خبراء: تسريع الجهود لمحاربة «جدري القردة» لم تحدث إلا عندما وصل أوروبا

صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)
صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)
TT

خبراء: تسريع الجهود لمحاربة «جدري القردة» لم تحدث إلا عندما وصل أوروبا

صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)
صورة التقطت عام 1997 قدمتها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية لمريض بجدري القردة (أ.ب)

بينما تطرح السلطات الصحية في أوروبا وأماكن أخرى لقاحات وأدوية للقضاء على أكبر انتشار لجدري القردة خارج أفريقيا، يقر بعض الأطباء بواقع سيئ: لقد كانت الموارد لإبطاء انتشار المرض متاحة منذ فترة طويلة، لكن ليس للأفارقة الذين يحاربون المرض منذ عقود.
وأبلغت دول، من بينها بريطانيا، وإسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا، وسويسرا، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وأستراليا عن أكثر من 250 حالة إصابة بجدري القردة، العديد منها على ما يبدو مرتبط بنشاط جنسي في اثنين من بلدين أوروبيين. ولم يتم الإبلاغ عن أي وفيات.
تعرض السلطات في العديد من البلدان الأوروبية والولايات المتحدة تحصين الناس وتفكر في استخدام الأدوية المضادة للفيروسات. ستعقد منظمة الصحة العالمية يوم الخميس اجتماعاً خاصاً لمناقشة أولويات أبحاث جدري القردة والقضايا ذات الصلة.
وفي الوقت نفسه، أبلغت القارة الأفريقية عن أكثر من خمسة أضعاف عدد الحالات هذا العام، حسبما أفاد تقرير لوكالة «أسوشييتد برس»، اليوم (الأربعاء).
وذكر التقرير، أنه كان هناك أكثر من 1400 حالة إصابة بفيروس جدري القردة و63 حالة وفاة في أربعة بلدان يتفشى فيها المرض في أفريقيا، وهي الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو ونيجيريا - وفقاً للمراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. ويقول مسؤولو الصحة، إن التسلسل حتى الآن لم يظهر أي صلة مباشرة بالتفشي خارج أفريقيا.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1528495853484269570
وينتمي جدري القردة إلى عائلة فيروسات الجدري، وتقدر فاعلية لقاحات الجدري بنحو 85 في المائة ضد جدري القردة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.
ومنذ تحديد الحالات في وقت سابق من هذا الشهر، لقّحت بريطانيا أكثر من 1000 شخص معرّضين لخطر الإصابة بالفيروس واشترت 20 ألف جرعة إضافية، في حين يجري مسؤولو الاتحاد الأوروبي محادثات لشراء المزيد من لقاح الجدري من «بافاريا نورديك»، وهي الشركة المصنعة للقاح الوحيد من هذا النوع المرخص في أوروبا.
وأصدر مسؤولو الحكومة الأميركية نحو 700 جرعة من اللقاح للولايات التي تم الإبلاغ فيها عن حالات.
وتعد الشكوى من بعض الأطباء، أن مثل تلك الإجراءات السريعة في أوروبا لا تظهر في أفريقيا. وتقول الدكتورة أديسولا ينكا - أوغينلي، التي تقود مجموعة عمل مكافحة جدري القردة في نيجيريا، إنه لا يوجد حالياً لقاحات أو مضادات فيروسية تُستخدم ضد جدري القردة في بلدها. وقالت، إن الأشخاص المشتبه في إصابتهم بجدري القردة يتم عزلهم ومعالجتهم بطريقة تقليدية، بينما تتم مراقبة المخالطين لهم.
وفي السياق، يقول أحمد أوجويل، القائم بأعمال مدير مركز السيطرة على الأمراض في أفريقيا، إن أفريقيا بشكل عام لديها فقط «مخزونات صغيرة» من لقاح الجدري لتزويد العاملين الصحيين به عند تفشي مرض جدري القردة.
ومن جانبه، يقول الدكتور جيمي ويتوورث، أستاذ الصحة العامة الدولية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، إن محدودية إمدادات اللقاح والأولويات الصحية المتنافسة تعني أن التحصين ضد جدري القردة لم يتم اتباعه على نطاق واسع في أفريقيا.
اقرأ أيضا: لقاحات كورونا ليست السبب... أبرز الشائعات حول «جدري القردة»

وتابع ويتوورث «إنه أمر غير مريح بعض الشيء أن يكون لدينا موقف مختلف تجاه أنواع الموارد التي ننشرها اعتماداً على مكان وجود الحالات». وأردف «إنه يكشف الفشل الأخلاقي عندما لا تكون هذه التدخلات متاحة لملايين الأشخاص في أفريقيا الذين يحتاجون إليها».
وتمتلك منظمة الصحة العالمية 31 مليون جرعة من لقاحات الجدري، معظمها محفوظة في البلدان المانحة وتهدف إلى الاستجابة السريعة لأي عودة ظهور للمرض، والذي تم الإعلان عن القضاء عليه في عام 1980. ولم يتم إطلاق جرعات من مخزون وكالة الصحة التابعة للأمم المتحدة لأي جدري قردة تفشي المرض في وسط أو غرب أفريقيا.
ويقول الدكتور مايك رايان، رئيس قسم الطوارئ بمنظمة الصحة العالمية، إن الوكالة تدرس السماح للدول الغنية باستخدام لقاحات الجدري لمحاولة الحد من انتشار مرض جدري القردة. وتدير منظمة الصحة العالمية آليات مماثلة لمساعدة البلدان الفقيرة في الحصول على لقاحات لأمراض، مثل الحمى الصفراء والتهاب السحايا، لكن هذه الجهود لم تُستخدم سابقاً في البلدان التي يمكنها تحمل تكاليف الحقن.
وقال أويويل توموري، عالم الفيروسات النيجيري الذي يشارك في العديد من المجالس الاستشارية لمنظمة الصحة العالمية، إن إطلاق لقاحات الجدري من مخزون الوكالة لمنع مرض جدري القردة من أن يصبح وباءً في البلدان الأكثر ثراءً قد يكون له ما يبرره، لكنه أشار إلى وجود تناقض في استراتيجية منظمة الصحة العالمية.
وقال توموري «كان ينبغي تبني نهج مماثل منذ وقت طويل للتعامل مع الوضع في أفريقيا. هذا مثال آخر على الحالات التي تكون فيها بعض البلدان أكثر مساواة من غيرها».
اقرأ أيضا: 4 أسئلة رئيسية حول تفشي «جدري القردة»
ويعاني معظم الناس المصابين بجدري القردة من أعراض تشمل الحمى والقشعريرة والتعب. لكن أولئك الذين يعانون من مرض أكثر خطورة غالباً ما يصابون بطفح جلدي على وجوههم أو أيديهم ينتشر في مكان آخر.
نشر الدكتور هيو أدلر وزملاؤه مؤخراً ورقة بحثية تشير إلى أن عقار تيكوفيرمات المضاد للفيروسات يمكن أن يساعد في مكافحة جدري القردة. تم استخدام الدواء، الذي تمت الموافقة عليه في الولايات المتحدة لعلاج الجدري، في سبعة أشخاص مصابين بجدري القردة في المملكة المتحدة من 2018 إلى 2021، ولكن هناك حاجة إلى مزيد من التفاصيل للحصول على الموافقة التنظيمية.
قال أدلر، زميل باحث في كلية ليفربول للطب الاستوائي «إذا فكرنا في الحصول على هذه البيانات من قبل، فلن نكون في هذا الموقف الآن حيث لدينا علاج محتمل من دون أدلة كافية».
وأشار أدلر إلى أن العديد من الأمراض لم تجتذب أموالاً كبيرة إلا بعد أن أصابت أشخاصاً من الدول الغنية، فعلى سبيل المثال، على الرغم من التفشي الكارثي لفيروس إيبولا في غرب أفريقيا في الفترة من 2014 إلى 2016، وأصاب ما يزيد على 28 ألف حالة في غرب أفريقيا، لم تنشط السلطات الأميركية في تسريع الأبحاث والبروتوكولات لترخيص لقاح ضد إيبولا إلا بعد أن أصيب العديد من الأميركيين.
ويأمل جاي تشودي، خبير التنمية الذي يعيش في ولاية إينوجو النيجيرية، والتي أبلغت عن حالات جدري القردة منذ عام 2017، أن الاهتمام المتزايد قد يساعد أخيراً في معالجة المشكلة. لكنه مع ذلك أعرب عن أسفه لأن الأمر يتطلب عدوى في البلدان الغنية حتى يبدو الأمر ممكناً.
وقال تشودي «قد تعتقد أن الحالات الجديدة أكثر فتكاً وخطورة مما لدينا في أفريقيا. نحن نرى الآن أنه يمكن أن ينتهي مرة واحدة وإلى الأبد، ولكن لأنه لم يعد في أفريقيا فقط. الجميع الآن قلقون».


مقالات ذات صلة

دراسة: فيروس خفي داخل بكتيريا الأمعاء يُضاعف خطر الإصابة بسرطان القولون

صحتك سرطان القولون نوع من السرطان يبدأ في خلايا القولون أو المستقيم (جامعة كيس وسترن ريسرف)

دراسة: فيروس خفي داخل بكتيريا الأمعاء يُضاعف خطر الإصابة بسرطان القولون

قالت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية إن دراسة جديدة منشورة في مجلة «كوميونيكيشنز ميديسين»، في وقت سابق من هذا الشهر، خلصت إلى أنه قد يكون هناك ارتباط بين فيروس

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تناول المكسرات باعتدال يدعم صحة القلب (رويترز)

5 أنواع من المكسرات تدعم صحة القلب

تُعدّ المكسرات مصدراً غنياً بالدهون غير المشبعة الصحية والألياف والبروتين، مما يدعم صحة القلب. كما أن بعضها غنية أيضاً بأحماض «أوميغا 3» المفيدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك إضافة السكر قد تُقلل من محتوى الشاي من البوليفينولات (رويترز)

6 أشياء لا يجب عليك إضافتها إلى الشاي

يميل من يشربون الشاي بانتظام إلى العيش لفترة أطول، كما أن خطر إصابتهم بأمراض القلب أقل مقارنةً بمن لا يشربونه. لكن، بعض الإضافات قد تقلل من فوائده.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك إفراط الأطفال في استهلاك السكر يرتبط بقائمة مقلقة من المشكلات الصحية طويلة الأمد (جامعة موناش)

نصائح لإبعاد الأطفال عن تناول السكريات

أفاد بيان صادر حديثاً عن «جمعية القلب الأميركية (AHA)»، بأن تناول الأطعمة والمشروبات الغنية بالسكريات المضافة خلال مرحلة الطفولة يشكل خطورة على صحة الأطفال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تلوث الهواء يُرجَّح أن يؤدي إلى مرض ألزهايمر في الغالب عبر «مسارات مباشرة» (رويترز)

ازدياد ألزهايمر بين كبار السن الأميركيين... وخطر خفي قد يكون السبب

كشفت دراسة جديدة، أجرتها جامعة إيموري في أتلانتا بالولايات المتحدة، عن أن الأشخاص الأكثر تعرضاً لتلوث الهواء قد يواجهون خطراً أعلى للإصابة بمرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.