الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»

سقط السويدي يوهانسون والكاميروني حياتو فهل تتغير موازين القوى ويخسر بلاتر

الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»
TT

الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»

الأمير علي بن الحسين وأحلام «عرش الفيفا»

«أنا ابن ملك وشقيق ملك.. إن لم تكن لدي روح المبادرة والشجاعة للوقوف في وجه بلاتر (في انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم المقررة بعد غد الجمعة في زيوريخ السويسرية) فلا أستحق أن أكون موجودا في إدارة كرة القدم على مستوى فيفا.. لن أكون مخلصا وأنا أصمت وأكتفي بعضويتي التنفيذية في الاتحاد الدولي لكرة القدم أو الاتحاد الآسيوي في ظل الظروف التي تعيشها أسرة كرة القدم العالمية.. لا لا.. هذه ليست أخلاقياتي».
كانت هذه هي أهم جملة طويلة قالها الأمير علي بن الحسين خلال حديثه الخاص لـ«الشرق الأوسط» في الرابع من مايو (أيار) الماضي لكنها كانت حقيقة لمعرفة ما يجري في كواليس المؤسسة الكروية الأهم في العالم التي تجني سنويا مليارات الدولارات دون أن تكون هناك فائدة واضحة وملموسة لأكثر من 180 اتحادا وطنيا فقيرا من بين 209 اتحاد منضو تحت لواء فيفا.

الأمير علي بن الحسين ولد يوم الـ23 من شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1975 ودرس في الكلية العلمية الإسلامية في عمان ثم درس في «سلسبيري» بكنتاكي في أميركا عام 1993 ثم التحق بكلية ساند هيرست العسكرية الملكية وعين فور انتهاء دراسته في القوات المسلحة الملكية الأردنية ويشغل حاليا منصب رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم ورئيس اتحاد غرب آسيا لكرة القدم فضلا عن منصبه كنائب رئيس للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي فاز به في يناير (كانون الثاني) من عام 2011 الماضي.
تزوج الجزائرية ريم الإبراهيمي ابنة الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي لتلقب بعد ذلك بالأميرة ريم علي ولهما من الأبناء الأميرة الجليلة «2005» والأمير عبد الله «2007».
يبدو الأمير علي بن الحسين عاشقا لروح التحدي وهو الأمر الذي جعله محط أنظار الآسيويين والعالم خلال يناير 2011 الماضي حينما نافس الكوري المخضرم تشونغ مونغ جون على منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم عن قارة آسيا حيث كان الأخير يهيمن عليه لأكثر من عقد من الزمان لكن الأمير علي بن الحسين وسط ارتفاع وتزايد طموحاته في المناصب الكروية بهدف الارتقاء باللعبة كان يريد الوصول إلى فيفا من خلال هذا المنصب.
لم يصل الأمير علي بن الحسين إلى كرسي «نائب رئيس فيفا عن قارة آسيا» إلا من خلال حرب انتخابية كان لها وقعها على مستوى القارة حيث بدأت الانقسامات في آسيا عقب ذلك اليوم حيث كان يدعمه في تلك الفترة الشيخ أحمد الفهد الصباح الذي يشغل منصب رئيس المجلس الأولمبي الآسيوي وهو المعروف بقدرته على إدارة التكتلات واللوبيات في عالم كرة القدم وكذلك في الرياضة بشكل عام.
وقف الشيخ أحمد الفهد الصباح إلى جانب الأمير علي بن الحسين ضد الكوري تشونغ الذي كان يدعمه في تلك الفترة للبقاء في المنصب القطري الشهير محمد بن همام لكن الأمير الأردني نجح في الفوز بالمنصب عقب معركة انتخابية كبرى شهدتها الدوحة في يناير 2011 لينجح في كسب 25 صوتا مقابل 20 صوتا للكوري تشونغ.
دخل الأمير علي بن الحسين دهاليز فيفا لكن طموحاته لم تكن تتوقف عند منصب «نائب رئيس فيفا» إذ واصل العمل على إضفاء المزيد من الأفكار في اللعبة إذ قاتل وناضل من أجل السماح للسيدات بارتداء الحجاب في مباريات كرة القدم الخاصة بالسيدات ونجح في ذلك من خلال تمرير مقترحه الذي قدمه للجمعية العمومية في الاتحاد الدولي لكرة القدم وتم التصويت عليه بالموافقة بغالبية كاسحة ليحقق في تلك الفترة نصرا كبيرا له على الصعيد الشخصي وللسيدات الراغبات في استخدام الحجاب في اللعبة دون الخضوع لقانون فيفا الذي كان يرفض ذلك قبل عام من الآن.
كانت علاقة الأمير علي بن الحسين بالسويسري جوزيف سيب بلاتر جيدة في السنوات الأولى من انتخابه لكن فوز الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة بمنصب رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم غير الكثير من المفاهيم لدى الأمير علي بن الحسين إذ أراد آل خليفة أن يكون المنصب الذي يجلس عليه الأمير الأردني مرتبطا بمقعد رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم وهي الفكرة التي كان يريد تمريرها القطري محمد بن همام لكن الظروف لم تشأ في أن تتشكل في عام 2010 الماضي ليأتي آل خليفة ويعمل عليها ثم يضعها كمقترح للتصويت في كونغرس ساوباولو الذي عقد على هامش كأس العالم 2010 التي جرت في البرازيل لتجد موافقة حاسمة من الاتحادات الوطنية الآسيوية الأعضاء في الاتحاد القاري.
ولم يجد الأمير علي بن الحسين وقتها سوى الهجوم الكاسح على الشيخ سلمان آل خليفة بسبب الدمج المتوقع لمنصب رئاسة الاتحاد القاري مع منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي في عام 2015.
وقال الأمير علي بن الحسين وقتها: «تعقيبًا على الأحداث الأخيرة المتعلقة بموقف الاتحاد الآسيوي من منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي، أخاطبكم في ضوء وجود جهود مكثفة لدمج رئاسة الاتحاد الآسيوي مع منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي في عام 2015 وبالتالي إلغاء المنصب الذي تم انتخابي لأمثله على الصعيدين الآسيوي والعالمي فور انتهاء مدة الخدمة».
ورأى الأمير علي أنه تقلد المنصب بعد انتخابات ديمقراطية في يناير 2011 «والذي حمل مهامه من سبقني أكثر من خمسة عشر عاما».
وتابع: «تقدمت الاتحادات الوطنية التالية بطلب الدمج: اتحادات أفغانستان وكوريا الشمالية وإندونيسيا وباكستان والبحرين وقطر واليمن وسريلانكا، ومن المقرر أن يتم طرح اقتراحهم على كونغرس الاتحاد الآسيوي الذي سيقام في البرازيل في يونيو (حزيران) المقبل».
ورأى الأمير علي أنه «مع بالغ احترامي وتقديري لهذه الاتحادات إلا أنني أتحفظ وبشدة على قرارهم، هذا للأسباب التالية التي ناقشتها مع زملائي في اللجنتين التنفيذيتين في كل من الاتحادين الدولي والآسيوي: هذا الاقتراح قد تم طرحه في كونغرس الاتحاد الآسيوي في مايو الماضي بناء على طلب الاتحادات الباكستانية والنيبالية والسريلانكية، وقوبل بالرفض من الأغلبية العظمى حيث صوت 98 في المائة من الدول الأعضاء ضد الدمج مما يعني أن الكونغرس ذاته الذي انتخب الرئيس الحالي للاتحاد قد اتخذ قراره بشأن الاقتراح قبل سنة مضت. ثانيًا، أقف أمامكم مؤمنا بالأهمية الفائقة لفصل السياسة عن الرياضات كافة ومنها كرة القدم وانطلاقًا من قناعتي التامة بضرورة خلو اللعبة من المصالح الشخصية واستغلال المناصب، وإن هذه لقاعدة أساسية عملت بها طوال خمسة عشر عاما من خدمتي الكروية».
وأضاف: «ثالثًا، لقد فوجئنا بظهور هذا الاقتراح خلال الأشهر الماضية تحت قيادة الرئيس الحالي للاتحاد الآسيوي ونيل هذا المطلب على حصة الأسد من أجندته للقارة الآسيوية، ويؤسفنا اتخاذه وعدد من مسؤولي الكرة في الاتحاد لهذا المسار السياسي عوضًا عن تركيز الطاقات على تطوير اللعبة في قارتنا ومواجهة التحديات التي تحتاج تكاتفنا في كافة المجالات كالتسويق وقطاع الناشئين والكرة النسوية والشفافية واللعب النظيف والقائمة تطول، كما يؤسفنا أن يكرس الرئيس جزءًا كبيرًا من وقته وجهده في الأيام الماضية في محاولة استمالة أصوات الاتحادات بدل العمل يدًا بيد لما فيه خير لكرة القدم في آسيا».
ورأى نائب رئيس الاتحاد الدولي أنه «بمقدور رئيس الاتحاد الآسيوي أن يترشح لمنصب نائب رئيس الاتحاد الدولي أو كعضو ممثل عن آسيا في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي حيث يضمن له القانون هذا الحق بطريقة ديمقراطية وعادلة».
وأضاف: «أجد في استمرار فصل المنصبين حكمة ونفعًا لكرة القدم في القارة حيث يسمح ذلك لنائب رئيس الاتحاد الدولي أن يرعى شؤون الكرة الآسيوية ضمن الاتحاد الدولي، ويمكن رئيس الاتحاد الآسيوي من التركيز على واجبه الضخم أمام التحديات التي تواجهها الكرة الآسيوية وتنمية اللعبة وتطويرها. وإن الاتحاد الآسيوي ليس متفردا في تطبيق هذا النظام كما أن هناك اتحادًا قاريا يمثل عنه أكثر من نائب واحد لرئيس الاتحاد الدولي».
هذا الهجوم الكبير الذي مارسه الأمير علي بن الحسين في هذه القضية تحديدا كان رسالة واضحة لكل متابعي الكرة الآسيوية أن فجوة الخلاف ستزداد وهو ما جعله يفكر في اتخاذ خطوة أبعد طالما أن منصبه سيكون في مهب الريح وأنه سيغادر مركزه الحالي كنائب لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ومع تزايد فجوة الخلاف الدائرة بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وبين بلاتر من جهة.. وبين الاتحادات الكروية الكبرى في العالم مثل الاتحاد الإنجليزي والألماني والأسترالي والأميركي والهولندي والبرتغالي مع السويسري جوزيف بلاتر كان الحديث عن شخصية يتم تجهيزها من قبل «يويفا» والمعارضين لبلاتر في الانتخابات المقبلة المقررة نهاية مايو الحالي لتسارع الأيام دورتها وتتسرب حينها إمكانية ترشح الأمير علي بن الحسين لرئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم ضد بلاتر.
كان شهر يناير من العام الحالي تاريخيا في مسيرة الأمير علي بن الحسين حيث شهد ترشحه لرئاسة فيفا التي تعد الأعلى على مستوى اللعبة لكن كثيرين كانوا يقولون إن الأمير الأردني يلعب بالنار على اعتبار أنه يواجه خصما لا يمكن لأحد أن ينافسه لا سيما أن مسؤولا كبيرا مثل الفرنسي ميشال بلاتيني فضل عدم الزج باسمه في معركة يراها خاسرة أمام شخصية مخضرمة تجيد لعبة الانتخابات والتكتلات على مستوى العالم وهي الممثلة بالسويسري جوزيف بلاتر الذي لم يقف أحد في وجهه حيث سقط أمامه السويدي لينارت يوهانسون في يونيو 1998 حيث نال بلاتر 111 صوتا مقابل 80 ليوهانسون.
ولم تكن هذه المعركة الانتخابية هي الأولى لبلاتر بل خاض بعدها بأربعة أعوام وتحديدا عام 2002 معركة أقوى لكنها أكثر حسما حينما أطاح بالكاميروني عيسى حياتو بفوزه عليه بـ139 صوتا مقابل 56 صوتا لحياتو ليتكرس في ذهنية كل الراغبين في كرسي فيفا أن إسقاط رجل مثل بلاتر يبدو أمرا مستحيلا في عالم الانتخابات.
هل ستكون المعركة الثالثة بالنسبة لبلاتر ثابتة أم تتغير لمصلحة الأمير علي بن الحسين الذي حول أصوات نحو 50 اتحادا على مستوى العالم في الأسبوع الماضي لمصلحته بعد محاولات إقناع مارسها مع الهولندي فان براغ والبرتغالي لويس فيغو اللذين انسحبا لمصلحة الأمير الأردني..!؟
كثيرون يرون أنه مهما كانت الرغبة حاضرة بالنسبة للاتحادات الكبرى والعريقة على مستوى العالم مثل «اليويفا» كاتحاد قاري واتحادات وطنية مثل الإنجليزي والإيطالي والهولندي والألماني والفرنسي والأميركي والأسترالي لتغيير منصب رئيس فيفا فإنهم لن يقدروا على ذلك على اعتبار أن المتحكمين في هذا المنصب هي الاتحادات الغنية الحاضرة في آسيا ويقودها في ذلك المجلس الأولمبي الآسيوي بقيادة الشيخ أحمد الفهد والتي بلا شك هي التي تحدد وجهة «رئيس أعلى سلطة كروية في العالم»..؟!
خبراء الانتخابات الكروية دائما كانوا يرددون أن الفائز بمنصب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم لا بد أن يحظى أولا بموافقة آسيا وأفريقيا أما أوروبا فتاريخها منذ أكثر من 5 عقود يؤكد أنها غير قادرة على اختيار من تريد.
الأمير علي بن الحسين يخوض بعد غد الجمعة أعتى وأشرس انتخابات في مسيرته الإدارية الكروية ويؤكد ذلك بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «أعرف أن خطوتي بالترشح لرئاسة فيفا تشير لي إما بالبقاء على رأس السلطة الكروية الأعلى في العالم أو المغادرة نهائيا عن واجهة اللعبة عالميا والاكتفاء برئاسة اتحاد غرب آسيا والاتحاد الأردني».
نزاهة فيفا التي يعول عليها الأمير علي بن الحسين في برنامجه الانتخابي والرغبة في مضاعفة إيرادات الاتحادات الوطنية لا سيما الفقيرة هي هدفه الرئيسي كمرشح وتغيير نظرة العالم لهذه المؤسسة لتكون مؤسسة واضحة وشفافة هي الهدف بالنسبة له فضلا عن أنه يريد أن يطلع كافة الاتحادات الوطنية الـ209 فضلا عن الأعضاء التنفيذيين الـ24 على كافة مصروفات وإيرادات وعقود فيفا التي أكد فيها لـ«الشرق الأوسط» أنها سر عظيم لا يمكن معرفته مع بلاتر حاليا وهو ما يثير الشكوك حول الكثير من ملفات فيفا السرية التي تعب الأعضاء في الحديث عنها بلا فائدة.
الخبراء يتساءلون.. كم سيحقق الأمير علي بن الحسين من أصوات في الانتخابات المقررة الجمعة؟.. هل ينجح في تجاوز رقم يوهانسون الذي حقق 80 صوتا وهو الرقم الأعلى من الأصوات التي حصدها الكاميروني حياتو والبالغة 56 صوتا.. هل سيكون العدد لا يتجاوز الـ45 صوتا بحسب ما يتردد من حلفاء بلاتر..؟ أم ينجح بلاتر في الفوز للمرة الثالثة في تاريخه بفوز كاسح من خلال دعم المجلس الأولمبي الآسيوي الذي بدا واضحا تدخلاته في إدارة لعبة كرة القدم عالميا خاصة بعد ترشح الشيخ أحمد الفهد لعضوية تنفيذية فيفا وكأنه يقول لبلاتر هي لك الآن وسأمسك بزمام إدارة فيفا بدءا من مايو 2019 ليقطع الطريق ويبدد أحلام الفرنسي ميشال بلاتيني الذي فضل عدم الزج باسمه في انتخابات خاسرة أمام نظيره بلاتر.

* تاريخ رئاسة {الفيفا}
منذ عام 1904 وحتى الآن تولى مسؤولية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ثمانية رؤساء، وفيما يلي أسماء جميع

* رؤساء الفيفا وفترات توليهم المنصب:
الفرنسي روبرت جيران - بين عامي 1904 و1906
الإنجليزي دانييل بري وولفال - بين عامي 1906 و1918
الفرنسي جول ريميه - بين عامي 1921 و1954
البلجيكي رودولف ويليام سيلدريرز - بين عامي 1954 و1955
الإنجليزي آرثر دروري - بين عامي 1955 و1961
الإنجليزي ستانلي روس - بين عامي 1961 و1974
البرازيلي جواو هافيلانغ - بين عامي 1974 و1998
السويسري جوزيف بلاتر - منذ عام 1998 وحتى الآن.



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.