«مونتي كارلو» العربية تطفئ شمعتها الـ50

فكرة الجنرال ديغول التي نافست «بي بي سي» و«صوت أميركا»

مذيعون من «مونتي كارلو» دخلت أصواتهم كل البيوت
مذيعون من «مونتي كارلو» دخلت أصواتهم كل البيوت
TT

«مونتي كارلو» العربية تطفئ شمعتها الـ50

مذيعون من «مونتي كارلو» دخلت أصواتهم كل البيوت
مذيعون من «مونتي كارلو» دخلت أصواتهم كل البيوت

دون كثير من الطنطنة، يحتفل العاملون في «راديو مونتي كارلو» بمرور 50 عاماً على تأسيسه. جاءت الفكرة من الرئيس الفرنسي شارل ديغول ومستشاريه. والهدف منها أن تكون لفرنسا إذاعة ناطقة باللغة العربية تنافس انتشار «بي بي سي» البريطانية و«صوت أميركا» في المنطقة المسماة الشرق الأوسط. أدرك الجنرال، بعد حرب يونيو (حزيران) 1967 أهمية تأسيس إذاعة فرنسية تخاطب العرب بلغتهم. وهو كان يتوقع أن الاضطراب السياسي في تلك المنطقة من العالم ليس بالعابر، وبالتالي لا بد من وسيلة إعلامية تتمتع باستقلال فعلي في موادها التحريرية، ولها مصداقيتها، وليست بيد هذه الدولة أو تلك.
أوكلت مهمة التنفيذ إلى الشركة المالية للبث الإذاعي «سوفيراد»، التي يديرها بيير لوفران، أحد المساعدين المقربين جداً من ديغول. وكان رأيه أن قبرص هي المكان الأنسب لبث برامج الإذاعة الجديدة ما دام المدى يمكن أن يصل إلى العراق ويغطي المشرق. لكن تعذرت تغطية مصر. وهكذا جرى التفاوض مع الحكومة القبرصية على إمكانية نصب المرسلات فيها، والحصول على امتياز للبث الإذاعي. ووجدت قبرص نفسها محرجة بين الطلب الفرنسي والعلاقة مع بريطانيا. وكان لا بد من غطاء للعملية. وجاء الغطاء عبر فكرة بسيطة تقوم على أن «سوفيراد» تملك أسهماً في «راديو مونتي كارلو» الفرنسي ومقره موناكو، ويمكن استخدام الاسم الموجود سلفاً وإطلاق الإذاعة الجديدة تحت اسم «راديو مونتي كارلو - الشرق الأوسط».
كانت الإذاعة تابعة للحكومة وممولة منها، لكن القائمين عليها أرادوها غير رسمية. وساعدها في ذلك أنها تتخذ من الإمارة الصغيرة المحايدة مقراً لها. وسارت الأمور بعد ذلك بشكل سريع، ونُصبت مرسلات في قبرص، واعتمدت وصفة سبق أن أثبتت فاعليتها في فرنسا؛ أي المزج بين البرامج الشاملة والإعلانات.

الإعلامية المصرية سناء منصور

فترة تجريبية بسيطة سبقت البث، تضمنت ساعات من الموسيقى. وبدأ البث الفعلي في 1 مايو (أيار) 1972، وبصوت الإعلامية المصرية سناء منصور دشنت الإذاعة الوليدة انطلاقتها: «هنا مونتي كارلو. نبدأ البث على الموجة المتوسطة 243». كانت البرامج الصباحية تبث من استوديو الإذاعة الفرنسية في باريس، أما الأخبار وبرامج الظهيرة والمساء، فتقدم من مونتي كارلو. وضم الفريق مجموعة من الصحافيين والمذيعين؛ منهم من كان معروفاً ومنهم المجهول، أبرزهم أنطوان نوفل، وسناء منصور، ومجدي غنيم، وحنا مرقص، ونبيل صباغ، وهيام حموي، ومريم مراد، ورواد طربية، وغسان عبد الخالق.
أدار اللبناني أنطوان نوفل الفريق بعد أن كان يعمل في إذاعة فرنسية تبث ساعة أو ساعتين في اليوم موجهة للعالم العربي على الموجة القصيرة. ونوفل هو صاحب البرنامج السياسي «حدث غداً»، الذي لقي أصداءً واسعة بين المستمعين. وبعد فترة من التأسيس، التحق بالفريق المذيع والمسرحي اللبناني حكمت وهبي. كان وهبي لطيف الأسلوب، اشتهر باسم «أميغو» وحقق شهرة واسعة.
بدأت «مونتي كارلو» تكبر وتجمع حولها فئات واسعة، لا سيما الشباب الذين وجدوا فيها نكهة مختلفة. فقد اعتمد المذيعون نبرة غير تقليدية، سواء في نشرات الأخبار أو في البرامج. ويقول حنا مرقص، أحد المؤسسين الذي تقاعد حالياً من العمل، إن الإذاعة كسرت الجدار بينها وبين جمهورها. ولم تخاطبهم بالعبارة التقليدية «سيداتي سادتي»؛ بل «بادرناهم» بـ«أصدقائي المستمعين». والأهم من هذا، أن الخبر كان يذاع فور وقوعه، من دون حسابات وتحسبات.
حققت «مونتي كارلو» تميزها وانتشارها الأهم، عند وقوع الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1973، حاذرت الانحياز، والتزمت تقديم مجريات الأحداث من دون تلوين. وبسبب ازدياد عدد الضحايا؛ أقنعت سناء منصور مدير الإذاعة بوقف البرامج المنوعة والخفيفة، والاكتفاء بالأخبار والموسيقى الكلاسيكية. كانت إذاعة عربية بحق وليست صوتاً أجنبياً بلسان عربي. بعد ذلك، وعند اغتيال الرئيس المصري أنور السادات سبقت الإذاعات المنافسة في إعلان الخبر، الذي وصل إليها من مراسلتها في القاهرة يومذاك؛ هدى توفيق. كان مذيعو «مونتي كارلو» يتلقفون الأخبار من شبكة المراسلين والوكالات ويبثونها مباشرة على الهواء، دون انتظار محررين يعدونها ويشذبونها، كما يحدث في الإذاعات الأخرى.

اللبناني أنطوان نوفل صاحب البرنامج السياسي «حدث غداً»

صار مقدمو البرامج والأخبار نجوماً؛ منهم هيام حموي صاحبة الصوت الدافئ الذي يشبه هديل الحمام والذي أوقع عدداً من المستمعين في عشقها. وكانت تقول لمن يكتب لها رسالة حب: «أنا لا أشبه صوتي؛ بل أشبه بنت خالتك». أما سناء منصور، فكان لها أسلوب لا يجارَى في برنامجها «تحية... وبعد»، ومن يصغِ إليها يستمع إلى صوت ابتسامتها. ومن وراء فريق المقدمين والمراسلين كان الأستاذ رواد طربية، يلاحق الجميع مصححاً لأي خطأ لغوي أو اشتباه في مفردة.
في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، راح ملايين العرب يسهرون مع الترانزستور و«مونتي كارلو». بقيت تحمل اسم الإمارة الوادعة حتى بعد ارتحالها نهائياً إلى باريس. وفي السنوات الأخيرة أضيف لها اسم «الدولية» لأسباب قانونية وإجرائية. وتكرست فيها أصوات شهيرة، من أمثال غابي لطيف، وفريدة الشوباشي، ووداد علم الدين، وأنطوان بارود، وإبراهيم يزبك، وهدى إبراهيم، والطبيب النفسي غسان يعقوب صاحب البرنامج الناجح «عندي مشكلة».
ساعد النجاح الذي تواصل في عقد الثمانينات، على اجتذاب مزيد من الإعلانات. وتراوحت الأرباح السنوية الصافية لها في عامي 1984 و1985 بين 3 و4 ملايين دولار. وكان ذلك المبلغ كفيلاً بتمويل الإذاعة التي ترسخت في المحيط الذي تتوجه إليه. لكن انخفاض سعر الدولار، بعد ذاك، وتراجع أسعار النفط أيضاً، ساهما في خفض المداخيل الإعلانية التي كانت تأتي في الغالب من الدول العربية. دخلت الإذاعة عقد التسعينات، وهي في ضائقة مالية أدت إلى تراجعها. لكنها تمكنت من الاحتفاظ بقسم كبير من مستمعيها بفضل الشهرة التي جهد العاملون في بنائها. وضُمت لفترة إلى «إذاعة فرنسا الدولية». وهي تتبع اليوم «مجموعة الإعلام الفرنسي» في الخارج، التي تدير أيضاً قناة «فرنس 24» التلفزيونية.
مثل كل علامات العصر؛ عرفت «مونتي كارلو» فترة صعود ومن ثم خفوت. كثرت الإذاعات وظهرت الفضائيات واختل ميزان المنافسة. توسع طاقم الإذاعة، وتغيرت نبرتها ولهجات مقدميها ومذيعيها، الذين ينتمون إلى أكثر من بلد عربي، في المشرق والمغرب. ومع الوقت ذهبت أسماء لامعة إلى التقاعد، بينما غيب الموت عدداً من روادها، وأولهم حكمت وهبي، وبعده بسنوات غسان عبد الخالق، ورواد طربية. وكانت شيرين أبو عاقلة مراسلة للإذاعة من الأراضي المحتلة في فترة من الفترات. وحتى اليوم لا يزال السائحون العرب يضعون زيارة مكاتب «مونتي كارلو» في برنامجهم حين يحلون في باريس، مثلها مثل «اللوفر» وبرج «إيفل».


مقالات ذات صلة

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

يوميات الشرق معرض أزياء لفصل الشتاء في ثلاثينات القرن الماضي (الكتاب)

الإعلانات القديمة تحكي قصة تصاعد ثقافة الاستهلاك في مصر

يتخطى دور الإعلان الترويج لسلعة أو منتج أو مشروع، حيث يمكن أن يصبح الإعلان مؤشراً ودالاً على نمط الحياة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي بقصر الإليزيه في باريس يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

البابا ليو عن حظر «سي إن إن»: أرحّب بكل الصحافيين لتغطية أخباري

أكد البابا ليو، بابا الفاتيكان، مجدداً على دعمه لحرية الصحافة، في ردِّه على سؤال حول قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منع وسائل إعلام بدخول البيت الأبيض.

الولايات المتحدة​ غرفة جيمس إس. برادي للإحاطة الصحافية في البيت الأبيض في العاصمة واشنطن 21 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«العدل الأميركية» تجيز منع ترمب وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض

خلصت وزارة العدل الأميركية إلى جواز منع البيت الأبيض شبكات «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من التغطية الإعلامية في المقر الرئاسي بناءً على طلب ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا سانتياغو سيري مبتكر منصة «إل بريمير فيكا» El Primer Feca الإخبارية المنتَجة بالكامل بالذكاء الاصطناعي يعرضها خلال مقابلة في بوينس آيرس (أ.ف.ب)

برنامج أخبار بالذكاء الاصطناعي يثير غضب الأوساط الإعلامية في الأرجنتين

أثار برنامج إخباري أُعدّ بالكامل بالذكاء الاصطناعي، من محتواه إلى الصور الرمزية للصحافيين، استياء الأوساط الإعلامية الأرجنتينية التي حذّرت من تهديد للمهنة.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشارك في مراسم قص الشريط لافتتاح مهبط المروحيات الجديد بالبيت الأبيض (د.ب.أ) p-circle

ترمب يفتتح مهبط مروحيات في البيت الأبيض... ووسائل الإعلام تُقاطع

استعرض الرئيس الأميركي مهبط المروحيات الجديد بالبيت الأبيض، الاثنين، مع إبعاد شبكات التلفزيون الكبرى كاميراتها بسبب عدم السماح لشبكة «سي إن إن» بتغطية الحدث.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تركي آل الشيخ يعلن انطلاق «موسم الرياض 2026» في 21 أكتوبر

«موسم الرياض 2026» يجمع العالم مجدداً في قلب العاصمة السعودية على مدار 10 أسابيع (الشرق الأوسط)
«موسم الرياض 2026» يجمع العالم مجدداً في قلب العاصمة السعودية على مدار 10 أسابيع (الشرق الأوسط)
TT

تركي آل الشيخ يعلن انطلاق «موسم الرياض 2026» في 21 أكتوبر

«موسم الرياض 2026» يجمع العالم مجدداً في قلب العاصمة السعودية على مدار 10 أسابيع (الشرق الأوسط)
«موسم الرياض 2026» يجمع العالم مجدداً في قلب العاصمة السعودية على مدار 10 أسابيع (الشرق الأوسط)

في إعلان يترقبه الجمهور من كل أنحاء العالم، كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية (GEA)، عن انطلاق «موسم الرياض 2026»، يوم الأربعاء 21 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وجاء الإعلان عبر فيديو تشويقي استعرض ملامح موسم استثنائي يمتد على مدار 10 أسابيع حافلة بالفعاليات والتجارب المتميزة، ليجمع العالم مجدداً في قلب العاصمة السعودية.

واستعرض الفيديو، الذي بُث عبر حساب المستشار تركي آل الشيخ على منصة «إكس»، جانباً من التجارب المنتظرة، من نزالات الملاكمة والمصارعة وبطولات UFC، إلى بطولة «Six Kings Slam» التي تستقطب عشاق التنس من أنحاء العالم. كما تضمن مشاهد لحفلات موسيقية وعروض مسرحية كوميدية، إلى جانب تجارب مخصصة للأطفال والعائلات.

وتحضر في النسخة السابعة من "موسم الرياض"، "بوليفارد وورلد" إحدى المناطق الأكثر إقبالاً، بوصفها وجهة تلتقي فيها ثقافات العالم وأماكنه وتجاربه، فيما تعود "بوليفارد سيتي" بتصور متجدد، حيث ستضم "وندر جاردن" الحديقة الترفيهية والتي تأخذ في كل مرة طابع جديد.

كما أشار الفيديو إلى مناطق "ذا جروفز" و"سوق المزارعين"، وإلى معرض "أنا عربية" الذي يُقام في منطقة "فيا رياض"، إلى جانب فعاليات أخرى.

واختتم الفيديو رسالته بالترحيب بكل من يقصد الرياض، سواء جاء بحثًا عن حماسة المنافسات، أو شغف الاكتشاف، أو ليلة تقوده إلى ما لم يكن يتوقعه في "موسم الرياض" بشعاره "Big Time".


رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».