إيطاليا تعود إلى دوامة الأزمات الحكومية

رئيس الوزراء الإيطالي يصافح عمدة روما، في 15 يوليو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإيطالي يصافح عمدة روما، في 15 يوليو (إ.ب.أ)
TT

إيطاليا تعود إلى دوامة الأزمات الحكومية

رئيس الوزراء الإيطالي يصافح عمدة روما، في 15 يوليو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإيطالي يصافح عمدة روما، في 15 يوليو (إ.ب.أ)

عادت إيطاليا إلى دوّامة الأزمات الحكومية التي تتعاقب عليها بانتظام الفصول والمواسم منذ منتصف القرن الماضي، والتي تعود لطبيعة النظام البرلماني المعقد، وكثرة الانشقاقات داخل الأحزاب السياسية التي غالباً ما تؤدي إلى تغيير المعادلات البرلمانية، فضلاً عن قدرة الإيطاليين على التوصل إلى اتفاقات مستحيلة، وجنوحهم المتأصل إلى الخلافات الشخصية المدمّرة.
منذ تأسيس الجمهورية الإيطالية في عام 1946 مع حكومة دي غاسبيري الذي وضع الحجر الأساس للحزب «الديمقراطي المسيحي» الذي استأثر بالسلطة طوال 5 عقود، قبل أن يصبح اليوم أثراً بعد عين، تعاقبت على إيطاليا 67 حكومة. والأزمة التي نشأت عن استقالة ماريو دراغي يوم الأربعاء الماضي هي الثالثة خلال الولاية التشريعية الراهنة، وتتميّز عن الأزمتين السابقتين بما تحمله من تداعيات دولية؛ خصوصاً على المستوى الأوروبي في سياق المواجهة مع روسيا، وما ينشأ عنها من تبعات اقتصادية.
عندما تجاوب ماريو دراغي مع طلب رئيس الجمهورية سرجيو ماتّاريلّا لتشكيل الحكومة الائتلافية مطالع العام الماضي، كان قد حصل على ضمانات تحصّنه من تجاذبات الأحزاب والقوى السياسية التي كانت تراكم الفشل تلو الفشل، في إدارة الأزمات الهيكلية التي تعاني منها إيطاليا، وتتناحر فيما بينها بشراسة غير معهودة، وتندفع نحو مزايدات شعبوية ومتطرفة، أطلقت صفارات الإنذار في المحيط الأوروبي الذي كان قد بدأ يرى في الدولة المؤسسة للاتحاد «الرجل المريض» الذي لا بد من إنقاذه، مهما اقتضى الأمر، لمنع انهيار المشروع الذي كان يترنّح تحت وطأة أزمات متلاحقة، من الأزمة المالية إلى «بريكست» وجائحة «كوفيد-19»، قبل أن تُطلّ الحرب في أوكرانيا بتبعاتها العسكرية والاقتصادية التي لم تكن في حسبان أحد.
وتميّزت الأشهر الأولى من ولاية حكومته بإجماع سياسي وشعبي لم تشهده إيطاليا في تاريخها الحديث، بينما كانت المدائح تنهال عليه من الشركاء والحلفاء الأوروبيين والغربيين، لتعزز موقعه كمرجعية وازنة كان الاتحاد الأوروبي بحاجة إليها، بعد انكفاء أنجيلا ميركل عن المشهد السياسي. لكن غاب عن الذين كانوا يدفعون دراغي نحو هذا الدور القيادي الأوروبي أنه لا يقود دولة موصوفة باستقرارها السياسي ورسوخ دعائمها الاقتصادية، وروح المسؤولية العالية التي تتحلّى بها أحزابها مثل ألمانيا؛ بل هو يتربّع على بركان سياسي قابل للانفجار في أي لحظة اسمه إيطاليا.
منذ تسعينات القرن الماضي، تعاني أوروبا من فقدان القيادات التي كانت تتمتع بالكاريزما التي اقتصرت في الفترة الأخيرة على بوريس جونسون في بريطانيا، وماريو دراغي في إيطاليا، وإن لأسباب ومواصفات مختلفة. ولا شك في أن سقوطهما ستكون له -من وجهة النظر الرمزية- تداعيات نفسية عميقة على الرأي العام. فالمستشار الألماني شولتز ما زال لغزاً عصيّاً على القراءة حتى بالنسبة لمواطنيه، والرئيس الفرنسي جدد ولايته لأن الفرنسيين يخافون وصول اليمينية المتطرفة مارين لوبان إلى الإليزيه، بينما المؤسسات الأوروبية تفتقر إلى مثل القيادات التاريخية التي سبق وتعاقبت عليها.
في النصف الثاني من القرن الماضي، كان الحزب الشيوعي الإيطالي أكبر الأحزاب الشيوعية وأهمها في أوروبا الغربية، ورغم تفككه وانهياره بقي تأثيره عميقاً في الوسط السياسي الإيطالي. والحكومات التي سبقت دراغي، من تلك الشعبوية التي رأسها جيوزيبي كونتي إلى التي قادها سيلفيو برلوسكوني، كانت لها علاقات مع موسكو أقل ما يقال فيها إنها كانت ملتبسة. ولعل ذلك ما دفع، الأحد، الناطقة بلسان الخارجية الروسية ماريّا زاخاروفا إلى التعليق على استقالة دراغي بقولها إن موسكو تأمل في أن يكون للإيطاليين حكومة لا تخدم المصالح الأميركية.
وبينما كانت وسائل الإعلام تتناقل تصريح زاخاروفا، كان دراغي يتلقّى اتصالاً من البيت الأبيض الذي أعلن الناطق بلسانه أن جو بايدن يكنّ كبير الاحترام والتقدير لرئيس الوزراء الإيطالي، ويتابع باهتمام شديد تطورات الأزمة السياسية.
ومنذ أن أعلن دراغي عن استقالته، المجمّدة عملياً حتى الأربعاء المقبل، بعد أن رفضها رئيس الجمهورية سرجيو ماتاريلا، وطلب إليه المثول أمام البرلمان لطرح الثقة، توالت الاتصالات والضغوط المحلية والدولية، لإقناعه بالعدول عن قراره والبقاء حتى نهاية الولاية. وكان أكثر من 450 رئيس بلدية في إيطاليا قد توجهوا إلى دراغي برسالة يناشدونه البقاء في منصبه، بينما كان عديد من النقابات المهنية يدعوه إلى الرجوع عن الاستقالة.
في غضون ذلك، كانت تنامي الضغوط غير المسبوقة التي يتعرّض لها الحاكم السابق للبنك المركزي الأوروبي، يقابله تراجع في احتمالات عودته عن قرار الاستقالة؛ خصوصاً بعد البيان الذي صدر مساء السبت عن زعيم حركة «النجوم الخمس» جيوزيبي كونتي، وكان بمثابة إنذار لدراغي بأنه في حال عدم التجاوب مع مطالب الحركة، ستضطر هذه إلى الخروج من الحكومة.
بعض الذين يعرفون دراغي جيداً يقولون إن قراره هذا ليس سوى خطوة للعودة بقوة حتى نهاية الولاية التشريعية، ومعرفة ما إذا كانت حركة «النجوم الخمس» التي تعترض على مواصلة إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، مستعدة للموافقة على تنفيذ الإصلاحات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، لكي تحصل إيطاليا على مساعدات صندوق الإنعاش التي تزيد عن 230 مليار يورو.
ولا تغيب عن بال المراقبين الأزمة المعاكسة التي عاشتها إيطاليا في عام 2011، عندما كانت العواصم الأوروبية الكبرى، وخصوصاً برلين وباريس، على عهد ميركل وساركوزي، تدفع بكل ثقلها لإسقاط سيلفيو برلوسكوني الذي كان دخل الفرد الإيطالي على عهده قد تراجع بنسبة 3.1 في المائة، وانهار الاستهلاك بنسبة 6 في المائة، بينما كان سعر الدين الإيطالي العام يحطّم كل الأرقام القياسية، ويهدد بخروج إيطاليا من نظام العملة الموحدة.
صحيح أن دراغي هو بالنسبة لأسواق المال الوجه النقيض لبرلوسكوني؛ لكن الوضع قد يتدهور بسرعة في حال خروجه من الحكومة، وإجراء انتخابات عامة أواخر سبتمبر (أيلول) المقبل، ما يقتضي تعليق الخطة الإصلاحية التي يشترطها الاتحاد الأوروبي للحصول على مساعدات صندوق الإنعاش، فضلاً عن تأجيل الموافقة على قانون الموازنة العامة الذي يكتسي أهمية خاصة هذه السنة لمواجهة تداعيات الحرب في أوكرانيا. يضاف إلى كل ذلك، أن إيطاليا ملزمة، من الآن حتى الربيع المقبل، ببيع 350 مليار يورو من دينها العام الهائل الذي يعادل 153 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي، وإذا استمرت الأزمة على حالها فإن سعر الدين قد يرتفع بشكل عمودي.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟