مارلين مونرو وآرثر ميلر... العلاقة الصعبة بين الكتابة «الصامتة» والجمال «الصارخ»

وراء نجوميتها الواسعة كانت تتخفى رياح العزلة السوداء

زواج مارلين مونرو وآرثر ميلر عام 1956
زواج مارلين مونرو وآرثر ميلر عام 1956
TT

مارلين مونرو وآرثر ميلر... العلاقة الصعبة بين الكتابة «الصامتة» والجمال «الصارخ»

زواج مارلين مونرو وآرثر ميلر عام 1956
زواج مارلين مونرو وآرثر ميلر عام 1956

قد تكون العلاقة العاطفية التي انتهت بالزواج بين نجمة الإغراء الأميركية الشهيرة مارلين مونرو، والكاتب المسرحي آرثر ميلر، واحدة من أكثر العلاقات غرابة وإثارة للجدل وانغلاقاً على كثير من الملابسات في القرن العشرين. ذلك أن الفجوة التي تفصل بين رؤيتي الطرفين للعالم، أو بين طريقتيهما المتغايرتين في الحياة، هي من العمق والاتساع بما يكفي لجعل الأسئلة التي تدور في أذهان كثير من البشر مبررة ومستساغة. ليس فقط بسبب التفاوت الكبير بين شعبية الجمال المفرط الذي تجسده مارلين، والذي يهرع لمشاهدته الملايين، وبين نخبوية الكتابة التي يمثلها ميلر، بل لأن الخلق الإبداعي يتطلب الإخلاد إلى «ليل المعنى»، في حين أن الجمال المفرط يؤثر الإقامة في «عين الشمس»؛ حيث يتاح له أن يرى ضوءه في المرايا، ويتلذذ برؤية ضحاياه والمفتونين بوهجه. كما أن الجمال الفائض عن الحد «صارخ» بطبيعته، في حين أن الإبداع الحقيقي يحييه الصمت ويميته الصراخ.
وفي هذه المنازلة غير العادلة بين الكتابة والحياة - المعيشة، يجد المبدعون أنفسهم محكومين بنوع من التناقض الفصامي، بين ما يظهرونه في العلن من تبرم بالنجومية التي تمثلها المغنيات والممثلات وعارضات الأزياء، وبين ما يكنونه في دواخلهم من انبهار بهذه الرموز والرغبة في الاقتراب منها. وما زلت أذكر في هذا السياق، الطريقة التي روى بها محمود درويش، في إحدى الجلسات البيروتية التي جمعتنا، قصة لقائه «المثير» بهيفاء وهبي، بعد أن عملت صديقة مشتركة للطرفين على تحقيق ذلك. إذ إن صاحب «الجدارية»، وقد عثر بذكائه اللماح على ما تنم عنه وجوهنا اللهفى من إمارات الفضول والدهشة المقرونة بشيء من الحسد، راح يبالغ في وصف جمال هيفاء وجاذبيتها التي لا تقاوم، ما دفع الحاضرين إلى التلمظ، وطلب الحصول على مزيد من تفاصيل اللقاء. مقابل هذه الحادثة اللافتة في دلالاتها، ثمة حادثة مقابلة رفض خلالها إعلامي معروف النظر إلى وجه هيفاء أو التحدث إليها، خلال حوار تلفزيوني جمعهما، بدعوى غرقها في السطحية والابتذال السلوكي وتهالكها على النجومية، وهي التي كانت مطاردة آنذاك، بعدد غير قليل من الفضائح والشائعات.
والواقع أن هاتين الواقعتين تشكلان بما تحملانه من دلالات متغايرة أحد المداخل الهامة لفهم العلاقة العاطفية الشائكة التي ربطت بين آرثر ميلر ومارلين مونرو، الرمز الأكثر سطوعاً للإغواء الأنثوي. فما الذي أراد كل منهما أن يحققه، وهما يطلان على العالم من جهتين متغايرتين تماماً؟
لكن الإجابة عن مثل هذ السؤال المتكرر، تتطلب إضاءة ولو سريعة على ظروف ميلر ومونرو، وعلى الخلفية الاجتماعية والثقافية التي تحكمت بسلوكيات الطرفين. فميلر المولود عام 1915 كان ينتمي لعائلة ميسورة الحال قبل أن تطيح الأزمة الكبرى التي عصفت بالاقتصادين الأميركي والعالمي عام 1929، بكل ما جنته العائلة من أموال. وهو ما اضطره إلى مزاولة أعمال ومهن شاقة ومتواضعة، قبل أن يلتحق بجامعة ميشيغن، ويبدأ خطواته الأولى على طريق الكتابة المسرحية. وإذا كانت مسرحيته «موت بائع متجول» قد حققت نجاحات واسعة آنذاك، فإن ميوله اليسارية تسببت له بكثير من المتاعب، وبخاصة في الفترة المكارثية التي تم خلالها سوق آلاف اليساريين المشتبه بشيوعيتهم إلى مكاتب التحقيق.
أما طفولة نورما جين، الاسم الأصلي لمارلين، فلم تكن هانئة ومعبدة بالورود. إذ لم تكن الفتاة قد ولدت بعد، حين اكتشفت الأم خيانة زوجها لها، طاردة إياه من المنزل متأبطاً ولديه الاثنين إلى غير رجعة. وحين توفي الأب لاحقاً إثر حادث سير مروع، كان على نورما أن تعمل خادمة في غسل الأطباق. وحين أدخلت الأم بسبب خلل عقلي إلى إحدى المصحات، تم نقل الابنة إلى ملجأ للأيتام؛ حيث تعرضت للاغتصاب، قبل أن تعمل عمتها على تزويجها من الشرطي جيمس دورتي قبل بلوغها سن الرشد بسنوات ثلاث. لكن اللافت هنا هو اعتراف مارلين بنفورها من الجنس، أو لامبالاتها بشأنه، كما يرد في كتاب «قصتي» الذي تعاونت في صياغته مع كاتب السيناريو الأميركي بن هكت. وهي إذ تقول: «حين ذهب زوجي إلى الحرب لم أقم بخيانته، ليس بسبب الوفاء، بل لعدم اهتمامي بالجنس»، فالأرجح أن هذا الأمر لا يتصل بحادثة الاغتصاب وحدها، بل يبدو بمثابة دفاع رمزي عن الجسد المغوي الذي يرغب الجميع بامتلاكه، بمعزل عن عقل صاحبته وقلبها وقدراتها الفنية المتعددة.
أما زواج مارلين من لاعب البيسبول جو ديماغيو، فلم يصمد أكثر من 9 أشهر، لأن هذا الأخير كان يريد، كما يقول، زوجة تشعره بالراحة ودفء الحياة العائلية، لا امرأة هائلة الجاذبية يمكن أن تهجره في أي لحظة. وإذا كان توجس مارلين من الرجال قد قابله توجسهم منها، فقد زاد الطين بلة اقتحامها عالم التمثيل في هوليوود من بابه الواسع، وما عاينته من اهتراء سريع للعلاقات العاطفية بين الجنسين، المحكومة بالأنانية والتكاذب والملل المتبادل. وهو ما يؤكده قولها في السيرة إن «الأزواج يمكن أن يكونوا عشاقاً لطفاء، وبخاصة حينما يقومون بخيانة زوجاتهم».
في هذا المناخ من الضياع والبلبلة النفسية تلتقي مارلين في إحدى المناسبات بآرثر ميلر، الذي لم يتوانَ رغم طبعه الجاد عن القدوم إلى طاولتها مبدياً إعجابه الشديد بجمالها وذكائها ونجاحها الفني. وقد بادلت مونرو الكاتب الثلاثيني الإعجاب نفسه، وهي التي كانت في أمسّ الحاجة إلى رجل مثله يبعدها عن صورتها النمطية، ويعطي لحياتها معنى أكثر قيمة وعمقاً. وحيث كانت مارلين قد قرأت كثيراً من أعمال ميلر، ولا سيما مسرحيته المميزة «موت بائع متجول»، تمنت في قرارتها أن تلعب دور زوجة ويلي لومان التي تضحي بزوجها من أجل المال، قبل أن تعدل عن ذلك خوفاً من أن يخلط الجمهور بين دورها في العمل، وبين طبيعتها الحقيقية.
أما آرثر ميلر الذي أدرك أن مناعته ككاتب ومناضل يساري لن تصمد طويلاً أمام جمال مارلين الآسر، فقد راح يحدثها دون توقف عن شؤون الأدب والفلسفة والسينما والمسرح، وكأنه يريد أن يبعد المرأة الفريدة التي يجالسها، عن ملعب تفوقها الجمالي الذي لا قِبل له بمجاراته، ليأخذها إلى ملعب تفوّقه المقابل في مجالي الثقافة والإبداع. والأرجح أن ميلر الممزق بين زهوه الواضح بانتزاع أيقونة هوليوود الجمالية من براثن مئات المنافسين، وبين خوفه من التأثير السلبي لتلك المجازفة على مسيرته الإبداعية والنضالية، كان يراهن للخروج من المأزق على تقريب مارلين من عالم الثقافة والأدب، والسياسة أيضاً، بقدر ما يستطيع. ولعل عدم اتصال ميلر بمارلين لأيام كثيرة لاحقة، يجد تفسيره الفعلي في الصراع الذي كان يعتمل داخله بين الاستسلام لضوء الجمال الباهر، وبين التحصن بعالم الكتابة والتأليف، البعيد عن الصخب الاستعراضي. أما مارلين التي رأت في الكاتب الشهير فرصتها الملائمة للنأي بجمالها عن هشاشة السطوح، ولاستنقاذ نفسها من بؤس طفولتها ومن إدقاعها العاطفي المتكرر، فهي لم تتوانَ عن الاتصال بميلر الذي ألقى بأسئلته المؤرقة إلى سلة المهملات، بمجرد اتصالها به لدعوته إلى حفل عيد ميلادها. ولم يطل الأمر حتى بدأت لقاءاتهما تتكرر، ليدخلا في علاقة عاطفية طويلة استمرت 5 سنوات كاملة، قبل أن يحسما قرارهما بالزواج عام 1956.
والواقع أن هذا الزواج لم يكن ليتم لولا إصرار الطرفين على الوصول بمركب علاقتهما العاطفية إلى بر الأمان، وسط كثير من المكائد والاعتراضات والعوائق. فميلر كان ما يزال عرضة للتحقيقات والملاحقات، فيما كانت مارلين تواجه ضغوطاً شديدة من قبل شركات الإنتاج السينمائي للتخلي عن الكاتب المسرحي المؤيد للشيوعية. لكن العوائق الكثيرة التي وقفت في طريق الطرفين هي التي وفرت لهما متعة التحدي، والإصرار على العيش تحت سقف واحد. وقد بذلا خلال فترة الزواج، التي استمرت 5 سنوات، جهوداً مضنية لتقليص ما يفصلهما من تباينات، وللتشارك في الاهتمامات، فبدأ ميلر بحضور الحفلات والسهرات الصاخبة التي تحضرها رفيقته، في حين أن مارلين بدأت تهتم بتثقيف نفسها، وقراءة كثير من الكتب في مجالات التاريخ والشعر والرواية وعلم النفس. وحيث بدت مأخوذة تماماً بشخصية الزوج وبثقافته العميقة، تصف براعته في الحوار بالقول: «في كل مرة يتحدث، كان العالم يبدو أكثر رحابة وأكثر بعثاً على الحماسة». أما ميلر فقد كتب في مذكراته: «كانت كالضوء الذي يحيطني، تثيرني تناقضاتها وغموضها». كما كتبت كاترين كروهن في «حلم نورما جين» أن أحداً لم ينظر إليها بالطريقة التي فعلها ميلر، وأنه حثها على التنقيب عن جمالها الآخر الذي يشع من جهة الروح والمعرفة، وصولاً إلى تحريضها على الكتابة، ولو بموهبة متواضعة.
على أن الزواج لم يكن الخاتمة السعيدة التي غالباً ما تنتهي بها السيَر والروايات العاطفية. ذلك أن طفولة الطرفين البائسة والمحكومة بالحرمان العاطفي، جعلت كلاً منهما غير قادر على تعويض الآخر عما ينقصه من المؤازرة والتفهم والحنان. ومع أن ميلر لم يكن يحب العمل في الأفلام فهو لم يتردد في كتابة سيناريو خاص بفيلم «حياة متمردة»، الذي لعبت فيه مارلين دور البطولة. إلا أنه رغم ذلك لم يستسغ على الإطلاق أداء زوجته المفرط في الجرأة إلى جانب إيف مونتان في فيلم «دعنا نمارس الحب»؛ حيث أكد كثيرون قيام علاقة عاطفية سريعة بين إيف ومونرو.
بعد ذلك تسود الفوضى، لتبدأ بالنسبة لمارلين فترة الإدمان على الكحول وتعاطي المخدرات. الأمر الذي بدا غير محتمل بالنسبة للزوج، الذي آلت كل جهوده للمواءمة بين عالميهما المتباعدين إلى الإخفاق، وصولاً إلى الانفصال النهائي. أما ردة فعل مارلين فكانت الذهاب في خيار استثمار جمالها «الجهنمي» حتى النهاية. الأمر الذي انعكس جلياً عبر علاقاتها المتعددة مع رجال كثيرين، بينهم الرئيس الأميركي الوسيم جون كينيدي وأخيه روبرت، إضافة إلى ما قيل عن إجهاضها قبيل الانتحار لجنين مجهول الوالد. وسواء صح ما قيل عن أنها قضت اغتيالاً بالسم لأمور متعلقة بالأمن القومي الأميركي، أم انتحاراً بالمهدئات، أم بجرعة زائدة من المخدرات، فإن رحيلها في السادسة والثلاثين من العمر هو الذي أسهم في رفعها إلى سدة الأسطورة. وإذا صح ما قيل من أن رواية «مدام بوفاري»، التي أهداها لها في عيد ميلادها، قد وجدت قرب سريرها لدى قدوم الشرطة، فإن ذلك يعني أن ميلر كان يستشرف من خلال إهدائها الكتاب، مصيرها المأساوي المماثل؛ حيث يثبت مرة أخرى أن الحياة هي من يقلد الفن، وليس العكس. كما أن انتحارها المأساوي بدا أشبه بحادث سير رهيب تسبب به ضوء جمالها الباهر وهو يحول بينها وبين رؤية الحياة الحقيقية. والواضح أن زوجها الثالث قد جسد بالنسبة لها خشبة الخلاص التي تمّ رفعها في لحظة قاتلة. وبينما وصفها ميلر من جهته بالفتاة الأكثر حزناً التي قابلها في حياته، وبأنها «أشبه بشاعرة تقف على ناصية الطريق لكي تتلو قصائدها، أمام جمهور لا يهمه سوى شدّ ملابسها قدر ما يستطيع»، أهدته من جهتها قصيدة تقول فيها:

حبي ينام بجانبي
تحت النور الخافت أرى فكّه الرجولي
فم صباه يتراجع ثم يعود
بعذوبة لا نظير لها
رقته ترتعش في سكونه
وعيناه لا بد أنهما تطلان بذهول
من أحد الكهوف
لكنْ هل سيبدو كذلك حين يموت؟



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.