داريو أرجنتو أستاذ سينما الرعب الإيطالية

يعود بعد 12 سنة بفيلم من النوع ذاته

لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
TT

داريو أرجنتو أستاذ سينما الرعب الإيطالية

لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»
لقطة من أحدث أفلام أرجنتو «نظارات داكنة»

تشهد صالات الولايات المتحدة المتخصصة في الأسابيع القليلة المقبلة العروض التجارية الأولى في أميركا الشمالية لفيلم الإيطالي داريو أرجنتو الجديد «نظارات داكنة» (Dark Glasses) الذي كان شهد عرضه العالمي الأول في مطلع هذا السنة في مهرجان برلين السينمائي.
هو فيلم تشويقي كالعديد سواه، باستثناء أنه كذلك فيلم العودة لأحد كبار الإيطاليين في مجال سينما الرعب. هذا لأن أرجنتو لم يحقق عملاً منذ 12 سنة عندما وفّر لعشاق أفلامه والمخلصين من أتباعه فيلمه Dracula 3D الذي اشترك في بطولته الأميركي الراحل روتغر هاور وكان فيلم أرجنتو الوحيد بالأبعاد الثلاثة.

تأثير خارجي
اكتسبت أفلام أرجنتو إعجاباً كبيراً بين هواة هذا النوع منذ أن قام بإخراج فيلمه الأول «الطائر ذو الريش الكريستالي» (The Bird with the Crystal Plumage) سنة 1970 وازداد هذا الإعجاب فيلماً وراء آخر حتى كوّن له صيتاً قوياً في منتصف السبعينات عندما أخرج «أحمر قاني» (Deep Red). وبعد عامين من هذا الفيلم، أي سنة 1977. أنجز Suspiria الذي أعاد الإيطالي لوكا غوادانينو تحقيقه قبل خمسة أعوام بالعنوان نفسه وبنجاح فني أقل.
أرجنتو من مواليد روما سنة 1940 وأحب السينما لسبب وجيه هو أن والده سيلفاتوري أرجنتو كان منتجاً ناجحاً. كذلك كان أرجنتو الابن يستمع، في سنوات صباه الأولى، إلى حكايات عمّته قبل النوم. لم تكن حكايات السندباد ولا سندريلا أو بيتر بان، بل حكايات رعب قرأتها أو حفظتها وربما أضافت إليها ما اعتقدت أنه ينقصها. المهم أن الصبي تشرّب الحكايات وعندما قرر دخول العمل السينمائي تيمّناً بوالده وجد نفسه أمام تلك الذكريات التي تركت تأثيرها عليه.


داريو أرجنتو مع ابنته آسيا خلال التصوير

أقبل على حب السينما ثم انتقل الحال به إلى حب العمل فيها، استوعب كذلك، وحسب مذكراته التي ترجمت للإنجليزية سنة 2012. أفلام ألفرد هيتشكوك والألمانيين ف. و. مورنو وفريتز لانغ من بين المخرجين وروايات إدغار ألان بو وتوماس د كوينسي من بين الكتّاب الروائيين.
أسلوب أرجنتو ليس هو ذاته أسلوب هيتشكوك أو مورناو أو لانغ. يختلف عنهم في أنه استفاد من الحقبة الجديدة وظروفها التي كانت ممنوعة عنهم. ذلك لأنه عندما أقدم مورناو ولانغ على تحقيق الأفلام كانت السينما غير معنية بالعنف المباشر. كذلك فإن أفلام هيتشكوك عموماً (وهو الذي ورد للعمل بعد زميليه المذكورين) ابتعدت عن العنف والدم مستبدلاً ذلك بالإيحاء القوي بضراوة الجريمة، كما الحال في «سايكو» (1960).
في السبعينات بات كل شيء مباحاً أكثر على الشاشة وأرجنتو لم يجد مانعاً في أن يطرح أفلامه محمّلة بالقتل والدم والعنف لكن بالطبع ضمن معالجات غير رخيصة. لم يجاوره في ذلك بين الإيطاليين سوى لامبرتو بافا في بعض أعماله.
كان أرجنتو شارك في كتابة سيناريو «حدث ذات مرّة في الغرب» لسيرجيو ليوني (1968). منتج ذلك الفيلم، غوفريدو لومباردو، طلبه إلى مكتبه وسأله إذا ما كان يستطيع إعادة كتابة سيناريو آخر بعنوان «طائر بريش كريستالي» وهو المشروع الذي أعجب أرجنتو واقترح القيام بإخراجه.
هذا الفيلم يحمل في طيّاته نوعين متجاورين: هو فيلم رعب بالنسبة للجرائم التي يحتويها ومشاهد القتل التي اختارها المخرج لمعالجة تلك المشاهد، وفيلم تحريات أيضاً كون بطل الفيلم تحرياً خاصاً، ولو أنه مختلف عن التحريين الخاصين الآخرين في السينما على نحو شديد.


مشهد من «سوسبيريا»

يكشف المؤرخ أكزافيير مندِك أن هذا الجانب البوليسي مستوحى من سلسلة أعمال بوليسية انتشرت في تلك الفترة واشتهرت باسم Giallo ( ومعناها روايات صفراء، نسبة للون أغلفة تلك السلسلة). المنحى الخاص لأرجنتو ليس التغني ببطولة التحري الخاص، ولا بالشرطة الرسمية كذلك، بل عرض استنتاجاتهم الخاطئة وقصورهم في تحليل الوقائع. هذا ما تكشف عنه نهاية «طائر بريش كريستالي» عندما يدرك بطل الفيلم أن المجرم المتسلسل ليس سوى من كان شاهدها تتعرَّض لمحاولة قتل في مطلع الفيلم ما صرفه عن الريب بها وملاحقة الشخص الخطأ.
بذلك يتبع الفيلم حلقة من أدبيات القتل في الرواية (ولاحقاً في الأفلام) بدأتها أغاثا كريستي عبر روايتها الشهيرة «عشرة هنود صغار» (Ten Little Indians) المنشورة سنة 1939. كذلك سبق الإيطالي ماريو بافا داريو أرجنتو عندما أنجز «دم ورباط أسود» (Blood and Black Lace) سنة 1964.

بين الأصلي والمزيّف
عاد أرجنتو وكرر المفاد ذاته في فيلميه اللاحقين The Cat O‪›‬Nine Tails وFour Flies on Grey Velvet حيث يبني الرجل الذي يصر على ملاحقة مرتكب الجريمة قضيّته على اعتقادات خاطئة من دون أن يعلم. ومن دون أن يعلم المُشاهد كذلك. لهذا تأتي مَشاهد الختام اكتشافاً له وللمشاهدين معاً.‬
في هذين الفيلمين بدأ أرجنتو بالتوسع في استخدام تقنيات البؤرة التي تعكس وجهة نظر شخص ثالث الذي قد يكون القاتل وقد يكون المُشاهد نفسه. الكاميرا التي تتبنّى هذا التشخيص تصبح العين الثالثة التي تضع القاتل والمتفرّج في خط مستقيم واحد، كل منهما يتابع ما يدور ويشترك به. بذلك هو، مثل هيتشكوك أحياناً والأميركي برايان دي بالما في أفلامه الأولى التي تأثر فيها بأفلام هيتشكوك بوضوح، عمد إلى مفهوم «البصبصة» بحيث يصبح المُشاهد طرفاً فيما يدور وليس مجرد ناظر إليه.
هذا المبدأ مارسه أرجنتو مجدداً في «أحمر قاني» (علاقة أرجنتو باللون الأحمر مشهودة في كل فيلم من أفلامه. تحتل الصدارة بين الألوان بصرياً وكدلالة) قبل أن ينطلق في جهد مضاعف في هذا الاتجاه عندما قام بتحقيق «سوسبيريا» سنة 1977.
«سوسبيريا» أكثر تعقيداً من أي فيلم سابق والبحث عن القاتل/ القاتلة من قِبل رجل عاجز عن التصرّف بمعزل عن العقد النفسية والجنسية التي تتحكّم به، يتّسع لأن الحكاية انتقلت من الشارع والبيت إلى أكاديمية لتعليم الرقص تحكمها شريرات يقتنصن الفرص لقتل ضحاياهن. يواكب هذه النقلة المزيد من شراسة القتل والعنف بحيث لا يترك المخرج مشاهديه في راحة مطلقة. الضحايا قد تكون امرأة أو رجل أو حتى شخص أعمى (كما في أحد المشاهد). القتلة لا ترحم وأرجنتو لا يريد أن يرحم مشاهديه أيضاً.
طبعاً، مثل هذا التوجّه لا بد أن يعني أن المخرج لا يملك خلفية فنية بقدر ما يملك خلفية في الهوس الدموي. لكن أرجنتو يمارس ما يمارسه بطلاقة أسلوبية متماسكة ويستخدم السوريالية ليس كمشاهد فقط، بل كلبنة فعلية في عمله. على هذا، بقي السؤال الشاغل بالنسبة لنقاده هو إذا ما كانت أعماله محض أفلام جماهيرية (ولمُشاهدين محددين) أو هي جزء من موجة خلطت بين الفن والتجارة في تلك الفترة.
في كل الأحوال فإن «سوسبيريا» حسب أرجنتو، أفضل بكثير من النسخة التي أخرجها لوكا غوادانينو سنة 2018. هذا عائد إلى أن أرجنتو وضع تيمة وحفظها من الهوان بابتكار المشاهد التي تستطيع أن تدعمها من دون خلل. النسخة الحديثة تحكي الحكاية ذاتها، لكنها تتطلع دوماً للتوسع خارجها. نتيجة ذلك تختلف المفادات بأسرها. في نسخة أرجنتو العامل السياسي، كون الأحداث تقع في إطار أكاديمية ألمانية، يبقى موحياً به. في نسخة غوادنينو فإن الرابط بين الأكاديمية ورسالة سياسية ضد الألمان مجرد انتهاز فرصة للنيل منهم بأسلوب حكايات هوليوودية سابقة.
عنصر آخر تدفع لتحبيذ نسخة أرجنتو على نسخة غوادانينو، أن الأول وضع كل فيلمه من منظور حلم سوريالي قد تفيق منه لتجد أنك كنت ترتعش خوفاً من وهم. هنا لا يوجد غطاء من هذا النوع ولا من نوع آخر بل سرد لمشاهد يراد لها أن تكون غريبة لمجرد أنها تنفيذ لتلك الغاية. القتل هنا مباح لذاته والرغبة في منحه لمسة فنية تفشل في نتائجها.

عمياء في خطر
فيلم أرجنتو الجديد، «نظارات داكنة»، لا يخرج كثيراً عن أفلام المخرج السابقة. في الواقع لا يأتي بجديد فعلي فوق ما سبق شرحه. الشخصيات التي يتمحور الفيلم حولها كانت وردت في أفلامه السابقة: وهي تشمل شخصية رجل متعب بما في داخله من هواجس وعاجز عاطفياً وذهنياً عن فعل الشيء الصحيح. وفتاة بريئة يلاحقها قاتل شرس. لن تكون الضحية الوحيدة، إذ إن القاتل منصرف إلى قتل نساء أخريات. هنا فرصة المخرج لدم مباح.
يختار أرجنتو حكاية المرأة التي فقدت بصرها إثر محاولة القاتل، ولأسباب تتعلّق بهوسة، صدمها بسيارته. هذا نراه في مطلع الفيلم الذي هو أحد أكثر مشاهد الفيلم عنفاً. بعد ذلك يمضي المخرج وقتاً لا بأس بمدّته ينصرف فيه لمواكبة بطلته (إيلينيا باستوراللي) في محاولتها التأقلم مع وضعها الجديد تساعدها في ذلك مشرفة متخصصة (آسيا أرجنتو). ينجح المخرج بعد ذلك في التقاط خط التشويق مجدداً لأن القاتل أدرك أن من حاول قتلها ما زالت حيّة وسيعمد للنيل منها. لكن هذا التشويق مرحلي بدوره وكتابته تقليدية كذلك إخراجه.
يتضح هنا أن أرجنتو لم يحد كثيراً عن بداياته. ليس أن شخصياته متكررة فقط، بل كذلك دوافعها ومفاهيمها وما تقوم تلك الشخصيات عليه من سلوكيات تبعاً لحالاتها النفسية. بذلك، يمكن، وإلى حد بعيد، اعتبار أن أفلام هذا المخرج ما هي إلا تكرار دائم لمقوّلات ظهرت في فيلمه الأول أو كما قال مدير التصوير الراحل فيتور ستورارو عنه (وهو صوّر له أول أفلامه): «الفيلم الأول هو الأساس لكل أفلام أرجنتو اللاحقة».



جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.