استحواذ ماسك على «تويتر» يُثير تكهنات حول مستقبل منصات التواصل

خبراء اعتبروا خطته المستقبلية «غامضة»

رائف الغوري
رائف الغوري
TT

استحواذ ماسك على «تويتر» يُثير تكهنات حول مستقبل منصات التواصل

رائف الغوري
رائف الغوري

ما زالت الأنباء الخاصة بصفقة استحواذ الملياردير الأميركي إيلون ماسك، على منصة التغريدات الشهيرة «تويتر» تحظى باهتمام الخبراء، ومتابعي سوق الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، لما يتضمنه إتمام الصفقة من تأثير على مستقبل هذه المنصات، وطريقة حوكمتها وتنظيم عملها. ومع أن ماسك لم يعلن عن خطته بشأن «تويتر» بشكل كامل، فما جرى تسريبه ونشره حتى الآن من ملامح هذه الخطة، يثير التكهنات والتساؤلات حول التغيير الذي يعتزم ماسك إحداثه في سوق منصات التواصل الاجتماعي.
لغط حول الصفقة
أكثر من هذا، وبينما ينتظر العالم إتمام الصفقة، شارك ماسك على «تويتر» الجمعة الماضي، تقريراً يتحدث عن «الحسابات المزيفة» على المنصة، مصحوباً بتعليق أكد فيه أن «الصفقة معلقة مؤقتاً لحين التأكد من أن نسبة الحسابات المزيفة لا تتجاوز 5 في المائة»، الأمر الذي تسبب في تراجع أسهم «تويتر» بنسبة 10 في المائة.
وبعد بضع ساعات غرد ماسك مرة ثانية، مؤكداً «التزامه بإتمام الصفقة». ورد عليه بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة «تويتر»، على حسابه الشخصي بقوله: «ونحن أيضاً ملتزمون بإتمام الاتفاق». كما قال باراغ أغراوال، الرئيس التنفيذي لـ«تويتر»، في سلسلة تغريدات، مساء الجمعة رداً على التساؤلات التي صاحبت مغادرة اثنين من كبار مسؤولي «تويتر» التنفيذيين، وتعليق جميع التعيينات «غير الضرورية»، إنه «بينما أتوقع إتمام الصفقة، يجب أن نكون مستعدين لجميع السيناريوهات ونفعل ما هو مناسب لـ(تويتر)».

في هذا السياق، يرى مراقبون أن «حديث ماسك عن تعليق الصفقة مؤقتاً لا معنى له، خاصة أن الصفقة من المقرر أن تتم في 24 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وفق (اتفاق الاستحواذ)، كما أن الاتفاق يفرض على ماسك دفع مليار دولار حال تعذر إتمام الصفقة». ووفق المراقبين فإن «ما يحدث ربما يكون محاولة لتقليل قيمة الصفقة، خاصة بعد تراجع قيمة سهم (تويتر) عن قيمته وقت تقديم عرض الاستحواذ».

                                                                                         خالد البرماوي
في أي حال، بينما يتشكك بعض الخبراء في إمكانية تنفيذ بعض جوانب خطة ماسك، فإنهم يربطون نجاحها بالأفكار الجديدة، التي يمكن أن يدخلها مالك شركة «تسلا» للسيارات وشركة الفضاء «سبيس إكس»، في منصة التغريدات «تويتر»، مع الإشارة إلى أن رغبة ماسك في الاستحواذ على «تويتر» نابعة «من سعيه للحصول على مزيد من التأثير عبر منصة للنخبة وصناع القرار». هذا، وكان مجلس إدارة «تويتر» قد وافق خلال الشهر الماضي على عرض ماسك لشراء المنصة مقابل 44 مليار دولار، والمقرر إنجاز الصفقة بحلول نهاية العام الحالي. ولكن مراقبين يرون أنه «مع استمرار تراجع أسهم (تويتر) في البورصة، من المحتمل ألا تكون الصفقة بالمبلغ المعلن عنه، وثمة إمكانية لإعادة تسعير السهم».
التأثير في النخبة
رائف الغوري، المتخصص في مجال تقنية المعلومات والمدرب الإعلامي السوري العامل في دولة الإمارات، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إنه «من الطبيعي لو كنت من الناجحين أصحاب الثروة أن تطمح لامتلاك سلطة التأثير عبر الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي درج العالم على وصفها بالسلطة الرابعة... وهو ما يفسر رغبة ماسك في الاستحواذ على «تويتر»، بعد نجاحه في تقديم حلول في وسائل النقل عبر سيارات تسلا، وفي مجال الأقمار الاصطناعية عبر سبيس إكس، والإنترنت الفضائي ستار لينك، إلى جانب اهتمامه بالعملات الرقمية وسعيه لنشرها في كل أنحاء العالم خصوصاً عملة دوج كوين».
ويتابع أن «منصة (تويتر) تمتاز بكونها منبراً إخبارياً لمعظم قادة الفكر وأصحاب القرار في العالم، وهذه الميزة التي يتمتع بها (تويتر) هي أحد الأسباب التي جعلت ماسك يختار النخبة بدلاً من الجماهيرية، على الأقل في المرحلة الأولى».
من جانب آخر، يطرح خالد البرماوي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، نظرة أوسع على سوق منصات التواصل الاجتماعي. وهو يرى أن «الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من التطورات في هذا القطاع، استكمالاً للتطورات المتسارعة التي حدثت على مدار الثلاثة أعوام الماضية»، ويوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «سوق منصات التواصل الاجتماعي شهد أخيراً محاولات للتنظيم والحوكمة، وتطوير النموذج الاقتصادي، ودخول منصات من دول مختلفة مثل الصين وروسيا على خط المنافسة، وهي أمور طبيعية لقطاع ما زال في طور المراهقة، وسيشهد في الفترة المقبلة مزيداً من المحاولات لتقنينه، وتنظيم استخدامه، وبالطبع سيكون لاستحواذ ماسك على (تويتر) دور في هذه التحولات».

                                                                           د. مي عبد الغني
خطة مبهمة
على صعيد آخر، على مدار الشهر الماضي، نشر ماسك عدة تغريدات تحمل أحلامه لمنصة التغريدات، من بينها قوله بأنه «يأمل بأن تبقى حتى أسوأ الانتقادات على (تويتر) لأن هذا هو معنى حرية التعبير»، وأن «تويتر سيبقى مجانياً للمستخدمين العاديين، لكن قد تُفرض رسوم على الشركات التجارية والحكومات». أما صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فنشرت الأسبوع الماضي، العرض التقديمي الذي قدمه ماسك للاستحواذ على منصة «تويتر»، وتضمن «زيادة الإيرادات السنوية إلى 26.4 مليار دولار بحلول عام 2028، مقارنة بـ5 مليارات دولار العام الماضي، وتقليل الاعتماد على الإعلانات إلى 45 في المائة عام 2028، مقارنة بـ90 في المائة العام الماضي، إذ ستدر الإعلانات 12 مليار دولار من العائدات، بينما تدر الاشتراكات نحو 10 مليارات دولار، وقد تأتي الإيرادات الأخرى من الأعمال التجارية مثل ترخيص البيانات، التي حققت 572 مليون دولار إيرادات العام الماضي».
حول هذا الشأن يقول الغوري إن «معظم منصات التواصل الاجتماعي تتطلع إلى تحقيق هدفين رئيسين هما: الربح المادي، وزيادة الانتشار بين المستخدمين، وتحويلهم، بذكاء عبر أساليب تسويقية مبتكرة وخوارزميات تتعلم وتتطور يومياً، إلى مستهلكين... وبذا يدعم الهدف الثاني الهدف الأول بتناغم وانسجام». ثم يضيف أن «ماسك وضع لخطته جدولاً زمنياً مقسماً على مرحلتين للعامين 2023 و2028 لتحقيق زيادة في الربحية، والمزيد من الجماهيرية. ومن الواضح أن خطته دُرست بعناية، ووضعت أهدافاً ليست سهلة المنال، وتطلب الكثير من العمل على تحديث وتطوير السياسات والإجراءات مثل تغيير سياسية الخصوصية، وسياسة الاستخدام، وإضافة زر تعديل المحتوى، وهذا يستدعي توظيف المزيد من المطورين والموظفين في أقسام وبلدان الشركة».
لكن الدكتورة مي عبد الغني، أستاذ الإعلام في جامعة بنغازي، والباحثة في الإعلام الرقمي، ترى أن خطة ماسك بشأن «تويتر» لا تزال «مبهمة»، وتوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ماسك لم يعلن سوى عن القليل مما ينوي تنفيذه حال إتمام الصفقة... كما أن ليس كل ما أعلن عنه حتى الآن قابل للتنفيذ على أرض الواقع».
ثم تشرح مي عبد الغني قائلة إنه بالنظر لخطة ماسك في تقليل الاعتماد على الإعلانات، فإن منصة «تويتر» تعاني في الأساس من قلة الإعلانات مقارنة بالمنصات الأخرى، مثل «يوتيوب» و«فيسبوك» و«إنستغرام»، إضافة إلى أن الاعتماد على تغريدات مدفوعة سيجعل المنصة نخبوية إلى حد ما. وتتابع مي عبد الغني أنه «لا يجوز أن نتجاهل أن ثقافة الدفع مقابل المحتوى الرقمي ليست منتشرة في كثير من دول العالم، ومن بينها المنطقة العربية. وهي حتى إن وجدت، فإن الدراسات الدولية تشير إلى ازدياد الدفع مقابل المحتوى الرقمي ذي الطبيعة الترفيهية كالأفلام والمسلسلات والموسيقى، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة منصة (تويتر)... إن تجارب الاعتماد على الدفع مقابل المحتوى فقط كمصدر تمويل لم تكن ناجحة في بعض المشاريع الإعلامية».
بدوره يربط البرماوي بين «إمكانية تنفيذ خطة ماسك لتطوير (تويتر)، خصوصاً في مجال تقليل الاعتماد على الإعلانات، وزيادة عدد المتابعين والأرباح، بنوع المحتوى الذي ستقدمه المنصة». إذ يقول إن «هناك الكثير من الأفكار لتطوير المحتوى ليصبح أكثر جذباً للجمهور، لكننا لا نعرف حتى الآن ما الذي سيعتمد عليه ماسك في ذلك، وهذا، إضافة إلى مدى قدرة ماسك على تمرير هذه التحديثات، في ظل محاولات الدول تنظيم وحوكمة منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في هذا المجال».
وفي هذا الصدد، كان قرار ماسك الاستحواذ على «تويتر»، قد أثار حقاً مخاوف في الاتحاد الأوروبي حول مدى امتثال المنصة للتشريعات التي وضعها الاتحاد بشأن المحتوى الزائف. إلا أن ماسك أكد خلال الأسبوع الماضي، استعداده للامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي. وقال في مقطع فيديو مع المفوض الأوروبي لشؤون السوق الداخلية تييري بريتون نشر عبر «تويتر»، مطمئناً: «أتفق مع كل ما قلته، وأعتقد أن تفكيرنا متشابه بشكل كبير للغاية». وكان بريتون قد قال أيضاً في وقت سابق إنه لا يرى أي مشاكل تتعلق بفرض القواعد «حتى لو صار (تويتر) ملكاً للملياردير ماسك بمفرده، حيث سيتعين على أي شركة في الاتحاد الأوروبي الوفاء بالالتزامات التي نفرضها».
تحفظ وترقب
حسب المعطيات التي نشرتها «نيويورك تايمز»، ماسك يتوقع أن يتمكن من رفع متوسط إيرادات «تويتر» لكل مستخدم إلى 30.22 دولار في عام 2028، بدلاً من 24.83 دولار في العام الماضي، وأن يزيد العدد الإجمالي لمستخدمي منصة التغريدات من 217 مليوناً في نهاية العام الماضي، إلى ما يقرب من 600 مليون في عام 2025، و931 مليوناً عام 2028، وزيادة عدد مستخدمي خدمة «تويتر الأزرق»، إلى 159 مليون مستخدم في عام 2028.
أيضاً تتضمن الخطة الجديدة طرح منتج يُشار إليه بالاسم الرمزي «إكس»، وجعل هذه الخدمة تحظى باشتراك 104 ملايين شخص بحلول عام 2028. ولتحقيق هذه الخطوات، يرغب ماسك في تخفيض عدد الموظفين نحو ألف موظف، أي من 9225 حالياً إلى 8332 في عام 2023. وفي مرحلة لاحقة زيادة عدد المطورين والموظفين إلى 11072 موظفاً بحلول عام 2025، وفقاً لـ«نيويورك تايمز».
أخيراً، وسط حالة الترقب يبدو أن توقعات الخبراء والمراقبين كانت في محلها، ففي خطوة شبه متوقعة، أعلن ماسك عزمه إلغاء الحظر الذي فرضته منصة «تويتر» على حساب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، وقال ماسك، الذي كان يتحدث في «قمة مستقبل السيارات» التي استضافتها صحيفة «فاينانشيال تايمز» الأسبوع الماضي، إن «الحظر المفروض على ترمب كان قراراً سياسياً خاطئاً»، وأكد «أن الحظر الدائم لحسابات (تويتر) يجب أن يكون نادراً ومخصصاً للحسابات الخادعة أو الروبوتات الآلية فقط».



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».