صناع الأغنية يخترقون جدار الظل

الشاعر علي المولى والملحن هشام بولس يرويان تجربتيهما

الملحن هشام بولس (الشرق الأوسط)
الملحن هشام بولس (الشرق الأوسط)
TT

صناع الأغنية يخترقون جدار الظل

الملحن هشام بولس (الشرق الأوسط)
الملحن هشام بولس (الشرق الأوسط)

جلس الملحن محمد القصبجي حاملاً عوده سنواتٍ طويلة على خشبة المسرح في ظل «الست»، إلا إن ذلك لم يسرق الضوء منه ولم يَحُل دون دخوله التاريخ من باب الألحان التي خلدتها أم كلثوم بصوتها.
ربما كان ذاك الزمن أكثر عدلاً مع صناع الأغنية الذين كادوا يتساوون شهرة مع المطربين؛ مثل بليغ حمدي الذي التصق اسمه بصوت وردة، والرحابنة الذين شكلوا توأماً مع فيروز.
أما في زمن الإنتاج السريع والأغنية السريعة والبث الموسيقي الرقمي فقد اختلفت الصورة، وصار إثبات الذات تحدياً بالنسبة للملحنين والشعراء.
يقول الشاعر علي المولى لـ«الشرق الأوسط»، في هذا الإطار، إنه رغم أن صناعة الأغنية أهم من أدائها، غير أن الشعراء والملحنين يعانون التغييب المعنوي والغُبن المادي في معظم الأحيان.
المولى الذي خرج إلى الضوء بسرعة رغم صغر سنه، يرى أنه «مهما سوق كاتب الأغنية لنفسه؛ يبقى المطربون أشهر بالنسبة إلى الجمهور». لكن المولى شكل حالة استثنائية في المجال، ففي بعض الأحيان اشتهرت كلماته أكثر ممن أدوها. خلق نفساً جديداً ومختلفاً من الكلام السهل الممتنع الذي يتماهى مع لغة الناس والشارع، والذي يقدم في الوقت عينه تشابيه وصوراً لا تخطر إلا على بال شاعر. عن خلطته الشعرية السحرية يبوح لـ«الشرق الأوسط» بأنه يستوحي كثيراً من أقوال الناس وأحاديثهم، يدون ما يلفته من كلام وعبارات على هاتفه ثم يعيد تركيب الـ«puzzle» ليصنع أغنية.

الشاعر علي المولى
من لم يردد مع ناصيف زيتون جملة «أكتر ناس عرفوا الصح هني اللي عملوا غلط» من أغنية «مجبور» (شارة مسلسل «الهيبة» - كلمات علي المولى، لحن فضل سليمان)؟ ومَن لم يطرب لصوت شيرين عبد الوهاب وهي تغني باللهجة اللبنانية: «يا بتفكر يا بتحس ما فيك توقف بالنص» (شارة مسلسل «خمسة ونص» - كلمات المولى، لحن صلاح الكردي)؟
يعترف المولى هنا بأن شارات المسلسلات تساهم بشكل كبير في إخراج صناع الأغنية إلى دائرة الضوء، هذا طبعاً إذا كانت الأغنية ناجحة وقريبة من قلوب المستمعين الذين لا يملون من تكرارها على مدى 30 حلقة تلفزيونية أو أكثر.
 https://www.youtube.com/watch?v=EitmSZ488RA
للمغني أيضاً دورٌ أساسي في التسويق لصناع أغنيته؛ أكان عبر ذكرهم في المقابلات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، أم من خلال تكرار التجارب معهم. ويقر علي المولى هنا بفضل فنانين حقق معهم نجاحات مشتركة مثل إليسا، وسعد رمضان، وناصيف زيتون، وأدهم نابلسي (قبل الاعتزال)؛ إذ شكلت أغنية «نسخة منك» لنابلسي نقطة تحول في مسيرة المولى، كما كان التعاون مع إليسا محطة أساسية؛ لا سيما في أغنية «كرهني»، وعلى القائمة أيضاً «كلنا مننجر» بصوت وائل كفوري.
دعمُ المطرب للملحنين والشعراء قد يكون أيضاً معنوياً من خلال مواقف تشجيعية، وهنا يستذكر الملحن هشام بولس يوم قال له الفنان وائل كفوري: «أنت نجم يا هشام». كان لتلك العبارة وقعٌ كبير عليه؛ خصوصاً أنها خرجت من فم نجم لا نقاش حول بريقه، حسبما يروي بولس لـ«الشرق الأوسط».

الملحن هشام بولس
يتجنب هشام بولس السلبية: «لا شيء يُدعى تغييب للملحن والكاتب، أرى هذه الكلمة ميلودرامية أو مضخمة، وأنا لا أتعاطى مع الموضوع من زاوية الاضطهاد. لكن من بين الملحنين والكتاب مَن يعيش هذه الحالة ويعدّ نفسه مضطهداً. أما أنا فأقول إن الفنان الناجح يفرض نفسه ولا يستطيع أحد التعتيم عليه». ويضيف أن العناصر التي تساعد في تسليط الضوء على صناع الأغنية هي: الشخصية المَرِنة، والقدرة على الإقناع، والتدريب، وصقل الموهبة.
في المقابل، يتوقف بولس عند نوعٍ آخر من الغبن؛ وهو الغبن المادي الذي يتعرض له شعراء الأغنية وملحنوها؛ إذ من الممكن أن تتضاعف قيمة المغني المادية عبر السنوات، فيما يبقى سقف المردود المادي للملحن منخفضاً: «وكأن ثمة عرفاً عاماً في لبنان يقول إنه يجب ألا يتخطى الملحن والكاتب سقفاً مالياً معيناً مقابل اللحن والكلام»؛ يضيف بولس لـ«الشرق الأوسط».
يوافق المولى رأي بولس، موضحاً أن المردود المادي للمؤلفين يقتصر على ثمن الكلام، فلا يستفيدون مثلاً من إيرادات الاستماعات على منصات البث الرقمي: «حصلت إحدى الأغاني التي كتبتُ على 230 مليون استماع على (يوتيوب) وهذا يساوي نحو 200 ألف دولار، إلا إنني لم أرَ شيئاً من المبلغ. كل ما حصلت عليه كان ثمن الكلام وهو 4000 دولار». ليس الحال كذلك في الغرب؛ بحسب المولى، حيث «يحصل الكتاب والملحنون على حصتهم من الاستماعات الرقمية».
أما الإشكالية الثانية المرتبطة بالمنصات الرقمية؛ فهي عدم ذكر أسماء الملحنين والشعراء على التطبيق. في هذا الإطار يتساءل هشام بولس: «ماذا تخسر تطبيقات البث الموسيقي إذا أضافت أسماءنا كما تفعل مع كلمات الأغاني؟»، ويضيف: «في العصر الذهبي للفيديو كليب كانت حقوقنا المعنوية محفوظة أكثر؛ إذ كانت تظهر أسماؤنا إلى جانب اسم الفنانة أو الفنان». مع العلم بأن عقود السماح التي توقع بين الفنانين والمؤلفين تنص على وجوب أن تكون أسماء الملحن والشاعر والموزع واضحة.
«يجب أن يتجنب الملحن أو الشاعر الكسل؛ بل عليه أن يسوق لأعماله، أكان من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، أم الإطلالات الإعلامية، وهذا ضروري للنجاح»؛ بحسب هشام بولس. يستذكر بابتسامة الضجة الإعلامية المواكبة للعمل الذي شكل نقطة تحول في مسيرته: «أغنية (ممنونك أنا) لملحم زين (كلمات أحمد ماضي) حولت المسار ولفتت الأنظار إليّ، كنتُ بعد في بداياتي». ثم جاءت أغنية «حكم القلب» لوائل كفوري (كلمات منير بو عساف) لتحطم الأرقام وتكرس هشام بولس ملحناً من الطراز الأول، يتنقل بسلاسة بين الكلاسيكي والشعبي، وبين الإيقاع الراقص واللحن الرومانسي. لتتكرر النجاحات مع فنانين كثر مثل أنغام ونوال الزغبي وعاصي الحلاني ونانسي عجرم وجوزيف عطية... وغيرهم.

إذا صادف المستمع أغنية استوقفه كلامها أو لحنها الجميل، فلن يجديه نفعاً البحث عن اسم مؤلفها على تطبيقات البث الرقمي، وسيكون محظوظاً جداً إذا وجد المعلومة على الإنترنت، فحتى اللحظة حقوق المؤلفين المعنوية والمادية ليست في أفضل أحوالها. يرى علي المولى أن الخروج من الظل يكون بتكاتف الشعراء والملحنين وتوحدهم حول قرار يفرضون بموجبه شروطهم على الفنانين وشركات الإنتاج، وأولها ضرورة ذكر الأسماء والإضاءة عليها في كل مناسبة وعبر كل منصة.
أما بالنسبة إلى هشام بولس؛ فإن «تضامن الشعراء والملحنين مهم، لكن مَن كُتب له التميز؛ فسوف يتميز رغم كل الظروف... الرحابنة وزكي ناصيف وفيلمون وهبة خير دليل على ذلك».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
TT

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)
صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)

قالت مصادر من الشرطة وأخرى طبية، إن اشتعال وحدة لإنتاج الوقود أدى إلى اندلاع حريق كبير في مصفاة «بيجي» العراقية، الاثنين، ما أسفر عن مقتل عامل وإصابة ستة آخرين على الأقل.

وقال مهندسون في مجمع مصفاة «بيجي»، على بعد نحو 180 كيلومتراً إلى الشمال من بغداد، إنهم شاهدوا جثة واحدة على الأقل، وإن الدفاع المدني تمكن من السيطرة على الحريق. وأضاف مهندسون في المصفاة أن الحريق لم يؤثر على عمليات الإنتاج.


تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
TT

تراشق سياسي لبناني إثر وقوع 15 قتيلاً بانهيار مبنى في طرابلس

عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)
عناصر من الدفاع المدني يرفعون الأنقاض لإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس شمال لبنان (د.ب.أ)

غضب عارم في مدينة طرابلس شمال لبنان، بعد انهيار مبنيين سكنيين متلاصقين؛ كل منهما من 3 طبقات ويضمان 12 شقة، راح ضحيته 15 قتيلاً، بينهم عائلات بأكملها، وسقط 8 أشخاص جرحى، انتُشلوا بعد عملية بحث مضنية. وأُخلي مبنى «جوهر» المجاور لهما، وهو آيل للسقوط أيضاً، فيما أُبلغ عن مبنى آخر في باب التبانة، وغيره بمنطقة القلمون.

ويعيش سكان هذه المناطق المحرومة حالة من الرعب؛ بسبب كثرة المباني السكنية المتصدعة والخطرة، فيما لا يجد السكان مأوى بديلاً، وتغيب الميزانيات اللازمة لتدعيم مبانيهم. ويضطر العشرات إلى ترك منازلهم كل يوم خوفاً من الموت تحت الأنقاض، ويتحولون إلى لاجئين في مدينتهم، ويخاطر آلاف آخرون بالبقاء.

وترأس رئيس الحكومة، نواف سلام، مساء الاثنين، اجتماعاً موسعاً لمتابعة تنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدّي لقضية الأبنية المتصدّعة في طرابلس.

انهيار مبنيين

قبيل غروب شمس يوم الأحد، شعر سكان في باب التبانة بأن المبنى يرتجّ بهم، ولم يجدوا الوقت الكافي لمغادرته، فانهار على عائلات بأكملها، وارتجت أسس المبنى الملاصق فانهار أيضاً. من حسن الحظ أن بعض الشقق كان فارغاً، وأمكن خلال أقل من 24 ساعة إنهاء عمليات البحث بفضل الفرق التي جاءت من أكثر من منطقة.

وقال لـ«الشرق الأوسط» الدكتور محمود صيداوي، الذي كان جدّه قد شيّد أحد المبنيين قبل 60 سنة، إنه سكن هناك لأكثر من 26 عاماً، وإنه قضى طفولته في تلك العمارة. وشرح أن «المبنيين المنهارين متلاصقان إلى حد أننا كنا نقفز من سطح إلى آخر». علماً بأن صيداوي فقَدَ عمه سيف صيداوي وابنة عمه سالي في الانهيار، فيما خرج عمه الآخر الذي يسكن البناية نفسها برفقة ابنته إلى السوق، وعاد ليجد ابنه ميتاً تحت الهدم، فيما نجت زوجته.

صورة أرشيفية للمبنيين اللذين انهارا في مدينة طرابلس مساء الأحد... وتبدو عليهما آثار التهالك (الشرق الأوسط)

ويضيف صيداوي: «العمارة عانت خلال معارك باب التبانة - جبل محسن. أصابها كثير من القذائف والرصاص، وقد اضطررنا إلى تركها بسبب الحروب، وسكنَ في شقتنا صديقي من آل الصايغ الذي قضى نحبه في الحادث هو وزوجته وابنته». ويؤكد أن «كل شارع (سوريا) في باب التبانة، تصدعت عماراته؛ بسبب كثرة القذائف والارتجاجات، وهي تحتاج هدماً وإعادة بناء».

التبليغ عن 600 مبنى

وتعدّ حادثةُ الانهيار تلك الثانيةَ خلال أسبوعين، حيث هوت السقوف على رؤوس الساكنين تحتها في طرابلس، بينما يقدّر عدد المباني الخطرة بالمئات، فيما إيواء العائلات أمر غير متوفر. وتتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات، وتقف البلدية عاجزة أمام تراكم سنوات من الإهمال وغياب الآليات اللازمة للإنقاذ، وقلة عدد المهندسين لتلبية تبليغات الأهالي.

عناصر من الدفاع المدني وآليات تشارك في رفع الأنقاض وإنقاذ العالقين تحت مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (د.ب.أ)

وبينما كانت عمليات البحث جارية عن ناجين، خرج الأهالي بالمئات في مظاهرات احتجاجية عارمة، وتوجهوا إلى مكاتب ومنازل نواب المدينة، ورشقوها بما تيسر، وحاولوا اقتحام المداخل، محملين إياهم مسؤولية الإهمال. وتدخل «فوج المغاوير» في الجيش اللبناني، وسجل انتشاراً كبيراً في المدينة لتهدئة الوضع.

ويقول رئيس بلدية طرابلس، عبد الحميد كريمة، لـ«الشرق الأوسط»، إن 105 مبانٍ في طرابلس آيلةٌ للسقوط يتوجب هدمها بالكامل، وإن نحو 620 مبنى مهدداً يمكن تدعيم أساساتها. ويلفت إلى أن «ما انهار مساء الأحد، لم يكن ممسوحاً أو مهدداً، ولم يُنذَر السكان». وفي رد على أن قاطني المبنى أنذروا البلدية ولم يُستجب لهم، يرد كريمة: «لقد وضعنا الخط الساخن في خدمة الأهالي منذ أسبوعين. منذ حينها أُبلغ عن أكثر من 600 مبنى. ولم تتمكن فرقنا من الكشف على أكثر من 104 مبانٍ، فيما الـ500 الباقية لا تزال في الانتظار»، مؤكداً أن «العدد أكبر بكثير، وطرابلس بحاجة إلى ورشة ضخمة، ومسح شامل للأبنية».

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون بموقع انهيار مبنيين في طرابلس شمال لبنان (إ.ب.أ)

وكان كريمة قد وضع استقالة المجلس البلدي في تصرف وزير الداخلية، عادّاً أن الوضع بات يتجاوز إمكانيات البلدية. وقال في مؤتمره الصحافي إن «القرار ليس تهرّباً من المسؤولية، بل لوضع الحكومة وأجهزتها أمام مسؤولياتها الكاملة تجاه هذا الوضع الخطير».

وبخصوص هذا الملف الموروث، يقول كريمة: «بذلت البلدية أقصى جهدها، بالتعاون مع نقابة المهندسين، وأعدّت برنامج (كول سنتر) والمسح، لكن المباني التي مسحناها جزء من عدد كبير من المباني، ونتحدث عن حياة الآلاف من أهلنا المهددين؛ جراء أمر مزمن وتقصير من قبل الدولة والسلطات».

هذا يعطي فكرة عن حجم المأساة في مدينة عانت أحياؤها الشعبية إهمالاً طويلاً، ومعارك متلاحقة، وفقراً مدقعاً، وأصبحت مشكلتها تحتاج إلى ورشة كبرى للإعمار والترميم.

تحرك حكومي

إثر الحادثة، دعا رئيس الوزراء، نواف سلام، إلى اجتماع عاجل في منزله بوزيرَيْ؛ الداخلية أحمد الحجار، والعدل عادل نصار، ووجههما إلى طرابلس للإشراف على التنسيق بين الأجهزة العاملة على الأرض، كما عقد اجتماعاً موسعاً في السراي الحكومي يضم جميع المعنيين من وزراء وهيئات محلية للتصدي لقضية الأبنية المتصدعة.

الوضع القاتم لم يمنع التجاذبات السياسية، حيث قال نائب طرابلس، فيصل كرامي، في تصريح: «ما جرى هو نتيجة الإهمال الذي حذّرنا منه مراراً. ولا تكفي عبارات الأسف بعد سقوط الضحايا. كل قطرة دم تُسفك بسبب غياب الدولة هي مسؤولية هذه الحكومة وبرقبتكم»، وأضاف: «من يعجز عن حماية الناس، فلا يحق له الاستمرار في حكمهم. المطلوب إغاثة فورية بالأفعال لا بالكلام، وإلا فلتكن استقالة فورية».

عنصر من الدفاع المدني أمام ركام مبنيين انهارا في طرابلس بشمال لبنان (إ.ب.أ)

أما رئيس الوزراء السابق، ابن المدينة، نجيب ميقاتي، فطالب الحكومة بـ«استكمال الإجراءات التي كانت قد بوشرت في الحكومة السابقة، لا سيما لجهة تكليف بلدية طرابلس، التي تملك الإحصاءات الكاملة بشأن واقع المباني، بالتعاون مع وزارة الداخلية والبلديات، إلزام أصحاب الأبنية المتصدّعة بترميمها وتدعيمها في أسرع وقت ممكن». وأشار إلى أنه في حال تعذّر ذلك لأسباب مادية، فإنه ينبغي على الدولة رصد مبالغ من الخزينة العامة لتدعيم هذه المباني.

وهو ما حدا برئيس الوزراء، نواف سلام، إلى التذكير بأنه «أمام حجم هذه الكارثة الإنسانية التي هي نتيجة سنوات طويلة من الإهمال المتراكم، واحتراماً لأرواح الضحايا، فإنني أهيب بكل العاملين في السياسة، في طرابلس أو خارجها، أن يترفعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية. فهذا أمر معيب»، مؤكداً: «أنا وحكومتي لم ولن نتهرب من المسؤولية، وسوف نستمر في القيام بواجباتنا كاملة؛ بما فيها محاسبة مَن قد يكون مقصراً في هذه القضية».


الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً، اليوم الاثنين، بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة.

وذكرت «وكالة الأنباء الفلسطينية» أن القرار يهدف إلى توسيع نطاق المشاركة المجتمعية في صياغة الوثيقة الدستورية، من خلال دعوة المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية والخبراء والأكاديميين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم على المسودة، خلال فترة تمتد إلى 60 يوماً من تاريخ نشر القرار.

وبحسب القرار، ستتولى لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة من لجنة إعداد الدستور المؤقت تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها، حيث سيتم تصنيفها إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيداً لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني.

وأشارت الوكالة إلى أن اللجنة ستعد تقريراً مفصلاً بنتائج دراسة الملاحظات والتوصيات، ليُرفع إلى الرئيس الفلسطيني لمناقشته واعتماده قبل إعداد النسخة النهائية من مشروع الدستور.