أميركا تهتز بمقتل 19 طفلاً بالرصاص في مدرسة بتكساس

«الشرق الأوسط» في مسرح الجريمة... وبايدن يطالب بقيود على الأسلحة النارية

المدرسة الابتدائية التي كانت مسرحاً لإطلاق نار جماعي أدى لمقتل 19 تلميذاً في ولاية تكساس أمس (رويترز)
المدرسة الابتدائية التي كانت مسرحاً لإطلاق نار جماعي أدى لمقتل 19 تلميذاً في ولاية تكساس أمس (رويترز)
TT

أميركا تهتز بمقتل 19 طفلاً بالرصاص في مدرسة بتكساس

المدرسة الابتدائية التي كانت مسرحاً لإطلاق نار جماعي أدى لمقتل 19 تلميذاً في ولاية تكساس أمس (رويترز)
المدرسة الابتدائية التي كانت مسرحاً لإطلاق نار جماعي أدى لمقتل 19 تلميذاً في ولاية تكساس أمس (رويترز)

اهتزت الولايات المتحدة بقوة خلال الساعات الـ48 الماضية، وسارعت دول العالم إلى مواساة الأميركيين بالتعبير عن الحزن والغضب لمقتل 19 طفلاً وشخصين بالغين برصاص شاب عمره 18 عاماً، فتح النار على التلاميذ داخل صفوفهم بمدرسة ابتدائية بولاية تكساس، في واحدة من أكثر عمليات القتل الجماعي دموية في تاريخ الولايات المتحدة، ما دفع الرئيس جو بايدن إلى اتخاذ قرار بتنكيس الأعلام لخمسة أيام حداداً، وشد أزر المطالبين بوضع حد لانتشار «آفة» السلاح، رغم التعديل الثاني من الدستور الأميركي الذي يكفل حق حمل الأسلحة النارية.
وأعاد هذا الهجوم إلى الأذهان أسوأ عملية إطلاق نار داخل مدرسة في تاريخ الولايات المتحدة، وتعود إلى ديسمبر (كانون الأول) 2012، عندما فتح مسلح النار في ابتدائية «ساندي هوك» بمدينة نيوتاون في ولاية كونيتيكيت، ما أدى إلى مقتل 20 تلميذاً و6 من البالغين. ولم ينجح الرئيس الأميركي سابقاً باراك أوباما ونائبه بايدن عامذاك في التغلب على اعتراضات لوبيات الأسلحة، وأكثرها نفوذاً جمعية «البندقية الوطنية» المعروفة اختصاراً بـ«إن آر إيه».
وتمكنت الشرطة من قتل المسلح، واسمه سلفادور راموس، بعدما راح يطلق النار بُعيد ظهر الثلاثاء بالتوقيت المحلي، وهو ينتقل من صف دراسي إلى آخر في مدرسة «روب» الابتدائية ببلدة يوفالدي ذات الكثافة اللاتينية، ما أضاف إلى السلسلة المروعة المتواصلة منذ سنوات كثيرة من عمليات القتل الجماعي التي شملت مدارس وجامعات ودور عبادة ومتاجر وأماكن عامة.
وبينما قال الحاكم الجمهوري لتكساس غريغ أبوت، إن أحد البالغين اللذين قتلا كان مدرساً، لم يتضح على الفور عدد الجرحى في يوفالدي؛ لكن قائد شرطة يوفالدي بيت أريدوندو قال إن هناك «إصابات عدة».
ومع ورود الأنباء في ساعات الليل، بدا الهجوم أحدث لحظة قاتمة لبلد يعاني سلسلة من المذابح، ويأتي بعد 10 أيام فقط من هياج عنصري مميت في «سوبر ماركت» بمدينة بافالو بنيويورك. وبدا أن احتمالات أي إصلاح لقواعد الأسلحة في البلاد قاتمة، إن لم تكن باهتة، مما كانت عليه في أعقاب هجوم «ساندي هوك».
لكن الرئيس جو بايدن بدا مستعداً للقتال، فدعا إلى فرض قيود جديدة على الأسلحة، في خطاب وجهه إلى الأمة بعد ساعات قليلة من الهجوم. وقال: «كأمة علينا أن نتساءل باسم الله: متى سنقف في وجه لوبي الأسلحة؟ متى سنفعل باسم الله ما يجب علينا فعله؟». وأضاف: «لماذا نحن على استعداد للعيش مع هذه المذبحة؟». وإذ ذكَّر بالهجوم الذي وقع في «ساندي هوك» قبل 10 سنين، لفت إلى أنه منذ ذلك الحين شهدت الولايات المتحدة 900 هجوم بالأسلحة النارية خلال السنين العشر الماضية.
ووقع إطلاق النار هذا قبل أيام فقط من موعد انعقاد المؤتمر السنوي لجمعية «البندقية الوطنية» في هيوستن. وكان مقرراً أن يلقي الحاكم أبوت وسيناتورا الولاية الجمهوريان كلمات في هذا المنتدى غداً الجمعة.
وفشلت محاولات عدة في مجلسي النواب والشيوخ لإقرار تشريعات تحد من بيع الأسلحة النارية واقتنائها في الولايات المتحدة.
- الأطفال الضحايا... وذووهم
وبعد ساعات من الهجوم، كان ذوو التلاميذ ينتظرون أي أخبار عن أطفالهم. وتجمع بعضهم في مركز الدفاع المدني في المدينة؛ حيث كان الصمت ينكسر مراراً بالصراخ والنحيب. وقال رئيس المنطقة التعليمية هال هاريل، إن «قلبي محطم اليوم»، مضيفاً: «نحن مجتمع صغير، وسنحتاج إلى صلواتكم لتجاوز هذا الأمر».
وكان مصلح المكيفات أدولفو كروز (69 عاماً) لا يزال خارج المدرسة عند الغروب، باحثاً عن إفادة عن حفيدته إيليا كروز توريس، البالغة من العمر 10 أعوام. وقد قاد سيارته إلى مكان الحادث بعد تلقيه مكالمة مرعبة من ابنته بعيد ظهور التقارير الأولى عن إطلاق النار. وقال إن أقارب آخرين كانوا في المستشفى ومركز الدفاع المدني. وأكد أن هذا الانتظار كان أثقل لحظة في حياته. وقال: «أتمنى أن تكون على قيد الحياة».
وشوهد الموظفون في المنطقة والأقارب المنكوبون للضحايا وهم يبكون أثناء خروجهم من مستشفى يوفالدي التذكاري، الذي أعلن أن 13 طفلاً نُقلوا إلى هناك. وأفاد مستشفى آخر بأن امرأة تبلغ من العمر 66 عاماً كانت في حالة حرجة.
ولم يكشف المسؤولون على الفور عن دافع المهاجم سلفادور راموس، وهو من سكان منطقة تبعد 85 ميلاً (135 كيلومتراً) غرب مدينة سان أنطونيو. وقال مسؤولو إنفاذ القانون إنه تصرف بمفرده.
وتقع مدينة يوفالدي التي يقطنها حوالي 16 ألف شخص، على مسافة 75 ميلاً (120 كيلومتراً) من الحدود مع المكسيك. ابتدائية «روب» التي تضم ما يقرب من 600 طالب في الصفوف الثاني والثالث والرابع، تقع في حي سكني منازله متواضعة.
- يوم الملابس الجميلة!
ووقع الهجوم بينما كانت المدرسة تقوم بالعد التنازلي لآخر أيام العام الدراسي. كان من المقرر أن يكون الثلاثاء هو «فوتلوس أند فانسي» الذي يرتدي فيه التلاميذ ملابس جميلة.
وكان راموس قد لمَّح على وسائل التواصل الاجتماعي إلى احتمال وقوع هجوم، وفقاً للسيناتور رولان غوتيريز الذي قال إنه تلقى إحاطة من شرطة الولاية. وأشار إلى أن المسلح «اقترح على الأطفال أن ينتبهوا»، وأنه اشترى «سلاحين هجوميين» بعد بلوغه 18 عاماً.
وقال غوتيريز، قبل التوجه إلى المدرسة، إن راموس أطلق النار على جدته. وأفاد مسؤولون آخرون بأن الجدة نجت وتتلقى العلاج، رغم عدم معرفة حالتها.
ويعتقد المحققون أن راموس نشر صوراً على «إنستغرام» لبندقيتين استخدمهما في إطلاق النار، وكانوا يفحصون ما إذا كان قد أدلى بتصريحات على الإنترنت في الساعات التي سبقت الهجوم. وقال مسؤول أمني إن ضباطاً نفذوا الثلاثاء أوامر تفتيش متعددة، وهم يجمعون سجلات هاتفية وسجلات أخرى. كان المحققون يحاولون أيضاً الاتصال بأقارب راموس ويتعقبون الأسلحة النارية.
وأفاد مسؤول آخر بأن الهجوم بدأ قرابة الساعة 11:30 قبل الظهر، عندما حطّم المسلح سيارته خارج المدرسة واصطدم بالمبنى، وفقاً لما ذكره ترافيس كونسيدين، الناطق باسم إدارة السلامة العامة في تكساس. اتصل أحد السكان الذي سمع التحطم برقم 911، وتبادل ضابطان محليان إطلاق النار مع مطلق النار. وكشف أن عنصراً من حرس الحدود يعمل في مكان قريب أطلق النار وقتل المسلح الذي كان وراء حاجز. وأكد أن رجل الأمن أصيب؛ لكنه تمكن من الخروج من المدرسة.
- مواساة عالمية
وعلى الأثر، تدفقت التعازي من زعماء العالم. وأكد البابا فرنسيس أن الوقت قد حان لقول: «كفى للتجارة العشوائية للأسلحة!».
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تغريدة، أن بلاده تشارك «الشعب الأميركي الصدمة والألم»، و«الغضب» كذلك من أولئك الذين يعارضون انتشار الأسلحة النارية في الولايات المتحدة.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على «تويتر»: «يجب أن نضع حداً لهذا الرعب اليومي في الولايات المتحدة».
وأعرب الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن صدمته حيال حادث إطلاق النار العشوائي. كما أعرب المستشار الألماني أولاف شولتس عن حزنه على ضحايا «هذه المذبحة التي لا يمكن تصورها».
من جانبه، قدم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تعازيه في الضحايا، وأعرب عن أسفه لوقوع «ضحايا إطلاق نار في زمن السلم».
وقال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا الذي تخوض بلاده حرباً مع روسيا، إن بلاده تعرف أيضاً «ألم فقدان أرواح الشباب الأبرياء».


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟