بلينكن إلى بالي لاجتماعات «العشرين»... ولا لقاء متوقعاً مع لافروف

وزير الخارجية الأميركي يصل إلى قاعدة «أندروز» العسكرية قبل توجهه إلى بالي 6 يوليو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي يصل إلى قاعدة «أندروز» العسكرية قبل توجهه إلى بالي 6 يوليو (رويترز)
TT

بلينكن إلى بالي لاجتماعات «العشرين»... ولا لقاء متوقعاً مع لافروف

وزير الخارجية الأميركي يصل إلى قاعدة «أندروز» العسكرية قبل توجهه إلى بالي 6 يوليو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي يصل إلى قاعدة «أندروز» العسكرية قبل توجهه إلى بالي 6 يوليو (رويترز)

توجه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الأربعاء، إلى إندونيسيا للمشاركة في اجتماعات وزارية لمجموعة العشرين للدول الأكثر نمواً، مما يرتقب أن يضعه في القاعة ذاتها مع نظيره الروسي سيرغي لافروف للمرة الأولى منذ بداية حرب أوكرانيا، علما بأن هذه الحرب وتأثيراتها على الطاقة العالمية والأمن الغذائي في صدارة المناقشات، وسط توجس من تفاقم الانقسامات الدولية.
ومن المقرر أن يلتقي بلينكن نظيره الصيني وانغ يي وفقاً لما أعلنه الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، الذي قال: «لست في وضع يسمح لي بعرض» الاجتماعات الثنائية الكثيرة في منتجع بالي الإندونيسي، مضيفاً أنه «بالتأكيد لا أتوقع أي اجتماع بين وزير الخارجية بلينكن ووزير الخارجية لافروف». وسئل عما إذا كان بلينكن سيغادر القاعة عندما يلقي لافروف كلمته، فأجاب برايس أن بلينكن «ينوي المشاركة بشكل كامل»، و«سيكون مشاركاً ونشيطاً في مجموعة العشرين، التي نراها كمنتدى قيم».
وتمهد اجتماعات وزراء الخارجية في بالي الطريق لقمة زعماء مجموعة العشرين المقررة في المكان عينه في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وخلافاً لما حدث في الاجتماعات الأخيرة على مستوى القادة مع شركاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) وغيرهم من الشركاء المتشابهين في التفكير، سيجد بلينكن نفسه بين دبلوماسيين من دول قلقة من نهج الولايات المتحدة حيال أوكرانيا ومخاوف في شأن تأثيرها عليهم.
- نكهة مختلفة
مثل كل التجمعات الدبلوماسية الدولية الأخيرة تقريباً، ستطغى أوكرانيا على اجتماع بالي. ولكن على عكس قمتي مجموعة السبع وحلف الناتو اللتين عقدتا في أوروبا الأسبوع الماضي، فإن مجموعة العشرين سيكون لها نكهة مختلفة.
ويقول المسؤولون الأميركيون إنه بصرف النظر عن وانغ، سيجري بلينكن محادثات ثنائية في بالي مع نظرائهم من الدول التي لم تتفق مع الغرب في شأن حرب أوكرانيا، ولا سيما الهند، التي زادت مشترياتها من النفط الروسي على الرغم من محاولات الولايات المتحدة والدول الأوروبية للجم تدفق الإيرادات لموسكو. وقاومت الصين والعديد من المشاركين الآخرين، بما في ذلك الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل، التوقيع على المعارضة الأميركية والأوروبية الشديدة للحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي.
ورفض البعض بشكل قاطع المناشدات الغربية للانضمام إلى إدانة الحرب، التي تعتبرها الولايات المتحدة وحلفاؤها هجوماً على النظام الدولي القائم على القواعد والذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبالتالي، قد تكون هناك صعوبة في تحقيق إجماع مجموعة العشرين حول الجهود المبذولة للتخفيف من آثار الغذاء والطاقة للصراع في أوكرانيا، لا سيما مع الصين وروسيا في القاعة. ولن يمنع ذلك الولايات المتحدة من المحاولة، وفقاً لمسؤولين أميركيين.
وفي ضوء المساعي لتفعيل الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب في أوكرانيا، قال برايس: «نود أن نرى الروس جادين بشأن الدبلوماسية»، مضيفاً «لم نر ذلك بعد. نود أن يعطينا الروس سبباً للاجتماع معهم على أساس ثنائي، مع وزير الخارجية لافروف، لكن الشيء الوحيد الذي رأيناه يصدر من موسكو هو المزيد من الوحشية والعدوان ضد شعب وبلد أوكرانيا».
وتؤكد إدارة بايدن أنه لا يمكن أن يكون هناك «عمل كالمعتاد» مع موسكو ما دام استمرت الحرب. لكن لا برايس ولا أي مسؤول أميركي آخر يمكن أن يستبعد احتمال مواجهة بلينكن ولافروف في بالي، والتي ستكون الأولى منذ أن التقيا آخر مرة في جنيف في يناير (كانون الثاني) الماضي.
- الحبوب الأوكرانية
يسعى المسؤولون الأميركيون إلى أن تضع مجموعة العشرين ثقلها وراء مبادرة تدعمها الأمم المتحدة لتحرير نحو 20 مليون طن من الحبوب الأوكرانية للتصدير بشكل أساسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وقال مساعد وزيرة الخارجية للشؤون الاقتصادية والتجارية رامين تولوي: «نود من مجموعة العشرين أن تحاسب روسيا، وأن تصر على أنها تدعم هذه المبادرة».
وعلى الرغم أن مجموعة متنوعة من الدول، بما في ذلك إندونيسيا التي تستضيف مجموعة العشرين، تضغط من أجل أن تخفف روسيا حصارها في البحر الأسود للسماح للحبوب بدخول السوق العالمية، فإنها لا تزال حذرة من استعداء موسكو وأصدقائها في بكين. ومهد هذا الاختلاف الطريق لاجتماع تحضيري يحتمل أن يكون مثيراً للجدل قبل قمة مجموعة العشرين في نوفمبر، وسط تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيحضر أم لا. وأوضحت الولايات المتحدة أنها لا تعتقد أن على بوتين الحضور، لكنها حضت إندونيسيا على دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في حالة مشاركة الرئيس الروسي. ويتعرض الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو لضغوط من كلا المعسكرين. وزار كييف وموسكو أواخر الشهر الماضي، وعرض التوسط، وكرر دعوة سابقة للرئيس الأوكراني لحضور قمة بالي وقبل زيلينسكي الدعوة من حيث المبدأ، على الرغم أنه قال إن قراره النهائي سيعتمد على الوضع الأمني السائد في ذلك الوقت - وعلى ما إذا كان الروس سيكونوا حاضرين.
- التوتر الأميركي- الصيني
في غضون ذلك، هناك خلاف شديد بين الولايات المتحدة والصين بشكل منفصل حول العديد من القضايا التي تتراوح من التجارة وحقوق الإنسان إلى تايوان والنزاعات في بحر الصين الجنوبي.
وأعلن اجتماع بلينكين مع وانغ بعدما أعرب المبعوث التجاري الصيني مع واشنطن عن قلقه حيال الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الصينية في مكالمة مع وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين. ولم يقدم أي من الجانبين أي مؤشر على إحراز تقدم في هذه المسألة وقلل المسؤولون الأميركيون فرص حدوث أي اختراقات على المدى القصير.وفي لقائه مع وانغ، قال المسؤولون الأميركيون إن بلينكين سيضغط بدلاً من ذلك لإبقاء خطوط الاتصالات مفتوحة وإنشاء «حواجز حماية» لتوجيه أكبر اقتصادين في العالم أثناء تنقلهما في مسائل معقدة ومتفجرة بشكل متزايد. وقال كبير الدبلوماسيين الأميركيين في وزارة الخارجية الأميركية دانيال كريتنبرينك إنه «من الأهمية بمكان أن يكون لدينا خطوط اتصال مفتوحة مع نظرائنا الصينيين، لا سيما على المستوى الرفيع... لضمان منع أي سوء تقدير قد يؤدي عن غير قصد إلى صراع ومواجهة في آسيا».


مقالات ذات صلة

كوريا الجنوبية تحتج على لافتة «نصر» معلقة على السفارة الروسية في سيول

آسيا  لافتة كُتب عليها «النصر سيكون لنا» على جدار السفارة الروسية في سيول (ا.ف.ب)

كوريا الجنوبية تحتج على لافتة «نصر» معلقة على السفارة الروسية في سيول

احتجت كوريا الجنوبية لدى روسيا بعدما رفعت سفارتها في سيول لافتة عملاقة كُتب عليها سيو سيول «النصر سيكون لنا»، في إشارة واضحة إلى ذكرى غزو أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا مجندون أوكران يتلقون تدريبات قاسية بالقرب من الجبهة في منطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)

هجوم أوكراني يلحق أضرارا جسيمة بالبنية التحتية في بيلغورود الروسية

وصف جلادكوف الهجوم بأنه «ضخم» ولم يقتصر تأثيره على مدينة بيلغورود، التي تبعد 40 كيلومترا عن الحدود، بل امتد للمنطقة المحيطة بها.

«الشرق الأوسط» (بيلغورود)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز)

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطا للنفط

ستعطل المجر المصادقة على حزمة العقوبات العشرين التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزود البلاد النفط من موسكو.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب) p-circle

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أعلنت المجر أنها لن تصادق على حزمة العقوبات الـ20 التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزوّد البلاد بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا جندي أوكراني يُطلق طائرة استطلاع متوسطة المدى من طراز «فيكتور» للتحليق فوق مواقع القوات الروسية بالقرب من بلدة باخموت في منطقة دونيتسك (أرشيفية - رويترز)

مطارات في موسكو تقيد الرحلات الجوية وسط هجوم بطائرات مسيرة

فرضت أربعة مطارات في موسكو قيوداً على الرحلات الجوية لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو )

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended