غوستافو بيترو... كولومبيا تنضم إلى معسكر اليسار الأميركي اللاتيني

في أكبر تحوّل سياسي تشهده البلاد

غوستافو بيترو... كولومبيا تنضم إلى معسكر اليسار الأميركي اللاتيني
TT

غوستافو بيترو... كولومبيا تنضم إلى معسكر اليسار الأميركي اللاتيني

غوستافو بيترو... كولومبيا تنضم إلى معسكر اليسار الأميركي اللاتيني

دخلت كولومبيا يوم الأحد الماضي مرحلة غير مسبوقة في تاريخها السياسي بعدما صوّتت لصالح المرشح اليساري غوستافو بيترو في الانتخابات الرئاسية، منهية بذلك عقوداً مديدة من التناوب بين الأحزاب اليمينية على الحكم منذ بداية الاستقلال عن الاستعمار الإسباني مطالع القرن التاسع عشر. ولقد جاء فوز بيترو، ونائبته فرنسا ماركيز المتحدرة من أصول أفريقية، بدعم من الأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية التي كانت توصّلت إلى اتفاق تحت راية «الميثاق التاريخي» في الجولة الثانية من الانتخابات لمواجهة المرشّح اليميني الشعبوي رودولفو هيرنانديز الذي تضافرت كل القوى المحافظة واليمينية لتأييده وقطع الطريق أمام وصول اليسار إلى الحكم لأول مرة في تاريخ البلاد.
حسم مرشح اليسار غوستافو بيترو معركة انتخابات رئاسة الجمهورية في كولومبيا – ثاني كبرى دول أميركا الجنوبية من حيث عدد السكان بعد البرازيل – بحصوله على 50.4 في المائة من الأصوات مقابل 47.3 في المائة لمنافسه اليميني الشعبوي الثري رودولفو هيرنانديز، الذي كان متقدماً عليه في جميع الاستطلاعات حتى أيام معدودة قبل الانتخابات، حين هبطت شعبيته فجأة في أعقاب رفضه المشاركة في مناظرة تلفزيونية مع منافسه كان أحد القضاة قد حكم بإجرائها.
في أول تصريح له بعد فوزه، قال بيترو بلهجة توافقية «هذا التغيير التاريخي ليس من أجل الانتقام، ولا للمزيد من الضغائن وتعميق الشرخ بين مكوّنات المجتمع الكولومبي». وكرّر العرض الذي كان قدّمه في حال انتخابه ليدعو خصمه التاريخي الرئيس الأسبق آلفارو أوريبي ومنافسه في المعركة الرئاسية، إلى «الكفّ عن التقاتل، والتلاقي للوئام والعمل سويّة تحت راية الديمقراطية من أجل كولومبيا». وبالفعل، سارع هيرنانديز إلى الاتصال بالرئيس المنتخب وهنّأه على فوزه، كما أعرب الرئيس الحالي إيفان دوكي عن كامل استعداده للمباشرة بعملية التسلّم والتسليم بشفافية وحسب الأصول الدستورية. ومن جانبها، كانت الإدارة الأميركية تعرب بلسان وزير الخارجية أنتوني بلينكن عن استعدادها للتعاون والعمل مع الرئيس اليساري الجديد، والمقاتل القيادي السابق في صفوف الحركة الثورية التي كانت واشنطن تحاربها وتضعها على قائمة المنظمات الإرهابية.

النشأة وبداية المسيرة
وُلد غوستافو فرانشيسكو بيترو يوم 19 أبريل (نيسان) من عام 1960 لعائلة من المزارعين المهاجرين من إيطاليا في مدينة سييناغا دورو الصغيرة بشمال كولومبيا. ورغم نشأته الكاثوليكية نشط منذ شبابه في الحركات الاجتماعية اليسارية؛ إذ أسس إبان دراسته الثانوية مركزاً ثقافياً أطلق عليه اسم غارسيّا ماركيز، كما أصدر صحيفة محلية بعنوان «رسالة الشعب». وكان من أنصار حركة «لاهوت التحرّر» التي قادها عدد من الرهبان والكهنة اليسوعيين التقدميين في أميركا اللاتينية وحاربتها الكنيسة الكاثوليكية لسنوات إلى أن هدد البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني بحرمان الذين ينشطون في صفوفها.
تلقى بيترو تعليمه الجامعي في جامعة كولومبيا الخارجية متخصصاً في الاقتصاد، وتابع دراسته العليا في الجامعة الجافييرية الكاثوليكية، إحدى أعرق الجامعات في أميركا الجنوبية. وفي أعقاب حصوله على الماجستير انتقل للإعداد لدرجة الدكتوراه في جامعتي لوفان (بلجيكا) وشلمنقة (إسبانيا). والجدير بالذكر أن بيترو انخرط مع بداية دراسته الجامعية في كلية العلوم الاقتصادية في «حركة التاسع عشر من أبريل الثورية». بل وقاتل في صفوفها إبان النزاع المسلّح بين السلطات الكولومبية والحركات الثورية إلى أن انحلّت أواخر العام 1990 لتتحوّل إلى «تحالف التاسع عشر من أبريل الديمقراطي». وبالتالي، تصبح ثاني قوة سياسية في الجمعية التأسيسية عام 1991. وفي العام التالي انتخب بيترو عضواً في مجلس النواب، وأُعيد انتخابه مرتين قبل أن يصبح عضواً في مجلس الشيوخ عام 2006.
في العام 2009 استقال من مجلس الشيوخ ليترشّح في العام التالي لرئاسة الجمهورية. إلا أنه إثر خسارته في الجولة الأولى من الانتخابات خاض معركة رئاسة بلدية العاصمة بوغوتا التي تولاها في العام 2012. ثم عاد ليخوض معركة الانتخابات الرئاسية للمرة الثانية في العام 2018، ومجدداً لم يوفق؛ إذ حل في المرتبة الثانية وانتقل إلى صفوف المعارضة في مجلس الشيوخ.

الطريق إلى الرئاسة
مطالع السنة الحالية، وبعد المشاورات الواسعة التي أجرتها القوى اليسارية والتقدمية الكولومبية، اختير غوستافو بيترو مرشحاً للرئاسة للمرة الثالثة. لكنه هذه المرة تقدّم في الجولة الأولى بفارق كبير عن جميع منافسيه الذين تحالفوا وتضافروا لتأييد منافسه في الجولة الثانية التي حصد فيها، مع ذلك، أكبر عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الرئاسية بكولومبيا.
من المزايا القيادية التي ساعدت بيترو في مسيرة صعوده السياسي، أنه بعد انتخابه عضواً في مجلس الشيوخ عقب ثلاث ولايات متتالية في مجلس النواب، برز كخصم عنيد للرئيس الأسبق آلفارو أوريبي الذي كان وما زال يتمتع بنفوذ واسع بين الأحزاب والقوى اليمينية والمحافظة، وأيضاً بدعم من القوات المسلحة والتنظيمات شبه العسكرية (الميليشيات) التي تفرّعت عنها لمقاتلة الثوار. وكان للحملة المديدة والعنيدة التي قادها بيترو لكشف العلاقات التي تربط أوريبي بتلك التنظيمات، وبعدد من كبار مهرّبي المخدرات، أثر كبير في تراجع شعبية أوريبي... ثم انكفاؤه عن العمل السياسي المباشر بسبب الملاحقات القانونية التي تعرّض لها نتيجة التحقيقات التي كان يقودها بيترو.
في المقابل، عندما انتخب بيترو رئيساً بلدية العاصمة بوغوتا في العام 2011 واجه حملة شرسة من خصومه أدت إلى صدور قرار من النيابة العامة بعزله ومنعه من تولّي أي منصب عمومي طوال 15 سنة. وكانت الذريعة أزمة النفايات التي عانت منها بوغوتا أواخر العام 2012، والتي اعتبرت النيابة العامة أنها تسببت في أضرار جسيمة على الصحة العامة. ورغم صدور قرار محكمة الاستئناف لصالح إسقاط العزل واسترداد بيترو حقوقه المدنية والسياسية، أمر رئيس الجمهورية يومذاك بتنفيذ قرار النيابة العامة وتعيين رئيس بديل لبلدية العاصمة. لكن المحكمة العليا عادت وأصدرت أمرا يلزم رئيس الجمهورية بالامتثال لقرار محكمة الاستئناف، وعاد بيترو ليتولّى منصبه كرئيس لبلدية بوغوتا بعد عزله 35 يوماً.

براغماتية وتعايش
بعد فشل بيترو للمرة الأولى في الانتخابات الرئاسية قرّر تكرار التجربة والترشّح مرة ثانية في العام 2018. وحينذاك صرّح خلال الحملة الانتخابية بقوله «كنت أنتمي إلى اليسار، ولست نادماً على ذلك. إلا أنني لن أطرح برنامجاً يسارياً ولا برنامجاً اشتراكياً. نعرف أن هذه البرامج فشلت، ولكن المشكلة في كولومبيا هي أن النظام الرأسمالي لم يتطوّر. وبالتالي، فإن ما أطرحه هو تطوير نظام رأسمالي ديمقراطي يساعد على بناء طبقة متوسطة واسعة تقوم على المبادرة الخاصة وتكون الملكية الخاصة عمادها الأساسي». ويبدو أن براغماتيته هذه أفادته؛ إذ حلّ ثانياً في تلك الانتخابات التي فاز بها الرئيس الحالي ايفان دوكي.
هنا يقول آرماندو بينيديتي، مدير حملته الانتخابية، إن المسيرة الفعلية لبيترو نحو الرئاسة «بدأت مع توقيع اتفاق السلام بين الحكومة وقيادات القوى الثورية المسلحة التي كان يقاتل في صفوف واحدة منها، والذي بموجبه تخلّى الثوار عن السلاح وانخرطوا في الحياة المدنية بعد أربعة عقود من الكفاح المسلح الذي خلّف مئات الآلاف من الضحايا وجعل من كولومبيا البلد الأكثر عنفا في العالم».
ولأن غوستافو بيترو كان من أبرز المفاوضين الذين دفعوا بالقوى الثورية إلى التوقيع على اتفاق السلام انطلاقا من قناعته الراسخة «بعبثية العمل الثوري في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة» - كما ذكر في إحدى المقابلات - جاءت تصريحاته الأولى بعد فوزه التاريخي رسالة طمأنة إلى الذين كانوا يتوجسون من وصول مرشح اليسار «الثوري والعنيف» إلى السلطة. وفي المقابل، فإنه توجّه أيضاً إلى طمأنة أنصاره، طالباً إلى النيابة العامة الإفراج فوراً عن المعتقلين الذين شاركوا في الاحتجاجات الشعبية العام الماضي، وإلغاء قرارات عزل رؤساء البلديات الذين شاركوا في حملته الانتخابية، مؤكداً أن مثل هذه التصرفات لن تتكرر على عهده.

برنامجه الانتخابي
يقوم البرنامج الانتخابي الذي وصل غوستافو بيترو على أساسه إلى سدة الرئاسة الكولومبية على مجموعة من الإصلاحات الكبرى، التي سبق أن أدرجها معظم المرشحين ضمن برامجهم ووعودهم في الماضي، من دون أن يتحقق شيء. ولا شك في أن ذلك ولّد رغبة عميقة في التغيير لدى شريحة واسعة من الناخبين، خاصة بين الفقراء وسكان الأرياف، وكذلك الطبقة المتوسطة التي منذ سنوات تتقلّص بعدما كانت تشكّل نحو 65 في المائة من مجموع السكان. ومن بين هذه الإصلاحات: تعديل قانون ملكية الأراضي الزراعية لتوزيعها على الفلاحين الذين يخضع معظمهم لنظام اقطاعي يحرمهم من ملكيتها، ووضع خطة صناعية حديثة تتيح الاستفادة من الموارد الطبيعية الضخمة التي تزخر بها كولومبيا، فضلاً عن إصلاح النظام الضريبي وتطبيق بنود اتفاق السلام الذي ما زال يواجه معارضة من بعض القوى المحافظة التي يقودها الرئيس الأسبق أوريبي.
هذا، وكان واضحاً منذ بداية الحملة الانتخابية أن رحى المعركة لن تدور حول طرفي المشهد اليميني، الليبراليين والمحافظين، بل إن الصراع بات مركّزاً بين اليسار والقوى التقدمية - التي توحّدت لأول مرة في تاريخها - من جهة، والقوى اليمينية التي أمسكت بالزمام السياسية والاقتصادية للبلاد منذ الاستقلال، ودأبت على محاولة قطع الطريق أمام أي محاولة للتغيير أو تقاسم مواقع النفوذ والسلطة.
ثم إنه، لأول مرة في تاريخ الحملات الانتخابية الرئاسية في كولومبيا، دار الخطاب السياسي حول قضايا مثل نبذ العنصرية والتمييز الجنسي، والاهتمام بالمعاشات التقاعدية والبيئة، بعدما كان لعقود عديدة شبه مقصور على الأمن وعنف الحركات الثورية والتنظيمات شبه العسكرية.

الصورة الفنزويلية
من جهة أخرى، إذا كان غوستافو بيترو قد نجح في استقطاب الرغبة العارمة في التغيير وفتح صفحة جديدة في المشهد السياسي، وتطمين مراكز السلطة الاقتصادية من حيث برنامج الإصلاحات الذي يعتزم تطبيقها، فإنه اتجه أيضاً إلى تفكيك الصورة التي حاول خصومه أن يرسموها له كحليف للنظام الفنزويلي ومؤيد للخط المتطرف الذي رسمه هوغو تشافيز مستلهماً مبادئ الثورة الكوبية.
وكانت الانتقادات الموجهة إلى بيترو في هذا السياق تنطلق من ماضيه كمقاتل في صفوف الحركة الثورية التي كانت تنادي بإقامة نظام يستلهم الثورة الكوبية أو الإصلاحات التي طبقتها الجبهة الساندينية في نيكاراغوا، ودعوته المتكررة إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع «الجارة» فنزويلا بعدما قطعها الرئيس الحالي إيفان دوكي في ذروة الأزمة بين البلدين. فقد حرص بيترو في خطابه على التأكيد بأن برنامجه الإصلاحي لا يشبه في شيء البرامج السوفياتية في كوبا أو الساندينية في نيكاراغوا، مع تشديده على ضرورة استئناف العلاقات مع فنزويلا كشرط أساسي لمعالجة أزمة الهجرة التي تسببت في موجة من الاضطرابات الأمنية والاجتماعية على الحدود بين البلدين الجارين.
وكان مقرّبون من الرئيس الكولومبي الجديد قد كشفوا أن اتصالات كانت جرت بين محيطه والإدارة الأميركية تناولت تطمينات لواشنطن بأنه في حال انتخابه لن ينضمّ إلى المعسكر اليساري المتطرف الذي تقوده كوبا وفنزويلا، والذي كانت الأنظمة التقدمية الأخرى في أميركا اللاتينية، مثل المكسيك والأرجنتين وتشيلي وبوليفيا، قررت الابتعاد عن مساره والاتجاه نحو تأسيس تكتل تقدمي معتدل.


مقالات ذات صلة

إسبانيا تحقق في احتمال دخول نفط روسي إليها عبر دول أخرى

الاقتصاد إسبانيا تحقق في احتمال دخول نفط روسي إليها عبر دول أخرى

إسبانيا تحقق في احتمال دخول نفط روسي إليها عبر دول أخرى

أعلنت الحكومة الإسبانية أمس (الجمعة) فتح تحقيق في احتمال دخول شحنات من النفط الروسي إلى أراضيها عبر دول ثالثة ودعت إلى بذل جهود أوروبية مشتركة لـ«تعزيز إمكانية تتبع» واردات المحروقات. وقالت وزيرة الانتقال البيئي الإسبانية تيريزا ريبيرا في رسالة: «في مواجهة أي شكوك، من الضروري التحقق» مما إذا كانت «المنتجات المستوردة تأتي من المكان المشار إليه أو من بلد آخر وما إذا كانت هناك أي مخالفة». وأوضحت الوزيرة الإسبانية أن «هذه المخاوف» هي التي دفعت إسبانيا إلى «التحقيق» في إمكانية وصول نفط روسي إلى أراضيها، مذكرة بأن واردات المحروقات «مرفقة نظريا بوثائق تثبت مصدرها».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم إسبانيا سترسل 6 دبابات «ليوبارد» لأوكرانيا خلال أيام

إسبانيا سترسل 6 دبابات «ليوبارد» لأوكرانيا خلال أيام

قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إن بلاده سترسل خلال أيام 6 دبابات من بين 10 دبابات من طراز «ليوبارد 2» لأوكرانيا كانت قد تعهدت بتقديمها، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية. وقال ألباريس لمجموعة «فونكه» الإعلامية الألمانية، في مقابلة نُشرت اليوم (السبت)، «سيتم تزويد أوكرانيا في وقت لاحق بمجموعة ثانية تتكون من أربع دبابات». وتابع «سندعم أوكرانيا طالما تحتاج للدعم...

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق حمى الضنك... ما أعراضها؟ ومتى تبدأ في الظهور؟

حمى الضنك... ما أعراضها؟ ومتى تبدأ في الظهور؟

أصدر مسؤولو الصحة في جزيرة إيبيزا الإسبانية إنذاراً بعد رصد عدة حالات من حمى الضنك. وتحدث المسؤولون في الجزيرة عن العدوى في بيان بعد الإبلاغ عن إصابة ستة سياح ألمان بين مايو (أيار) ونوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، مما أثار مخاوف من تفشي المرض مع اقتراب الموسم السياحي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت». وحمى الضنك هي عدوى تنتشر عن طريق البعوض.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق لم تمس الماء طيلة عام ونصف... إسبانية تعيش منعزلة تحت الأرض لـ500 يوم

لم تمس الماء طيلة عام ونصف... إسبانية تعيش منعزلة تحت الأرض لـ500 يوم

خرجت متسلقة الجبال الإسبانية والمتخصصة في استكشاف الكهوف، بياتريس فلاميني (50 عاما)، إلى النور يوم الجمعة، بعد أن أمضت طواعية 500 يوم تحت الأرض داخل كهف بعمق 70 مترا في مقاطعة غرناطة جنوبي إسبانيا، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وقالت الرياضية المحترفة، وهي تضحك بصوت عال أمام كاميرات قناة «آر تي في إي» التلفزيونية الحكومية ووسائل الإعلام الأخرى «سأخبركم كيف كان الوضع هناك... ولكن إذا كنتم لا تمانعون، سأستحم، لأنني لم أمس الماء طيلة عام ونصف العام».

«الشرق الأوسط» (مدريد)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.