مؤتمر باريس اليوم.. دعم للعبادي وإصرار على تنفيذ التزامات حكومته

مصادر دبلوماسية فرنسية: التحالف لن يغير استراتيجيته.. والأنبار ستكون اختبارًا للتكتيكات الجديدة

صورة أرشيفية لرتل من السيارات يستقلها مسلحو «داعش» في طريقهم من سوريا إلى العراق (أ.ب)
صورة أرشيفية لرتل من السيارات يستقلها مسلحو «داعش» في طريقهم من سوريا إلى العراق (أ.ب)
TT

مؤتمر باريس اليوم.. دعم للعبادي وإصرار على تنفيذ التزامات حكومته

صورة أرشيفية لرتل من السيارات يستقلها مسلحو «داعش» في طريقهم من سوريا إلى العراق (أ.ب)
صورة أرشيفية لرتل من السيارات يستقلها مسلحو «داعش» في طريقهم من سوريا إلى العراق (أ.ب)

تجتمع 22 دولة ومنظمتان دوليتان (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي) وجنرالات كبار (بينهم الجنرال جون آلن، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي باراك أوباما لدى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، والجنرال مارك فوكس، مساعد قائد القوات المركزية الأميركية وقادة عسكريون عرب وأجانب) اليوم في باريس في إطار «المجموعة المصغرة» لدول التحالف من أجل مناقشة السبل العسكرية والسياسية التي ستمكن التحالف من دحر التنظيم المتطرف الذي نجح، رغم الضربات الجوية والدعم العسكري والاستخباري والتدريبي للقوى العراقية، في توسيع رقعة نفوذه في العراق وسوريا وأن يجتاح الرمادي وتدمر.
وسيكون الغائب الأكبر عن الاجتماع وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي كان ضحية حادثة سقوط عن دراجته الهوائية قريبا من الحدود الفرنسية السويسرية يوم الأحد الماضي. وبحسب باريس، فإن البحث جار في كيفية التواصل معه عبر دائرة تلفزيونية علما أن أحد نوابه (أنتوني بلينكن) سيحضر الاجتماع ثلاثي الرئاسة (فرنسية - أميركية – عراقية). وسيمثل العراق رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي سيلتقي الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بعد الظهر كما سيجتمع برئيس البرلمان الفرنسي كلود برتولون.
رسميا، سينعقد الاجتماع، وفق مصادر فرنسية رفيعة المستوى، على ثلاث مراحل: الأولى تشمل تقديما من الرئاسات الثلاث سنصب على الوضع الميداني وعمل التحالف يليها عرض للوضع العسكري يقدمه الجنرالان آلن وفوكس وكذلك كلمة لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة يان كوبيس. ومن ضمن ما ستشهده الجلسة الأولى، تقارير عن عمل المجموعات الخمس المنبثقة عن التحالف وهي: مجموعة العمليات العسكرية، ومجموعة المقاتلين الأجانب، ومجموعة محاربة تمويل «داعش» ومجموعة توفير الاستقرار وأخيرا مجموعة التواصل ومناهضة الدعاية الداعشية. أما المرحلة الثانية (خلال غداء العمل) فستركز على كيفية إعادة الاستقرار إلى المناطق المحررة من «داعش» من خلال إعادة المهجرين واللاجئين وتوفير وسائل الحياة لهم من خدمات حكومية ومرافق مع التركيز على حماية الأقليات العرقية والدينية. وفي المرحلة الثالثة، سيتم الكشف عن «إعلان باريس» الذي ستقدمه الرئاسات الثلاث وسيتضمن «النتائج الأساسية» التي يكون قد توافق عليها الوزراء. ومن بين ما سيتم إعلانه، تأسيس صندوق خاص في إطار برنامج الأمم المتحدة للتنمية لمساعدة وإعادة تأهيل المناطق المحررة وتوفير الشروط لبقاء السكان في مناطقهم التي هجروها إما بسبب الحرب أو الخوف من فظائع «داعش».
وسبقت المؤتمر لقاءات واجتماعات في باريس أمس أبرزها الاجتماع الذي حصل بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ونظيره الفرنسي لوران فابيوس واستضافة الأخير لوزراء الخارجية الخليجيين أو من يمثلهم في عشاء عمل لاستكمال البحث في تأسيس حوار منتظم بين الطرفين أقر مبدأه خلال مشاركة الرئيس هولاند في القمة الخليجية التي استضافتها الرياض في الخامس من الشهر الماضي.
وحول التحديات المطروحة على المؤتمر، تقول المصادر الفرنسية إن «العمليات الهجومية التي قام بها تنظيم داعش مؤخرا في العراق وسوريا أثارت تساؤلات حول فعالية استراتيجيته العسكرية حيث أظهر «داعش» قدرة على المقاومة لا بل التوسع. وبموازاة ذلك، ينعقد المؤتمر فيما «تتأكد مؤشرات ضعف واضحة للنظام السوري« الأمر الذي يظهر عبر تراجعه على كل جبهات القتال وتقدم «داعش» في الوسط (تدمر). لذا كان على التحالف أن ينكب على دراسة الوضع «الجديد» وكيفية التعامل معه.
وتؤكد المصادر الفرنسية أن الأساسيات التي قام عليها عمل التحالف في العراق لن تتغير وعمادها ضربات جوية داعمة لعمل القوات العراقية المسلحة مع التركيز على تجهيزها وتدريبها وتسليحها. لكن، في المقابل، ستتم مناقشة التكتيكات العسكرية المتبعة مع التركيز على وضع الأنبار وكيفية استعادتها. وفي هذا الخصوص، ستشهد الجلسات مناقشة موسعة لما يتعين القيام به مع الحكومة العراقية في موضوع تشكل وقيادة العمليات العسكرية الميدانية. وشددت المصادر الفرنسية على أن التحالف يريد أن يستجلي من العبادي «خطته» في شأن عدة مسائل أهمها: وضع كل القوى المقاتلة في الأنبار تحت قيادته المباشرة بما يضمن عدم تطييفها أو تحيزها وتكرار الشكاوى من ممارساتها، إضافة إلى الإسراع في توفير الدعم العسكري والمادي لمقاتلي العشائر من الأنبار والعودة إلى التجنيد في صفوف قوى الأمن فضلا عن تظهير عمل الشرطة المحلية في الحفاظ على الأمن وطمأنة المواطنين. وقالت المصادر الفرنسية إن «هذه العناصر ستظهر في الإعلان النهائي».
بيد أن الجانب السياسي للمعركة ضد «داعش»، بحسب مصادر المؤتمر، لا يقل أهمية عن الجانب العسكري إذ إن القناعة المترسخة اليوم هي أن «معالجة المسائل الأمنية لا يمكن أن تنجح من غير تسوية الأزمات السياسية في العراق وسوريا». وتنطلق باريس من وجود «ميثاق» بين التحالف والحكومة العراقية المطلوب منها توفير المصالحة الوطنية وضم كل أطياف الشعب العراقي إلى السلطة واتخاذ القرار دون تمييز أو فئوية أو طائفية. وتؤكد باريس أنها «تعي العوائق والقيود» التي تعيق تحقيق هذه الأهداف، لكنها تريد من المؤتمر أن يكون الرافعة التي يتسلح بها العبادي من أجل تحقيق وعوده والتغلب على العوائق الكثيرة.
ومن الناحية العملية، المطلوب من رئيس الحكومة العراقية ثلاثة أمور أولها إنشاء الحرس الوطني الذي لا يضمن فقط ضم عناصر مقاتلة من العشائر السنية بل أيضا ضم الميليشيات الأخرى (الحشد الشعبي) بحيث لا تظهر أنها تخوض معارك فئوية. والأمر الثاني، إقرار مشروع القانون القاضي بوضع حد لاجتثاث حزب البعث وهو المشروع الذي «ينام» في أدراج البرلمان. وفي حال إقراره من شأن القانون الجديد أن يعيد إلى صفوف القوات المسلحة وإلى الحياة السياسية مجموعة من الضباط والسياسيين وتحسين تمثيل السنة. وأخيرا، سيكون العبادي مطالبا بشرح ما آل إليه مشروع العفو عن السجناء السياسيين الذي يبدو أنه يراوح مكانه حتى الآن.
وتقول المصادر الفرنسية إن الغرض من المؤتمر ليس انتقاد العبادي بل توفير الدعم له لأنه هو من اقترح وحمل هذه السياسة التي على أساسها حظي بدعم التحالف. ومن المفترض أن يتوكأ على الدعم الجديد من أجل الدفع لتحقيق تقدم في مسيرة المصالحة الوطنية الضرورية من أجل إحراز تقدم عسكري ميداني.
بيد أن المصادر الفرنسية لم تربط الدعم بتحقيق تقدم على الصعيد السياسي علما بأن التركيز اليوم هو على «كيفية إدارة الحرب في الأنبار بأذرعها الثلاث: ضم قوى العشائر إلى الجهد العسكري ووضع كل القوى العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة وأخيرا جعل خطة إعادة تسكين المهجرين في مدنهم وقراهم وتوفير الاستقرار والحماية لهم جزءا من خطة تحرك وعمل التحالف. وخلاصة المصادر الدبلوماسية الفرنسية هي أن التحالف يريد أن يجعل من الأنبار نموذجا لتحرك جديد عن طريق تجديد التكتيك العسكري وتوفير الدعم السياسي وبذل جهد خاص لضم وتعبئة المقاتلين من العشائر وانضوائهم تحت سلطة حكومية عبر الحرس الوطني.
وإذ تعي باريس «الحساسية» التي تثيرها بعض الممارسات الصادرة عن أطراف في الحشد الشعبي، فإنها تدعو إلى وضعها تحت «سلطة حكومية». لكنها في الوقت نفسه تعي الصعوبات التي تعيق تحقيق خطة كهذه كما تعي القيود التي يعاني منها العبادي للوفاء بالتزاماته.
ولن يغيب الملف السوري عن اللقاء خصوصا أن التحولات الحالية ميدانيا تجعل من الضروري النظر فيما يمكن عمله لمواكبتها. ويشهد الميدان السوري أمرين متلازمين: تراجع النظام عسكريا على كل الجبهات الأمر الذي يدخل الملف منعطفا جديدا، والثاني إرهاصات لتحولات سياسية في موضوع التعامل مع النظام وقدرته على البقاء والاستمرار. وتعتبر باريس أن اهتراء الوضع في سوريا يؤثر على عمل التحالف في العراق وعلى الجهود المبذولة لإخراجه من محنته. لذا، فإنها تدعو إلى مقاربة شمولية وتشدد، أكثر من أي وقت مضى، على الحاجة لتحقيق عملية الانتقال السياسي.
وتبدو الأنظار الفرنسية شاخصة باتجاه روسيا التي تقول عنها إنها تعي اليوم هشاشة النظام وعدم قدرته على الوقوف بوجه تقدم «داعش». وتراقب باريس باهتمام التصريحات الروسية ومنها ما قاله مؤخرا وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي اعتبر أن موسكو وواشنطن تتقاربان في فهمهما للأزمة السورية. لكن المصادر الفرنسية تبدو مترددة في تفسير تأرجح موسكو بين التعبير عن القلق من الإرهاب وانتقاله إلى أراضيها أو إلى جوارها المباشر والحاجة إلى الحفاظ على المؤسسات السورية ومكونات الدولة، من جهة، ومن جهة ثانية غياب أي مؤشرات روسية حول قبول الانتقال السياسي وشروط تحقيقه. أما بالنسبة لإيران، فإن باريس لم تلحظ تغييرا في مواقف طهران من النظام لكنها تتابع عن كثب ما يمكن أن تحمله تصريحات مسؤولين إيرانيين عن خفض المساعدة المالية للنظام وما تعنيه سياسيا واستراتيجيا.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.