استحواذ ماسك على «تويتر» يُثير تكهنات حول مستقبل منصات التواصل

خبراء اعتبروا خطته المستقبلية «غامضة»

رائف الغوري
رائف الغوري
TT

استحواذ ماسك على «تويتر» يُثير تكهنات حول مستقبل منصات التواصل

رائف الغوري
رائف الغوري

ما زالت الأنباء الخاصة بصفقة استحواذ الملياردير الأميركي إيلون ماسك، على منصة التغريدات الشهيرة «تويتر» تحظى باهتمام الخبراء، ومتابعي سوق الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، لما يتضمنه إتمام الصفقة من تأثير على مستقبل هذه المنصات، وطريقة حوكمتها وتنظيم عملها. ومع أن ماسك لم يعلن عن خطته بشأن «تويتر» بشكل كامل، فما جرى تسريبه ونشره حتى الآن من ملامح هذه الخطة، يثير التكهنات والتساؤلات حول التغيير الذي يعتزم ماسك إحداثه في سوق منصات التواصل الاجتماعي.
لغط حول الصفقة
أكثر من هذا، وبينما ينتظر العالم إتمام الصفقة، شارك ماسك على «تويتر» الجمعة الماضي، تقريراً يتحدث عن «الحسابات المزيفة» على المنصة، مصحوباً بتعليق أكد فيه أن «الصفقة معلقة مؤقتاً لحين التأكد من أن نسبة الحسابات المزيفة لا تتجاوز 5 في المائة»، الأمر الذي تسبب في تراجع أسهم «تويتر» بنسبة 10 في المائة.
وبعد بضع ساعات غرد ماسك مرة ثانية، مؤكداً «التزامه بإتمام الصفقة». ورد عليه بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة «تويتر»، على حسابه الشخصي بقوله: «ونحن أيضاً ملتزمون بإتمام الاتفاق». كما قال باراغ أغراوال، الرئيس التنفيذي لـ«تويتر»، في سلسلة تغريدات، مساء الجمعة رداً على التساؤلات التي صاحبت مغادرة اثنين من كبار مسؤولي «تويتر» التنفيذيين، وتعليق جميع التعيينات «غير الضرورية»، إنه «بينما أتوقع إتمام الصفقة، يجب أن نكون مستعدين لجميع السيناريوهات ونفعل ما هو مناسب لـ(تويتر)».

في هذا السياق، يرى مراقبون أن «حديث ماسك عن تعليق الصفقة مؤقتاً لا معنى له، خاصة أن الصفقة من المقرر أن تتم في 24 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وفق (اتفاق الاستحواذ)، كما أن الاتفاق يفرض على ماسك دفع مليار دولار حال تعذر إتمام الصفقة». ووفق المراقبين فإن «ما يحدث ربما يكون محاولة لتقليل قيمة الصفقة، خاصة بعد تراجع قيمة سهم (تويتر) عن قيمته وقت تقديم عرض الاستحواذ».

                                                                                         خالد البرماوي
في أي حال، بينما يتشكك بعض الخبراء في إمكانية تنفيذ بعض جوانب خطة ماسك، فإنهم يربطون نجاحها بالأفكار الجديدة، التي يمكن أن يدخلها مالك شركة «تسلا» للسيارات وشركة الفضاء «سبيس إكس»، في منصة التغريدات «تويتر»، مع الإشارة إلى أن رغبة ماسك في الاستحواذ على «تويتر» نابعة «من سعيه للحصول على مزيد من التأثير عبر منصة للنخبة وصناع القرار». هذا، وكان مجلس إدارة «تويتر» قد وافق خلال الشهر الماضي على عرض ماسك لشراء المنصة مقابل 44 مليار دولار، والمقرر إنجاز الصفقة بحلول نهاية العام الحالي. ولكن مراقبين يرون أنه «مع استمرار تراجع أسهم (تويتر) في البورصة، من المحتمل ألا تكون الصفقة بالمبلغ المعلن عنه، وثمة إمكانية لإعادة تسعير السهم».
التأثير في النخبة
رائف الغوري، المتخصص في مجال تقنية المعلومات والمدرب الإعلامي السوري العامل في دولة الإمارات، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إنه «من الطبيعي لو كنت من الناجحين أصحاب الثروة أن تطمح لامتلاك سلطة التأثير عبر الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي درج العالم على وصفها بالسلطة الرابعة... وهو ما يفسر رغبة ماسك في الاستحواذ على «تويتر»، بعد نجاحه في تقديم حلول في وسائل النقل عبر سيارات تسلا، وفي مجال الأقمار الاصطناعية عبر سبيس إكس، والإنترنت الفضائي ستار لينك، إلى جانب اهتمامه بالعملات الرقمية وسعيه لنشرها في كل أنحاء العالم خصوصاً عملة دوج كوين».
ويتابع أن «منصة (تويتر) تمتاز بكونها منبراً إخبارياً لمعظم قادة الفكر وأصحاب القرار في العالم، وهذه الميزة التي يتمتع بها (تويتر) هي أحد الأسباب التي جعلت ماسك يختار النخبة بدلاً من الجماهيرية، على الأقل في المرحلة الأولى».
من جانب آخر، يطرح خالد البرماوي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، نظرة أوسع على سوق منصات التواصل الاجتماعي. وهو يرى أن «الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من التطورات في هذا القطاع، استكمالاً للتطورات المتسارعة التي حدثت على مدار الثلاثة أعوام الماضية»، ويوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «سوق منصات التواصل الاجتماعي شهد أخيراً محاولات للتنظيم والحوكمة، وتطوير النموذج الاقتصادي، ودخول منصات من دول مختلفة مثل الصين وروسيا على خط المنافسة، وهي أمور طبيعية لقطاع ما زال في طور المراهقة، وسيشهد في الفترة المقبلة مزيداً من المحاولات لتقنينه، وتنظيم استخدامه، وبالطبع سيكون لاستحواذ ماسك على (تويتر) دور في هذه التحولات».

                                                                           د. مي عبد الغني
خطة مبهمة
على صعيد آخر، على مدار الشهر الماضي، نشر ماسك عدة تغريدات تحمل أحلامه لمنصة التغريدات، من بينها قوله بأنه «يأمل بأن تبقى حتى أسوأ الانتقادات على (تويتر) لأن هذا هو معنى حرية التعبير»، وأن «تويتر سيبقى مجانياً للمستخدمين العاديين، لكن قد تُفرض رسوم على الشركات التجارية والحكومات». أما صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فنشرت الأسبوع الماضي، العرض التقديمي الذي قدمه ماسك للاستحواذ على منصة «تويتر»، وتضمن «زيادة الإيرادات السنوية إلى 26.4 مليار دولار بحلول عام 2028، مقارنة بـ5 مليارات دولار العام الماضي، وتقليل الاعتماد على الإعلانات إلى 45 في المائة عام 2028، مقارنة بـ90 في المائة العام الماضي، إذ ستدر الإعلانات 12 مليار دولار من العائدات، بينما تدر الاشتراكات نحو 10 مليارات دولار، وقد تأتي الإيرادات الأخرى من الأعمال التجارية مثل ترخيص البيانات، التي حققت 572 مليون دولار إيرادات العام الماضي».
حول هذا الشأن يقول الغوري إن «معظم منصات التواصل الاجتماعي تتطلع إلى تحقيق هدفين رئيسين هما: الربح المادي، وزيادة الانتشار بين المستخدمين، وتحويلهم، بذكاء عبر أساليب تسويقية مبتكرة وخوارزميات تتعلم وتتطور يومياً، إلى مستهلكين... وبذا يدعم الهدف الثاني الهدف الأول بتناغم وانسجام». ثم يضيف أن «ماسك وضع لخطته جدولاً زمنياً مقسماً على مرحلتين للعامين 2023 و2028 لتحقيق زيادة في الربحية، والمزيد من الجماهيرية. ومن الواضح أن خطته دُرست بعناية، ووضعت أهدافاً ليست سهلة المنال، وتطلب الكثير من العمل على تحديث وتطوير السياسات والإجراءات مثل تغيير سياسية الخصوصية، وسياسة الاستخدام، وإضافة زر تعديل المحتوى، وهذا يستدعي توظيف المزيد من المطورين والموظفين في أقسام وبلدان الشركة».
لكن الدكتورة مي عبد الغني، أستاذ الإعلام في جامعة بنغازي، والباحثة في الإعلام الرقمي، ترى أن خطة ماسك بشأن «تويتر» لا تزال «مبهمة»، وتوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ماسك لم يعلن سوى عن القليل مما ينوي تنفيذه حال إتمام الصفقة... كما أن ليس كل ما أعلن عنه حتى الآن قابل للتنفيذ على أرض الواقع».
ثم تشرح مي عبد الغني قائلة إنه بالنظر لخطة ماسك في تقليل الاعتماد على الإعلانات، فإن منصة «تويتر» تعاني في الأساس من قلة الإعلانات مقارنة بالمنصات الأخرى، مثل «يوتيوب» و«فيسبوك» و«إنستغرام»، إضافة إلى أن الاعتماد على تغريدات مدفوعة سيجعل المنصة نخبوية إلى حد ما. وتتابع مي عبد الغني أنه «لا يجوز أن نتجاهل أن ثقافة الدفع مقابل المحتوى الرقمي ليست منتشرة في كثير من دول العالم، ومن بينها المنطقة العربية. وهي حتى إن وجدت، فإن الدراسات الدولية تشير إلى ازدياد الدفع مقابل المحتوى الرقمي ذي الطبيعة الترفيهية كالأفلام والمسلسلات والموسيقى، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة منصة (تويتر)... إن تجارب الاعتماد على الدفع مقابل المحتوى فقط كمصدر تمويل لم تكن ناجحة في بعض المشاريع الإعلامية».
بدوره يربط البرماوي بين «إمكانية تنفيذ خطة ماسك لتطوير (تويتر)، خصوصاً في مجال تقليل الاعتماد على الإعلانات، وزيادة عدد المتابعين والأرباح، بنوع المحتوى الذي ستقدمه المنصة». إذ يقول إن «هناك الكثير من الأفكار لتطوير المحتوى ليصبح أكثر جذباً للجمهور، لكننا لا نعرف حتى الآن ما الذي سيعتمد عليه ماسك في ذلك، وهذا، إضافة إلى مدى قدرة ماسك على تمرير هذه التحديثات، في ظل محاولات الدول تنظيم وحوكمة منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في هذا المجال».
وفي هذا الصدد، كان قرار ماسك الاستحواذ على «تويتر»، قد أثار حقاً مخاوف في الاتحاد الأوروبي حول مدى امتثال المنصة للتشريعات التي وضعها الاتحاد بشأن المحتوى الزائف. إلا أن ماسك أكد خلال الأسبوع الماضي، استعداده للامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي. وقال في مقطع فيديو مع المفوض الأوروبي لشؤون السوق الداخلية تييري بريتون نشر عبر «تويتر»، مطمئناً: «أتفق مع كل ما قلته، وأعتقد أن تفكيرنا متشابه بشكل كبير للغاية». وكان بريتون قد قال أيضاً في وقت سابق إنه لا يرى أي مشاكل تتعلق بفرض القواعد «حتى لو صار (تويتر) ملكاً للملياردير ماسك بمفرده، حيث سيتعين على أي شركة في الاتحاد الأوروبي الوفاء بالالتزامات التي نفرضها».
تحفظ وترقب
حسب المعطيات التي نشرتها «نيويورك تايمز»، ماسك يتوقع أن يتمكن من رفع متوسط إيرادات «تويتر» لكل مستخدم إلى 30.22 دولار في عام 2028، بدلاً من 24.83 دولار في العام الماضي، وأن يزيد العدد الإجمالي لمستخدمي منصة التغريدات من 217 مليوناً في نهاية العام الماضي، إلى ما يقرب من 600 مليون في عام 2025، و931 مليوناً عام 2028، وزيادة عدد مستخدمي خدمة «تويتر الأزرق»، إلى 159 مليون مستخدم في عام 2028.
أيضاً تتضمن الخطة الجديدة طرح منتج يُشار إليه بالاسم الرمزي «إكس»، وجعل هذه الخدمة تحظى باشتراك 104 ملايين شخص بحلول عام 2028. ولتحقيق هذه الخطوات، يرغب ماسك في تخفيض عدد الموظفين نحو ألف موظف، أي من 9225 حالياً إلى 8332 في عام 2023. وفي مرحلة لاحقة زيادة عدد المطورين والموظفين إلى 11072 موظفاً بحلول عام 2025، وفقاً لـ«نيويورك تايمز».
أخيراً، وسط حالة الترقب يبدو أن توقعات الخبراء والمراقبين كانت في محلها، ففي خطوة شبه متوقعة، أعلن ماسك عزمه إلغاء الحظر الذي فرضته منصة «تويتر» على حساب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، وقال ماسك، الذي كان يتحدث في «قمة مستقبل السيارات» التي استضافتها صحيفة «فاينانشيال تايمز» الأسبوع الماضي، إن «الحظر المفروض على ترمب كان قراراً سياسياً خاطئاً»، وأكد «أن الحظر الدائم لحسابات (تويتر) يجب أن يكون نادراً ومخصصاً للحسابات الخادعة أو الروبوتات الآلية فقط».



جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟


الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
TT

الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)

جدَّدت غرامة فرضها الاتحاد الأوروبي على «غوغل» الجدل بشأن قواعد الخصوصية، ما عدَّه خبراء خطوةً قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية.

«لجنة الاتحاد الأوروبي» المعنية بحماية البيانات، فرضت الأسبوع الماضي غرامة على «غوغل» تقدر بنحو 403 ملايين يورو (463 مليون دولار) بحجة «خرق قواعد الخصوصية الصارمة الخاصة بالاتحاد، وسوء تعاملها مع بيانات المستخدمين».

ووفق تحقيقات «مفوضية حماية البيانات في آيرلندا» التي بدأت في فبراير (شباط) 2020، فإن «غوغل انتهكت النظام الأوروبي فيما يتعلق بمشروعية وعدالة معالجتها بيانات المواقع الجغرافية ضمن نشاط الويب والتطبيقات وسجل المواقع... ولم تعالج بشكل قانوني أو نزيه البيانات الشخصية للمستخدمين».

للعلم، تعد آيرلندا المفاوِض الرئيسي لـ«غوغل» في الاتحاد الأوروبي، في ظلِّ وجود المقر الرئيسي للمنصة في العاصمة الآيرلندية دبلن. وهذه رابع أكبر غرامة أوروبية بسبب الخصوصية تصدرها «مفوضية حماية البيانات» الآيرلندية التي فرضت سابقاً غرامة على شركة «ميتا» بقيمة 1.2 مليار يورو.

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، والمدرّب في مجال التحقق من المعلومات، يرى أن «الغرامات التي قد تؤدي إلى تغيير جذري بقواعد الخصوصية؛ لا بد أن تكون مؤذية للشركات التقنية من أجل أن تستدرك مسارها وتراجع خطواتها قبل اتخاذ أي قرار». وأردف غزيل خلال حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن الغرامة التي فُرضت أخيراً على (غوغل)، وعلى الرغم من أنها تعدّ من أكبر الغرامات التي فرضتها آيرلندا، فإنها تمثل نسبة ضئيلة جداً من الأرباح الصافية لشركة (ألفابت) مالكة منصة (غوغل)، ولا تتجاوز 0.5 في المائة»، عادّاً هذا النوع من الغرامات «بمثابة حافز اقتصادي وقانوني، وتراه بعض الشركات بمثابة أضرار جانبية من تكلفة ممارسة الأعمال». لكنه، من جهة ثانية، قال: «هذا لا يعني أن الشركة لن تتخذ تغييرات لحلحلة سبب القضية المرفوعة ضدها... بل إن التغييرات غالباً ستكون تدريجية قبل أن تصبح أعمق وتتوسع على كامل المستخدمين حول العالم».

وأوضح الخبير اللبناني: «أي قضية يصدر حكم بها للمرة الأولى تصبح بمثابة سابقة تنظيمية، فتعمد الهيئات التشريعية لاستخدامها أو التلويح بها بوصفها إشارةً تحذيريةً للشركات التي تعمل بالنموذج نفسه، ثم إن المفوضية الأوروبية، بشكل عام، تؤكد أن الحوار التنظيمي وليس الغرامات فقط، هو مَن يدفع الشركات إلى تعديلات استباقية لتجنب عقوبات أكبر أو غرامات يومية». ولفت إلى أن «التجارب السابقة تشير إلى أن المنصات خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا تغير في قوانينها؛ إلا حسب حجم السوق، وفي دول أخرى تتبنى قوانين مستوحاة من القانون الأوروبي للخصوصية والأمن».

وبحسب غزيل فإن «النظام التعاضدي والارتباط القانوني والحقوقي في أوروبا أكثر صرامة وتماسكاً من اتحادات أخرى حول العالم، ما يُشكِّل سوقاً مشتركة قوية للمنصات والشركات الكبرى، كما أن قانون الخصوصية الأوروبي يُعدُّ الأقوى عالمياً مع غرامات قد تؤذي بعض الشركات.

.. وهنا لا يمكن غض النظر عن نظرة الأوروبيين إلى الخصوصية بوصفها حقاً أساسياً، يرفعون شعاراتها ويعملون على تطبيقها على الدوام، ما يجعلهم أكثر حساسية للانتهاكات مقارنة بالولايات المتحدة التي تركز أكثر على الابتكار والمنافسة الحرة».جدير بالإشارة، أن الاتحاد الأوروبي يؤكد دائماً اهتمامه بقواعد الخصوصية، وكان قد «أمر (غوغل) بجعل معالجة البيانات متوافقة مع قواعد الخصوصية في غضون 6 أشهر»، بحسب تصريحات صحافية لنائب مفوض الهيئة، غراهام دويل.

بالتوازي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أبدى محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، اعتقاده بأن الغرامات «ستجبر شركات التكنولوجيا على تغيير قواعدها إلى حد ما». وأضاف أن «التغيير لن يكون بسبب قيمة الغرامة وحدها؛ فالغرامة بالنسبة لشركة بحجم (غوغل) قد تكون تكلفة مالية يمكن استيعابها، لكن الخطر الحقيقي هو أن تتحوّل الغرامة إلى تغيير إلزامي في المنتج، أو طريقة جمع البيانات أو استخدامها».

ثم تابع: «الاتحاد الأوروبي لا يكتفي بفرض الأموال، بل يطلب تغييرات في طريقة عمل المنصات؛ وفي حالة (غوغل) مثلاً، أدت ضغوط قواعد المنافسة الرقمية إلى تعديلات فعلية في نتائج البحث وسياسات أخرى داخل السوق الأوروبية».


تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.