العديد، إن لم يكن أغلب، الأفلام التي أنتجها نيومان ووودوارد، بما في ذلك أكبر النجاحات التي حققها نيومان، كانت أقل من مستوى مواهبهما. إنها غالباً تمر من دون تعليق بأننا نشاهد لقطات من فيلم سيئ بعد آخر، رغم أن هوك لا يخجل منها تماماً. والواقع أن فيلم «الجحيم الشاهق» لعام 1974، وكان من الأعمال السهلة، جاء مشوهاً. وبقدر أكبر من الجرأة، ينتقل هوك إلى فيلم «بوتش كاسيدي وصن دانس كيد» لعام 1969. باقتباس تعليق المخرج الأميركي مارتن ريت، ذلك الاقتباس الذي يزدري الفيلم الرائج وقتذاك بإشادة تافهة للغاية.
يمكن فهم قصور الأداء في الأفلام من خلال ما يُقصد بوضوح بأنه إشادة خفية. والأمر الأكثر أسفاً، وربما مفاجأة، بالنظر إلى تركيز هوك على التمثيل، أن عودة ظهور نيومان الاستثنائية في أواخر حياته المهنية، عبر أفلام من شاكلة «فورت أباتشي برونكس»، و«الحُكم»، و«السيد والسيدة بريدج» (مع وودوارد) جاءت مكدسة ضمن مجريات الحلقة الأخيرة من السلسلة الوثائقية وغير محددة بوضوح. وكان القيام بذلك يعني الإشارة إلى عدد المرات التي تواصل فيها نيومان هاتفياً عبر العقود السابقة. ونحن نستمع لذلك من صوت وحيد: نيومان ذاته. إذ نادراً ما كان لديه شيء جيد أو لطيف ليقوله عن نفسه أو أعماله.
شكّل أطفال نيومان ووودوارد، ومن زواج نيومان الأول، حضوراً قوياً للغاية، لا سيما في الحلقات اللاحقة، لكن أكثر التعليقات جرأة وفجاجة ووضوحاً، وغالباً ما تكون مضحكة، تأتي من المقولات المنمقة القديمة للفنانين، خاصة ووودوارد. (واحدة من الأشخاص القليلين الأوائل الذين أجريت معهم المقابلات ولا تزال على قيد الحياة، تبين أنها مُصابة بمرض ألزهايمر، منذ عام 2007، قبل عام واحد من وفاة نيومان). ولم يكن خفياً قط أنها كانت طوال أغلب وقتهما معاً، ممثلة أفضل موهبة من زوجها الأكثر شهرة بكثير، وأن حياتها المهنية بدأت في التراجع، عندما أخذت على عاتقها أغلب أعباء الاعتناء بأولادهما.

نيومان وجوان على السجادة الحمراء في حفل توزيع جوائز الأوسكار عام 1969 (غيتي)

ولكن ما زال من المثير للانتباه أن تسمع، حسب تعبيرها، كيف أنها رأت الفوارق بكل وضوح، ومدى عمق إحساسها بها.
ويتساءل هوك: «كيف كان شعورك بأن تكون مثلهما؟»، وتأتيك الإجابة على الأرجح بأنه كان يشبه كثيراً أن نكون نحن (عسير ومخيف، سعيد ومغامر) مع ارتفاع النبرة الصوتية. الفرق الجلي للغاية لا علاقة له بالشهرة أو الإنجاز وإنما بالشغف: نيومان ووودوارد كانا شغوفين ببعضهما البعض لأكثر من 50 عاماً، ومن خلال المأساة، والخيانة، والسُّكر، والغيرة المهنية. تسمعون ذلك في كلماتهما وترونه في أعمالهما، صافياً للغاية، لا سيما عندما يكونان معاً على الشاشة.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: يمنحني التمثيل حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر

خاص الممثلة الفرنسية جولييت بينوش (إ.ب.أ)

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: يمنحني التمثيل حرية مطلقة لأن أكون الشخص الآخر

في السينما؛ هي نموذج للممثلة التي تختار أدوارها بعناية؛ من أدوارها الأولى، مثل «حياة عائلية» (1986) و«مرتفعات وذرينغ» (1992)، إلى أعمالها في السنوات الأخيرة...

محمد رُضا‬ (كان (فرنسا))
يوميات الشرق فيلم «أسد» لمحمد رمضان يُعرض في موسم عيد الأضحى (الشركة المنتجة)

ضجة في مصر بعد انتقاد صناع «أسد» طريقة عرض الفيلم

أثارت انتقادات وجهها صناع فيلم «أسد» لطريقة عرض الفيلم بالصالات السينمائية خلال موسم عيد الأضحى ضجة في مصر.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عز في كواليس التحضير لـ«7DOGS (الشركة المنتجة)

أحمد عز: «7DOGS» يوازن بين الإبهار البصري والدراما الإنسانية

أكد الممثل المصري أحمد عز أن فكرة فيلمه الجديد «7DOGS» كانت قائمة على كسر الحدود التقليدية التي اعتادتها السينما العربية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الجزء الثاني يعرف تماماً ماذا أحبّ الجمهور سابقاً (أ.ف.ب)

«الشيطان يرتدي برادا 2»: بريق الأسماء لا يكفي

الفيلم الجديد يرى في إرثه مادة قابلة لإعادة التشغيل، وليس ذاكرةً سينمائيةً تحتاج إلى سبب عميق كي تُستَدعى مرة أخرى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يجمع فيلم «سفن دوجز» بين الأكشن والتشويق والإنتاج البصري الضخم (هيئة الترفيه السعودية)

جدة تحتضن العرض الأول لفيلم «سفن دوجز»

احتضنت جدة، مساء الخميس، العرض الأول لفيلم الأكشن العربي والعالمي «سفن دوجز»، الذي حقَّق انطلاقة جماهيرية قوية منذ يومه الأول في دور السينما السعودية والعربية.

«الشرق الأوسط» (جدة)

هافيرتز ينهي صيام آرسنال التهديفي في نهائيات دوري الأبطال بعد 20 عاماً

الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
TT

هافيرتز ينهي صيام آرسنال التهديفي في نهائيات دوري الأبطال بعد 20 عاماً

الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)

دخل الألماني كاي هافيرتز تاريخ آرسنال من أوسع أبوابه بعدما سجل الهدف الأول للفريق الإنجليزي في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان، حامل اللقب، خلال المباراة النهائية المقامة في بودابست.

وجاء هدف هافيرتز مبكراً في الدقيقة السادسة، ليمنح آرسنال أفضلية مبكرة، ويكسر صياماً تهديفياً طويلاً للنادي اللندني في المباريات النهائية للمسابقة القارية.

وأصبح هذا الهدف الأول لآرسنال في نهائي دوري أبطال أوروبا منذ هدف المدافع الإنجليزي الراحل عن الملاعب سول كامبل في نهائي عام 2006 أمام برشلونة الإسباني.

وكان آرسنال قد خسر ذلك النهائي بنتيجة 2 - 1، قبل أن يغيب عن المشهد الختامي للبطولة طوال العقدين الماضيين.

وخلال تلك الفترة، لم يتمكن الفريق اللندني من بلوغ النهائي مجدداً، بينما كان أفضل إنجاز له الوصول إلى الدور نصف النهائي في الموسم الماضي، قبل أن يودع البطولة على يد باريس سان جيرمان.

ويواصل هافيرتز تأكيد حضوره في المباريات الكبرى، بعدما سبق له تسجيل هدف الفوز لتشيلسي في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2021 أمام مانشستر سيتي، قبل أن يكرر ظهوره الحاسم هذه المرة بقميص آرسنال.

ويأمل «المدفعجية» أن يكون هدف النجم الألماني خطوة أولى نحو تحقيق أول لقب في دوري أبطال أوروبا بتاريخ النادي.


رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
TT

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

غيّب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام ليسدل الستار على حياة حافلة، وصفتها الأوساط الثقافية بـ«ذاكرة القرن العشرين المتنقلة».

ويُعدّ موران، الذي أكدت عائلته وفاته، أحد آخر العمالقة في مدرسة الفكر الإنساني المعاصر، تاركاً وراءه إرثاً فلسفياً وسوسيولوجياً ضخماً غيّر وجه النظر إلى العلوم والمعرفة الإنسانية عبر نظريته الشهيرة حول «الفكر المركب» (Pensée complexe).

ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المفكر الراحل، عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العقل العالمي والإنسانية المتجسدة»، بينما توالت برقيات العزاء من مختلف الأطياف السياسية والثقافية في أوروبا والعالم العربي، الذين رأوا في رحيله خسارة لواحد من أكثر الأصوات شجاعة ونزاهة في مقارعة الآيديولوجيات المغلقة والدفاع عن القضايا العادلة.

من مقاومة النازية إلى الانشقاق الآيديولوجي

ولد إدغار ناهوم (الذي اتخذ اسم موران لاحقاً) عام 1921 في باريس لعائلة يهودية من أصول سالونيكية يونانية. ولم تكن حياته مجرد تأملات هادئة بين جدران الجامعات، بل بدأت في أتون المواجهة، إذ انخرط شاباً في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، اختار اسم «موران» السري ليكون هويته الدائمة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

قادته حماسته الفكرية بعد الحرب إلى الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، مستبشراً بالعدالة الاجتماعية، غير أن روحه المتمردة وعقله الرافض للتدجين لم يصمدا طويلاً أمام القيود الستالينية. عارض موران التوجهات الديكتاتورية لـ«الرفاق»، فتم طرده من الحزب عام 1951. لم يتراجع، بل حول هذه الخيبة إلى مادة سوسيولوجية ملهمة، حيث أصدر كتابه الشهير «نقد ذاتي»، الذي أسّس فيه مبدأ المساءلة المستمرة للأفكار والذات، مبتعداً عن اليقينيات الزائفة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

هندسة «الفكر المركب» ومحاربة التبسيط

صنع موران مجده المعرفي الأصيل في أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) ومن هناك، أطلق مشروعه الفلسفي الأضخم المتجسد في موسوعته «المنهج» (La Méthode) التي صدرت في 6 أجزاء.

كان موران يرى أن الخطيئة الكبرى للعلوم الحديثة هي «التبسيط والاختزال»، أي فصل العلوم بعضها عن بعض، ولذلك دعا إلى «الفكر المركب» الذي يربط بين علم الأحياء، والتاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والسينما.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

في فلسفة موران، لا يمكن فهم الجزء دون الكل، ولا الكل دون الجزء. فكل إنسان يحمل الكوكب بأكمله في تفاصيله اليومية. ولم يتردد طوال حياته في التحذير من المخاطر الكونية التي تحدق بالبشرية، مثل التغير المناخي، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط بأخلاقيات، والتوحش الرأسمالي، معتبراً أن العالم يسير نحو «هاوية» ما لم يقم بـ«أنسنة الحضارة».

نصير فلسطين... شجاعة المواقف في وجه العاصفة

تميز موران بمواقف أخلاقية صلبت مكانته كمثقف عضوي في الشأن العام. ولم تشفع له أصوله اليهودية لدى الدوائر الصهيونية عندما انتقد بجرأة شديدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي عام 2002، نشر مقالاً مدوياً في صحيفة «لوموند» الفرنسية برفقة مثقفين آخرين، انتقد فيه حصار غزة وممارسات الاحتلال، معتبراً أن «ضحايا الأمس يتحولون إلى جلادي اليوم».

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

جرّت عليه هذه المقالة ملاحقات قضائية بتهمة «معاداة السامية»، خاضها موران بشجاعة مدعوماً بتضامن واسع من مجتمع الأكاديميين العالمي، إلى أن برّأته محكمة التمييز الفرنسية العليا. وظل، حتى الشهور الأخيرة من حياته، يرفع صوته تنديداً بالعدوان على قطاع غزة والمجازر المستمرة بحق المدنيين.

ملهمات الفكر والحياة: الشريكات في مسيرة قرن

لم تنفصل حياة موران الفكرية عن تفاصيل حياته العاطفية والزوجية التي شكلت رافداً لروحه الإنسانية. ارتبط في السبعينات بالفنانة والكاتبة الكندية الراحلة جوهان هاريل، التي شاركته شغفه بالفن والسينما الإثنوغرافية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

وفي العقود الأخيرة من عمره، عاش موران فصلاً معرفياً وإنسانياً استثنائياً برفقة زوجته عالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، التي تزوجها عام 2012. ولم تكن صباح شريكة حياة فحسب، بل كانت رفيقة فكرية صاغ معها مؤلفات مشتركة تدرس التحولات الاجتماعية والسياسية، ومثّلت جسراً ثقافياً عزز ارتباط الفيلسوف الراحل بالقضايا العربية وقيم الحوار الحضاري بين الضفتين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) يرحب بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (في الوسط) وزوجته صباح أبو السلام (يمين) خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه بباريس بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده (أ.ف.ب)

تواصل حتى الرمق الأخير

حتى مع تجاوزه عتبة المائة عام، لم يتقاعد عقل موران. ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب، وينشر المؤلفات، ويغرد لقرابة ربع مليون متابع على منصة «إكس»، معلقاً على الحروب المعاصرة والأزمات البيئية بكثير من الدهشة الطفولية والحكمة الإنسانية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يلقي كلمة في مقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 2 يوليو (تموز) 2021 (أ.ف.ب)

توفي الفيلسوف الأنيق، صاحب القبعات الشهيرة وربطات العنق الحريرية، تاركاً فراغاً لا يُعوّض في الفكر العالمي، ومثبتاً مقولته المفضلة في كتابه «دروس قرن من الحياة»: «الحياة لا تكون محتملة إلا إذا أدخلنا عليها شيئاً من الشعر، أي الكثافة، والفرح، والمحبة».


متسللة في الظلام... كيف تخرج السفن من مضيق هرمز؟

سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

متسللة في الظلام... كيف تخرج السفن من مضيق هرمز؟

سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

رغم أن مضيق هرمز ليس مفتوحاً، لكن بعض السفن – التي يتعاون عدد منها مع الجيش الأميركي – تُدرك أنه ليس مغلقاً تماماً أيضاً، وفق ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال». ففي الأسابيع الأخيرة عبرت أساطيل من السفن، بعضها من أكبر ناقلات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم، هذا المضيق «الخطير» في ظل الحرب الحالية، مما وفّر متنفساً بسيطاً للاقتصاد العالمي.

وتبحر بعض السفن «مُعطلة»، كما هو متعارف عليه في هذا القطاع؛ إذ تُطفئ الأنوار وتسافر دون تفعيل أجهزة الملاحة المعروفة باسم نظام التعريف الآلي (AIS)، الذي يساعد على منع التصادم. ويُصعّب تعطيل هذه الخدمة رصد السفن إلكترونياً، ويقلل من احتمالية تعرضها لهجمات إيرانية.

ولعبور المضيق، تحافظ بعض السفن على اتصالها مع الجيش الأميركي الذي يحاصر الموانئ الإيرانية، ويستخدم الرادار والطائرات المسيّرة وغيرها من الأدوات لمراقبة حركة الملاحة، ومساعدة السفن على العبور بأمان.

ووفقاً لمالكي السفن ومسؤولين أميركيين، تُقدّم الولايات المتحدة للسفن المشورة بشأن متى يجب عليها التوقف عن التواصل، وكيفية الرد على التهديدات الإيرانية.

اختبار لنفوذ طهران

ويُعدّ مرور السفن عبر المضيق دون أي أضرار اختباراً لسيطرة إيران على الممر المائي، واختباراً لنفوذ طهران على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، حيث لا تزال حرية الملاحة نقطة خلاف رئيسية.

وذكرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» ستُحافظ على السيطرة على الممر المائي وإدارته. وخلال الأسبوع الماضي، حاول «الحرس» زرع ألغام بحرية، وأطلق خمس طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه في محيط المضيق، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية.

وردّت الولايات المتحدة بإغراق زوارق زرع الألغام التابعة لـ«الحرس الثوري»، وقصف مواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ووصفت الولايات المتحدة هذه الضربات بأنها دفاعية، مؤكدةً استمرار وقف إطلاق النار مع إيران.

وفي المحادثات الجارية، أصرّت إيران على أنها ستلعب دوراً في الموافقة على حركة السفن مستقبلاً في المضيق، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم عبور، وهو الأمر الذي ترفضه واشنطن بشدة.

«الجميع ينتظر الفرصة»

وتواصلت ناقلة نفط يونانية عملاقة محملة بمليونَي برميل من النفط الخام مع الجيش الأميركي أثناء عبورها الممر المائي قبالة الساحل العماني في وقت سابق من هذا الأسبوع. وكانت السفينة عالقة في الخليج العربي منذ أوائل مارس (آذار)، وهي الآن متجهة إلى الهند لتسليم شحنتها.

وقالت ميشيل بوكمان، محللة الاستخبارات البحرية في شركة «ويندوارد»: «الجميع ينتظر فرصة سانحة لإخراج سفنهم». وبحسب أحد أفراد الطاقم وسجلات شركة «كيبلر» المتخصصة في تتبع حركة السفن، فقد نجحت السفينة «فيكستار» المملوكة لشركة صينية في عبور المضيق ليلاً في 17 مايو (أيار)، حاملةً أسمدة من الإمارات إلى البرازيل، بعد أن ظلت عالقة في الخليج لما يقرب من ثلاثة أشهر. وأوضح فرد الطاقم أن السفينة أوقفت نظام التعريف الآلي ليلاً، وأبحرت بمحاذاة سواحل عُمان.

ولا يزال عدد السفن التي تعبر المضيق يومياً ضئيلاً، مقارنةً بما كان عليه قبل الحرب، حين كان يعبره أكثر من 100 سفينة يومياً.