واشنطن لا تنفي ولا تؤكد تسليم كييف راجمات صواريخ

كيربي: الوقت لم يفُت لتقديم أنظمة سلاح جديدة

كيربي (يسار) مع وزير الدفاع لويد أوستن (أ.ب)
كيربي (يسار) مع وزير الدفاع لويد أوستن (أ.ب)
TT

واشنطن لا تنفي ولا تؤكد تسليم كييف راجمات صواريخ

كيربي (يسار) مع وزير الدفاع لويد أوستن (أ.ب)
كيربي (يسار) مع وزير الدفاع لويد أوستن (أ.ب)

رفض المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) جون كيربي، تأكيد خطط إدارة الرئيس جو بايدن أو نفيها، لتسليم أوكرانيا راجمات صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، من طراز «إم إل آر إس». وقال إن بلاده تعمل كل يوم، على إدخال أسلحة وأنظمة إلى أوكرانيا، بما في ذلك مدافع الهاوتزر، التي لا تزال تصل، وتساعدهم فعلياً في القتال. وأضاف أن الوزارة «على تواصل دائم مع الأوكرانيين بشأن احتياجاتهم في المستقبل»، رافضاً «استباق الأمور» بشأن قرارات «لم تتخذ بعد». وقال كيربي: «كنا نعلم، عندما قررت روسيا التركيز على الجزء الشرقي من البلاد ومنطقة دونباس، ستكون الحاجة للمدفعية ولأنواع من الأسلحة طويلة المدى». وأكد أن البنتاغون مدرك وواعٍ لما يطلبه الأوكرانيون، في السر والعلن، لما يعرف بنظام الصواريخ متعددة الإطلاق، لكن لم يتخذ القرار بعد. وأضاف: «ولهذا السبب يتم تقسيم حزم المساعدات إلى حد ما بمرور الوقت، لأننا نريد أن نكون قادرين على التكيف مع احتياجاتهم».
- لم يفُت الأوان لتقديم أسلحة جديدة
ومع تصاعد الهجوم الروسي على منطقة دونباس وتحقيق القوات الروسية تقدماً، وصفه البعض بأنه قد يؤدي إلى فوات الأوان على مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن المنطقة، أكد كيربي أن تلك التكهنات غير مجدية، نظراً إلى طبيعة المعركة المتحركة. وقال: «تقييمنا هو أن الروس يواصلون تحقيق بعض المكاسب المزدادة في دونباس، ليس بحجم كبير، وليس بقفزات كبيرة. إنهم يواجهون ولا يزالون يواجهون مقاومة أوكرانية شديدة». وأضاف: «ولهذا السبب لن أذهب إلى حد القول إن الوقت قد فات لتزويد الأوكرانيين بأي نظام أو قدرة قد يحتاجون إليها لأنهم نشيطون جداً في القتال، ولقد دفعوا الروس إلى الوراء، بالقرب من خاركيف، واستمروا في دفع الروس إلى الخلف». وأشار كيربي إلى أن المعركة، «وثيقة وملتحمة، هناك أماكن، وبلدات، وقرى، حيث الروس والأوكرانيون يخوضون مواجهات مباشرة، تؤدي إلى تبادل السيطرة. قد تسقط منطقة بأيدي الروس، لكن الأوكرانيين يتمكنون من التعافي واستردادها». وأكد أنه لا يمكن تحديد الوقت اللازم الذي ستستغرقه المعارك، «لكن ما نركز عليه هو التأكد من أن الأوكرانيين يمكنهم النجاح في المعركة». وأضاف أنه بعد الموافقة على حزمة المساعدات الجديدة، باتت هناك موارد أكبر، وسيتم إرسال الحزمة 11 من المساعدات العسكرية قريباً، «وسنكون أذكياء بشأن نوعيتها ومنطقيتها بالنسبة للمعركة، بالتنسيق مع الأوكرانيين وحلفائنا وشركائنا».

روسيا لم تحقق أي هدف استراتيجي
وقال كيربي: «كنا في السابق نتحدث عن مدافع الهاوتزر. لذلك قمنا بإرسال أكثر من 100 مدفع، تشارك معظمها بشكل مباشر في القتال. لذلك نحن نتكيف مع الوقت الفعلي قدر الإمكان، لأن القتال في دونباس يتغير وفي الجنوب أيضاً، والرئيس الروسي وربما بعض جنرالاته يعلم ذلك». وأضاف: «ما سمعته من الوزير يقول، وسأكرره اليوم، هو أن الرئيس بوتين يمكنه فعل الشيء الصحيح الآن، من خلال سحب قواته والجلوس مع الرئيس زيلينسكي والأوكرانيين والتفاوض بحسن نية». لكنه أضاف أنه لا يبدو أن هناك أي أمل في المفاوضات الآن، فالرئيس بوتين لم يُظهر أي اهتمام بأي مسار دبلوماسي للمضي قدماً. بل على العكس تماماً، فقد أبدى كل الاهتمام بمتابعة هذه الحرب في دونباس، ويواصل إرسال قواته وإضافة قدرات عسكرية وشن غارات جوية، في مناطق محددة من أوكرانيا. وقال كيربي إن الولايات المتحدة كانت حريصة منذ البداية وتشعر بإلحاح الوقت، لذلك واصلنا نقل المعدات والأسلحة وأنظمة الدفاع كل يوم لأكثر من 90 يوماً من هذه الحرب، وحتى قبل «بدء الغزو»، كنا نرسل الأسلحة حتى يتمكن الأوكرانيون من الدفاع عن أنفسهم.
وهو ما أحدث فرقاً فعلياً، ولم يحقق الرئيس بوتين أياً من أهدافه الاستراتيجية تماماً، ولم يسلب الأوكرانيين سيادتهم، بل على العكس تماماً. في واقع الأمر، لم يستولَ على العاصمة ولم يقطع رأس الحكومة، ولم يسيطر على أي مدينة رئيسية بخلاف ماريوبول في هذه المرحلة. لذلك فهو لم يحقق حقاً أياً من الأهداف الاستراتيجية، وهو يركز الآن على جزء أصغر بكثير من البلاد. ولذا فنحن نركز على جعل الأوكرانيين قادرين على النجاح في تلك المعارك. وعن الحصار الروسي للموانئ الأوكرانية الذي يهدد بأزمة مجاعة في الدول الفقيرة، وعمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل لفك الحصار، قال كيربي إن الرئيس كان واضحاً، «لن تقاتل القوات الأميركية في أوكرانيا، لا في البر ولا في الجو ولا في البحر». لذا فإن أحد الأشياء التي قال الأوكرانيون إنهم يريدون المساعدة فيها هو الدفاع الساحلي. وأضاف: «هكذا يتم إرسال أصول الدفاع الساحلي، بما في ذلك من الولايات المتحدة، إلى أوكرانيا، لمساعدتهم، لكن كيفية استخدامهم لهذه الأنظمة متروكة لهم. وأكد أن المجتمع الدولي يشعر بقلق بالغ إزاء شحنات الحبوب المقبلة من أوكرانيا والحصار وتأثيره». لكنه أضاف أن هناك طرقاً لإخراج بعضها، «حيث رأينا بعض الدول الأوروبية مستعدة لنقلها عن طريق السكك الحديدية».


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟