أسامة الرحباني: «ليلة أمل» يعني أننا شعب حي وسنستمر

أمسية يجتمع فيها مع هبة طوجي وإبراهيم معلوف

أسامة الرحباني وهبة طوجي (الشرق الأوسط)
أسامة الرحباني وهبة طوجي (الشرق الأوسط)
TT

أسامة الرحباني: «ليلة أمل» يعني أننا شعب حي وسنستمر

أسامة الرحباني وهبة طوجي (الشرق الأوسط)
أسامة الرحباني وهبة طوجي (الشرق الأوسط)

في زمن القحط الفني بلبنان، وغياب ملحوظ للنشاطات، يفتقد الناس مساحة ثقافية تضيء أيامهم وتشكل بصيص أمل ينشدونه. الأعياد كما مواسم الصيف والشتاء، باتت تمر مرور الكرام، دون أن تترجم طاقات فرج تنثر الفرح في حفلات غنائية ومهرجانات.
ولكن في ظل كل هذا التخبط الذي يعيشه لبنان، ومشكلات يعاني منها اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً، تلوح في سماء العاصمة غمامة بيضاء حاملة كمية من الرجاء، فتمسح بمشهديتها معاناة شعب يكافح من أجل البقاء، فيلجأ إلى الفنون كي يتجاوز معها مصاعبه بعزة نفس وصلابة.
ولعل وقوف العائلة الرحبانية الفنية العريقة وراء انبثاق بقعة ضوء، يعزز مقولة: «مين خلّف ما مات». فهذا الجب الفني الذي لا يكف عن توليد نبض الحياة والفنون الأصيلة في لبنان والعالم العربي، يأخذ على عاتقه مرة جديدة رفع شأن اللبناني، ويحثه على السير قدماً، فخوراً بانتمائه إلى وطن لا يموت، مهما قسا عليه الزمن.
ففي 22 مايو (أيار) الحالي، يترجم الموسيقي أسامة الرحباني كل مشاعره الحرة تجاه وطنه، ضمن حفل غنائي يقام في مركز «فوروم دي بيروت» تحت عنوان «ليلة أمل». هذا الحفل الضخم الذي سيحضره نحو 5 آلاف شخص، سيكون الأول من نوعه الذي تشهده بلاد الأرز. فهو يفتح أبوابه لاستضافة محبي الفنون مجاناً؛ بلا أي مقابل مادي. أما نجوم هذه الحفلة فهم عالميون. وكما الفنانة هبة طوجي يجتمع في هذه الأمسية عازف الساكسوفون إبراهيم معلوف، بقيادة المايسترو أسامة الرحباني.
وعن قصة ولادة هذه الحفلة وفكرة إقامتها، يقول أسامة الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: «في الفترة الأخيرة كنت أمر بحالة يأس بالغة؛ خصوصاً فيما يتعلق بحقلي الثقافة والفنون في لبنان. هناك إهمال تام نشهده في هذين المجالين في وطن عُرف بحضاراته، وشكَّل صلة الوصل بين الشرق والغرب. رجال السياسة في لبنان -ومع الأسف- منشغلون بمصالحهم الخاصة، ومهتمون بإيجاد حلول لمشكلاتهم. وهم بذلك بنوا جداراً عازلاً بين اللبناني والثقافة والفن، إنهم جشعون ولا يكترثون لمستقبل شعبهم. من هنا بدأت أفكر في القدرات التي يمكنني من خلالها أن أمحو وصمة الخضوع التي يحاولون تقييدنا بها».
في رأي أسامة الرحباني، الثقافة والفنون يجب أن تدعم من منابع الاقتصاد في الأوطان. في بلاد العالم، تهتم المؤسسات بدعم الفنون والحفاظ عليها كي تبقي شعوبها حية تنبض بالأمل.
«خطر على بالي فكرة مجنونة، وقلت في نفسي: ولمَ لا؟ فأن أزوِّد اللبناني بجرعة حب أرسلها إليه مغلفة بالثقافة والفنون، سيعزيه من دون شك، ويدفعه إلى المشي مرفوع الرأس معتزاً بمواطنيته، وبأنه ينتمي إلى بلاد الأرز. ومهما حاولوا شدنا إلى الأسفل وكبح حبنا للحياة، سنبقى شعباً ينبض قلبه، ويقاوم ويستمر. وكما يقول الرحابنة في مسرحية (صيف 840): «(مع هيك زعماء يبقى فجر الوطن بعيد)».

إبراهيم معلوف ضيف حفل «ليلة أمل» العالمي

يسرقك حماس أسامة الرحباني وحبه للبنان اللذان لا يتوانى عن التعبير عنهما في أفكاره وأعماله وفي حواراته الإعلامية. وكالعدوى تصاب بها لا شعورياً، وينتفخ قلبك فرحاً وهو ينطق بهما. فالإرث الفني الذي تركه له آل الرحباني، وبالأخص والده الراحل منصور الرحباني، يعتبره كنزاً لا يمكن التفريط فيه. فهو يعمل على تعزيز مكانة لبنان بالقول وبالفعل. أفكاره لا تنضب، ويترجمها أعمالاً تُحفر في التاريخ الحديث، ويحملها على كتفيه أينما كان، فتحط رحالها على أهم مسارح العالمين العربي والغربي، لتكون بمثابة ذرات تراب يزرعها عند الغير، يشتَمُّون من خلالها رائحة الإبداع اللبناني.
ويتابع في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تفاجأ كثيرون بالفكرة التي خطرت على بالي، من بينهم هبة طوجي وإبراهيم معلوف؛ خصوصاً عندما علموا بأنها ستكون حفلة ضخمة ومجانية. وبفضل أشخاص يحبون لبنان ويؤمنون بقدرته، استطعنا تنظيم هذا الحدث. ومن بين هؤلاء مجموعة (أبوظبي للثقافة والفنون) بشخص سعادة هدى إبراهيم الخميس، مؤسّسة المجموعة، والمدير الفني لمهرجان أبوظبي. وكذلك شركة (يونيفرسال أرابيك ميوزك) الرائدة عالمياً، ورئيسها التنفيذي المنتج وسيم صليبي وزوجته ريما الفقيه. إضافة إلى شركات أخرى بينها (ميدك) الرائدة في مجال إنتاج البتروليوم، فمعها استطعنا تأمين رعاة للحفل وانطلقنا في العمل».
وعما ستتضمنه هذه الأمسية، يقول الرحباني: «يشارك في هذا الحفل الضخم 50 موسيقياً من أبرز موسيقيي الأوركسترا الفيلهارمونيّة اللبنانيّة. أضف إلى ذلك، كورال صوت الجنة وعشرات الراقصين المُحترفين. فعدد التقنيين المشاركين في تنفيذ هذه الأمسية يفوق الـ180 شخصاً.
وستقدم هبة خلالها عدداً من أغنياتها القديمة التي تتراوح موضوعاتها بين العاطفية والوطنية. كما ستقدم لأول مرة بعضاً من أغنيات ألبومها الجديد. وسيكون ضيف الحفل عازف الساكسوفون العالمي إبراهيم معلوف. وستشهد الحفلة مفاجآت متتالية، يستمتع بها الحضور، ولن أعلن عنها اليوم كي لا تفقد نكهتها».
ويشير أسامة الرحباني إلى أن أكثر ما لفته خلال تنظيمه للحفل، هو هذا الاتحاد الكبير بين اللبنانيين على مختلف مشاربهم. «سكننا حماس مذهل؛ لا سيما أن اتحادنا كان واضحاً. للمرة الأولى تنقلب القاعدة في لبنان، المعروف بقوة العمل الفردي وضعفه كمجموعة. حان الوقت كي نقول لرجال السياسة في لبنان: (كفى مذلة للناس، فأنتم تحاولون أخذنا إلى الدرك، ونحن نجتهد لنبقى فوق). هذا هو الذي رغبنا في قوله، هبة وأنا من خلال هذه الحفلة. فلبنان الثقافة والفن لن يموت، وسنبقى ونستمر».
صرخة وطنية يشكلها هذا الحفل الذي لن يدخله إلا من يحمل بطاقة باسمه، يكون قد حجزها من مراكز سبق أن أُعلن عنها. ولا بد أن يؤكد صاحبها الحجز قبل ليلتين من موعد الحدث. وسيحضر الناس الحفل جلوساً، ويعيشون على مدى 90 دقيقة في عالم فني تحضر فيه الاستعراضات والموسيقى والأعمال الغنائية الأصيلة. وتنقل قناة «إم تي في» المحلية وقائع الحفل مباشرة على الهواء، كي يتسنى لأكبر عدد من اللبنانيين مشاهدته والاستمتاع بمجرياته على المسرح.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.