الائتلاف السوري يعرض وثيقة انتقالية تبقي مؤسسات الدولة

مشاورات مكثفة في جنيف قبل اجتماع دولي ثلاثي

عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)
عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)
TT

الائتلاف السوري يعرض وثيقة انتقالية تبقي مؤسسات الدولة

عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)
عناصر من البحرية الروسية قرب سفينتهم الحربية المكلفة تأمين نقل الكيماوي السوري في ميناء ليماسول بقبرص أمس (أ.ف.ب)

بعد أن تعثرت المفاوضات بين وفدي النظام والمعارضة السورية في اليوم الثالث من الجولة الثانية، تتجه الأنظار إلى الجهود الدبلوماسية لدفع عملية التفاوض للتعامل مع الواقع السياسي والأمني في سوريا. ويجتمع ممثل الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي مع وكيل وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف ووكيلة وزير الخارجية الأميركية ويندي شيرمان اليوم، بعد أن اجتمع الإبراهيمي بغاتيلوف صباح أمس. ومنذ وصول وكيل وزير الخارجية الروسي إلى جنيف الليلة قبل الماضية، أجرى مشاورات مكثفة مع وفد الحكومة السورية والإبراهيمي ودبلوماسيين في جنيف، بينما كانت المعارضة تتطلع إلى اجتماع مع غاتيلوف ولكن حتى مساء أمس لم يحدد موعد لذلك.
وعقد الإبراهيمي جلسة تفاوض صباح أمس استمرت حوالي ساعتين مع وفدي النظام والمعارضة من دون إحراز تقدم بين الطرفين، إذ كان هدف جلسة أمس بحث آلية العمل على هيئة الحكم الانتقالي وهي القضية الجوهرية التي ذكرت في دعوة الأمم المتحدة للطرفين للتفاوض، مع العمل على وقف العنف في البلاد. إلا أن وكيل وزير الخارجية السوري فيصل مقداد كرر رفض حكومته بحث قضية هيئة الحكم الانتقالي في الوقت الراهن. وقال مقداد: «العمل على وضع حد للإرهاب سيستغرق المزيد من الوقت»، مضيفا في تصريحات للصحافيين بعد إنهاء جلسة أمس أن «عدم الالتزام بتسلسل بنود بيان جنيف سيشكل كارثة»، في إشارة إلى أن بيان جنيف يذكر هيئة الحكم الانتقالي في الفقرة السابعة من بيان جنيف، على الرغم من أن الدعوة لمفاوضات جنيف تشير إلى «اتخاذ خطوات أساسية بدءا بهيئة الحكم الانتقالي» لإنهاء الصراع في البلاد. واعتبر المقداد أن التفاوض بالتوازي حول مكافحة الإرهاب وهيئة الحكم الانتقالي «فكرة وهمية ولا يمكن أن تقود إلى أي تفاهم أو حل، الحل هو بالتسلسل في بيان جنيف وأي ابتعاد عن هذا التسلسل هو وصفة لقتل محادثات جنيف». ولكن الإبراهيمي كان قد طرح آلية التفاوض بالتوازي بدلا من الالتزام بقضية واحدة للتفاوض.
وعبر المقداد عن موقف الحكومة السورية الرافض للتفاوض حول هيئة الحكم الانتقالي مما يعثر المفاوضات، بينما قدم الائتلاف الوطني السوري وثيقة توضح رؤيته السياسية لهيئة الحكم الانتقالي في سوريا في جلسة التفاوض مع الإبراهيمي ووفد النظام أمس. ولم تقدم الحكومة السورية رؤيتها على الرغم من أن ذلك كان مطلب الإبراهيمي لاجتماع اليوم. وأفادت عضوة الوفد المعارض ريما فليحان لـ«الشرق الأوسط» أن الإبراهيمي تسلم وثيقة «بيان المبادئ الأساسية لاتفاق التسوية السياسية لمؤتمر جنيف للسلام وقبلها ولكن لم نستمع إلى أي رد من النظام السوري». وأضافت أن «النظام أصر على مواصلة الحديث عن الإرهاب ولم يطرح أي وثائق». وكان رئيس الوفد السوري بشار الجعفري منفعلا خلال الجلسة واتهم المعارضة بـ«الكذب» في الوثيقة التي قدمها قبل يومين وعددت المجازر التي ارتكبتها قوات تابعة للحكومة السورية ودونت من قبل منظمات دولية منها الأمم المتحدة.
ووصف مصدر دبلوماسي غربي مطلع على سير المفاوضات الوضع بأنه «مسدود، ولكن التحركات الدبلوماسية هدفها الآن فتحها من جديد». وبعد أن كان اللقاء الثلاثي بين الإبراهيمي وشيرمان وغاتيلوف مجدولا ليوم غد (الجمعة)، قدم إلى اليوم (الخميس) بهدف الاتفاق على بعض النقاط الأساسية والضغط على وفد النظام للتفاوض الجدي قبل انتهاء الجولة الحالية من المفاوضات السبت. كما أن روسيا حريصة على دفع المفاوضات قبل بدء مشاورات مجلس الأمن اليوم حول قرار ملزم للحكومة السورية للسماح بدخول المساعدات الإنسانية. وكرر غاتيلوف موقف بلاده أمس بـ«رفض أي قرار» حول فرض قرار دولي لإدخال المساعدات الإنسانية. وتقدم وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة فاليري أموس تقييمها للوضع الإنساني لمجلس الأمن اليوم مما يتوقع أن يضمن انتقادا للحكومة السورية والجماعات المسلحة لمنع دخول المساعدات.
ومن جهة أخرى، طرح الائتلاف السوري أمس وثيقة متكاملة لتصوره لمبادئ الحل السياسي في سورية. وطالب وفد المعارضة باعتبار «اتفاق التسوية السياسية المتوافق عليه بين الطرفين السوريين المشاركين في مؤتمر جنيف الثاني للسلام، يعد بمثابة إعلان دستوري مؤقت» وهي النقطة الأولى من بيان المبادئ الأساسية التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها.
وتشدد الوثيقة على ضرورة حماية مؤسسات الدولة السورية، إذ تشير إلى أن «هيئة الحكم الانتقالي ستحافظ على سيادة واستقلال الدولة السورية ووحدة، وسلامة الأراضي السورية بشكل كامل.. واتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات تفضي إلى انسحاب كافة الجهات العسكرية الخارجية والمقاتلين الأجانب من كافة الأراضي السورية». وتضيف الوثيقة «أهمية استمرار المؤسسات الحكومية والموظفين من ذوي الكفاءات، فمن الواجب المحافظة على خدمات المؤسسات العامة وإعادة تقييم دورها ووضع خطط للرقي بها وفق المعايير المهنية العالمية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وقوانين العمل والعمال، وعبر دراسة وإصلاح بناها التنظيمية ومهامها ويشمل ذلك الجيش والقوات المسلحة وهيئات وأفرع الاستخبارات ودوائر الأمن وكمبدأ عام يحتفظ بكافة موظفي الدولة والقطاع العام وإعادة التقييم المهني لهم وتأمين برامج التدريب وإعادة التأهيل للرقي بإمكاناتهم أن لزم». وكان من اللافت الإشارة إلى دوائر الأمن والاستخبارات في الوثيقة، من دون الإشارة إلى محاسبة من تلطخت أيديهم بالدم أو ثبتت الجرائم عليهم. ولكن تفيد الوثيقة بأنه «على كافة المؤسسات الحكومية بما فيها الجيش والقوات المسلحة والاستخبارات ودوائر الأمن أن تؤدي عملها تحت سيادة القانون وبما يتماشى مع معايير حقوق الإنسان والمعايير المهنية العالمية، وأن تعمل تحت قيادة عليا تكون محل ثقة الشعب وتخضع كاملا لسلطة هيئة الحكم الانتقالي».
يذكر أن المذكرة لا تشير إلى مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد أو حزب البعث، ولم يذكرا في الوثيقة، سعيا من المعارضة إلى عدم استفزاز وفد النظام أو مؤيديه وبحثا عن أرضية مشتركة لدفع العملية السياسية. وتشير الوثيقة إلى أن «هيئة الحكم الانتقالي هي الهيئة الشرعية الوحيدة المعبرة عن سيادة واستقلال الدولة السورية وهي المخولة فقط بتمثيل الدولة»، مضيفة أن «المهمة الرئيسة لهيئة الحكم الانتقالي هي خلق بيئة محايدة يمكن لعملية الانتقال السياسي التي تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري».

* لقطات من جنيف

* الإبراهيمي لم يعقد مؤتمرا صحافيا أمس، ليكون اليوم الثاني الذي لا يعقد فيه مؤتمرا صحافيا خلال الجولة الثانية من المفاوضات، بعد أن كان يعقد مؤتمرا صحافيا يوميا خلال الجولة الأولى من المفاوضات. وأوضح المبعوث الدولي أنه لن يعقد مؤتمرات صحافية إذا لم يكن لديه من جديد ليعلن عنه.
* من المتوقع أن تنتهي الجولة الثانية من المفاوضات السورية السبت المقبل، وقال أعضاء من وفد المعارضة إنهم يتوقعون المغادرة في ذلك اليوم، بينما أفاد أعضاء من وفد الحكومة أنهم ينون المغادرة الأحد. وحتى مساء أمس، لم يحدد الإبراهيمي موعدا لانتهاء الجولة الثانية من المفاوضات.
* عضو من وفد المعارضة السورية وصف جلسات المفاوضات بـ«جلسات وثائق»؛ إذ يطرح الطرفان وثائق من دون أن يناقشها أحد.
* بعد انتهاء جلسة التفاوض ظهر أمس، توجه أعضاء من وفدي الحكومة والمعارضة السورية لموقع تجمع الإعلاميين، وتحدثا مع الإعلاميين في مواقع مختلفة من الحديقة الخلفية لمقر الأمم المتحدة. وعادة ما يفضل الوفدان الالتقاء بالصحافيين على حدة، ولكن هذه المرة كانت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان ووزير الإعلام السوري عمران الزعبي يتحدثان مع إعلاميين، غالبيتهم أجانب.. بينما أعضاء الائتلاف الوطني السوري أنس العبدة وأحمد الجقل وغيرهما تحدثا مع إعلاميين على الطرف الآخر من الحديقة.
* لوحظ زيادة عدد رجال الشرطة المحيطين بنائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد خلال مؤتمره الصحافي أمس، وهو الوحيد الذي يكون بالقرب منه رجال شرطة من قوات الأمم المتحدة خلال التحدث مع الصحافيين، بينما باقي أعضاء الوفد السوري الذين يتحدثون للإعلام عادة ما يكون معهم مرافقون سوريون ضمن الوفد الرسمي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.