باريس تطالب بشفافية كاملة في الانتخابات اللبنانية

حثت على تشكيل حكومة جديدة في أقرب وقت

TT

باريس تطالب بشفافية كاملة في الانتخابات اللبنانية

تحتل باريس، من بين كل العواصم الأجنبية التي تتابع عن قرب اليوم الانتخابي الكبير في لبنان، المرتبة الأولى، نظراً للجهود التي بذلها الرئيس إيمانويل ماكرون ومعه الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه ووزارة الخارجية والسفير بيار دوكين، الذي كلف بمتابعة الملف المالي والاقتصادي وتنسيق المساعدات إلى الشعب اللبناني. كذلك تتعين الإشارة إلى الجهود التي بذلتها فرنسا لدى شريكاتها في الاتحاد الأوروبي والمنطقة الخليجية لتعزيز الاهتمام بلبنان ومساعدته سياسياً واقتصادياً ومالياً. ولم تتوقف باريس، خصوصاً منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، ثم تفجيري المرفأ في أغسطس (آب) 2020 والزيارتين المتتاليتين اللتين قام بهما ماكرون إلى بيروت، عن قرع ناقوس الخطر والتحذير، وفق كلمة وزير الخارجية جان إيف لو دريان، من «انهيار لبنان» الذي ضربته أزمات متداخلة سياسية ومالية واقتصادية واجتماعية وصحية دفعت ثلاثة أرباع اللبنانيين إلى حافة الفقر. وكان لافتاً أن قسماً كبيراً من الطبقة السياسية اللبنانية أجهض المبادرة الإنقاذية الإصلاحية التي أطلقها ماكرون. ومع ذلك، لم تتردد باريس، في العامين الأخيرين في الدعوة إلى أكثر من اجتماع لتوفير المساعدات الإنسانية للبنان وكذلك للجيش اللبناني. ووصلت الأمور إلى حد أن فرنسا فرضت عقوبات على شخصيات لبنانية وحضت الاتحاد الأوروبي على الاحتذاء بها بالتوازي مع العقوبات الأميركية. وكان الغرض تحفيز السياسيين اللبنانيين على ملء الفراغ المؤسساتي وتشكيل حكومة تحد من تدهور الوضع. ودعمت باريس الرئيس نجيب ميقاتي ومدت له يد المساعدة لتشكيل حكومته كما فعلت قبل ذلك مع السفير مصطفى أديب الذي كان أول من كلف تشكيل الحكومة ثم مع الرئيس سعد الحريري، وكلاهما واجه عقبات دفعته إلى الاعتذار.
وفيما يتوجه الناخبون اليوم في لبنان إلى صناديق الاقتراع، حرصت باريس على توجيه رسالة واضحة إلى اللبنانيين عبرت فيها عن ضرورة أن يتميز هذا الاستحقاق الديمقراطي بـ«الشفافية، وأن يحصل في ظروف تضمن الأمن والحرية للجميع». وقال مصدر دبلوماسي رفيع في لقاء مع مجموعة ضيقة من الصحافيين، مساء الجمعة، إن الهم الأول يتناول بالطبع كيفية حصول الانتخابات. لكن المهم أيضاً، عقب ذلك، أن يتم العمل على تشكيل حكومة جديدة «ضمن مهلة معقولة»، مؤكداً أن الحكومة الفرنسية ستعمل على توجيه «رسائل واضحة» بهذا المعنى إلى الأطراف ذات العلاقة.
ودرج دبلوماسي فرنسي معروف على ترداد أن لبنان أمام خيارين: إما صندوق النقد الدولي أو برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة. ومعنى هذا وفق المصدر الدبلوماسي المشار إليه أن مصلحة لبنان تكمن في تفضيل الخيار الأول رغم صعوبة المسار، ولأنه يتطلب أن يعمد لبنان إلى السير على درب الإصلاحات الضرورية التي يتعين أن تتناول بالدرجة الأولى القطاع المصرفي والمالية العامة. ويشير المصدر المعني بالملف اللبناني إلى أن مشاريع قوانين موجودة أمام البرلمان الذي انتهت ولايته والتي لم تقر والتي يتعين على المجلس الجديد أن يقرها في أسرع وقت. ووفق القراءة الفرنسية، فإنه كلما تأخرت هذه القوانين، تأخر التوقيع على الاتفاق النهائي بين صندوق النقد والحكومة اللبنانية، وتأخرت المساعدات والقروض التي يمكن أن يحصل عليها لبنان وليس فقط من الصندوق نفسه الذي وعد بمنحه ثلاثة مليارات على خمس سنوات. ورهان باريس على أن التوقيع النهائي سوف يفتح الباب أمام تنفيذ عدد من الوعود والالتزامات التي حصل عليها لبنان في عام 2018 في إطار ما سمي «مؤتمر سيدر» التي قدرت بما يزيد على 11 مليار دولار. وسيكون التوقيع مع صندوق النقد بمثابة «شهادة حسن سلوك» بالسلطة اللبنانية التي فقدت كثيراً من مصداقيتها على الصعيد العالمي بعد أن عجز لبنان عن الإيفاء بديونه، ما حوله إلى دولة فاشلة.
وتعي باريس تعقيدات المشهد السياسي اللبناني وتعرف أن نتائج الانتخابات التشريعية سترخي بظلالها على الانتخابات الرئاسية التي تطالب بإجرائها في مواعيدها. كذلك لا تجهل باريس أن القانون الانتخابي الذي يجري التصويت بموجبه للمرة الثانية بعد انتخابات عام 2018 التي أعطت «حزب الله» والأحزاب والشخصيات المتحالفة معه، وعلى رأسها «التيار الوطني الحر» الأكثرية لن يتيح حصول تغيير جذري في تركيبة المجلس المقبل، فيما كان الكثيرون في الداخل والخارج يراهنون على اختراقات تحققها لوائح المجتمع المدني. كذلك فإن الطرف الفرنسي ينظر بكثير من الانتباه إلى أداء الناخبين السنة ومدى انخراطهم في العملية بعد قرار رئيس الوزراء السابق سعد الحريري البقاء، هو وحزب المستقبل، بعيدين عن الانتخابات، ما أدى إلى انقسامات داخل الطائفة بين من يلتزم دعوة الحريري ومن يصر على خوضها.
وتنظر باريس بعين الرضا إلى عودة التواصل بين لبنان والدول الخليجية، وتذكر أن دبلوماسيتها بذلت كثيراً من أجل تحقيق هذا الهدف. وفي الرؤية الفرنسية أن التطور الإيجابي يعيد نوعاً من «التوازن» إلى الداخل اللبناني، وإلى علاقاته الخارجية، وهي ترى أنه رغم الأهمية التي يتمتع بها «حزب الله» كلاعب أساسي في الداخل، فإنه ليس اللاعب الوحيد، ما من شأنه أن ينعكس على النتائج الانتخابية. لذا، فإن باريس تثمن عودة العلاقات اللبنانية - الخليجية وعودة السفراء الخليجيين إلى بيروت، كما تعد أن إطلاق الآلية الفرنسية - السعودية رسمياً من أجل توفير المساعدات الإنسانية وتمويل المشاريع التنموية تؤشر لانطلاق دينامية جديدة هي أهل لأن تكبر وتتطور في المستقبل.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

توني بلير ينفي الضغط على السلطة لحذف اسم «فلسطين» من المناهج

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير (أ.ف.ب)
TT

توني بلير ينفي الضغط على السلطة لحذف اسم «فلسطين» من المناهج

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير (أ.ف.ب)

نفى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وأحد ممثلي «لجنة السلام» في غزة، توني بلير، تقارير إعلامية تحدثت عن طلب توجه به إلى السلطة الفلسطينية لحذف اسم «فلسطين» من المناهج الدراسية الفلسطينية، أو استبداله بمسمى آخر.

وأكد بيان صادر عن «معهد توني بلير» اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، الخميس: «ننفي بشكل قاطع ما ورد في أحد التقارير الإعلامية، والمنسوب إلى دبلوماسي بريطاني سابق، بشأن طلب توني بلير من السلطة الفلسطينية حذف اسم فلسطين من المناهج الدراسية الفلسطينية، ونؤكد أن هذا الادعاء عارٍ تماماً من الصحة ولا أساس له».

وأشار المعهد إلى أن «بلير لم يتقدم بهذا الطلب، كما لم ينقل أو يؤيد أي مقترح بهذا المعنى».

ونشرت وسائل إعلام دولية عربية تصريحات للمبعوث البريطاني السابق لدى الأمم المتحدة السير جيريمي غرينستوك، الأربعاء، تحدث فيها «عن ضغوط مارسها بلير على السلطة الفلسطينية لحذف اسم فلسطين من المناهج التعليمية، واستخدام اسم (السامرة) بدلاً منه بتوجيه من مجلس السلام».

فيما أكد توني بلير أنه «يواصل بالتعاون مع أعضاء مجلس السلام والأطراف المعنية، الجهود لدعم عملية السلام، والمساهمة في تنفيذ خطة السلام، ودعم جهود التعافي وإعادة إعمار غزة، والعمل من أجل مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً لجميع شعوب المنطقة».

وأكد «معهد بلير»: «نظراً لحساسية المرحلة الحالية ودقة القضايا المرتبطة بجهود السلام الجارية، فمن المهم الالتزام بأعلى معايير الدقة والمهنية، والتحقق من المعلومات قبل نشر ادعاءات من شأنها تضليل الرأي العام أو تقويض الجهود الرامية إلى تحقيق السلام».


الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة نُهبت من مدينة صور

الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة
الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة
TT

الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة نُهبت من مدينة صور

الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة
الولايات المتحدة تعيد إلى لبنان قطعاً أثرية قديمة

أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، أنها أعادت إلى لبنان قطعاً من توابيت رصاصية تعود إلى العصر الروماني أُخرجت بشكل غير قانوني من مدينة صور الجنوبية واستُعيدت بعد تحقيق أجراه مكتب التحقيقات الفدرالي «إف بي آي».

وسُلّمت القطع، الأربعاء، إلى القنصلية اللبنانية في نيويورك، ويُفترض أن تُعاد إلى لبنان.

وأعلنت السفارة الأميركية، عبر منصة «إكس»، تسليم لبنان القطع الأثرية، مضيفة أن ذلك «يعكس الشراكة القوية بين الولايات المتحدة ولبنان في مكافحة الاتجار غير القانوني بالممتلكات الثقافية».

وقال وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة إنّ كل الدلائل تشير إلى أن «القطع الأثرية عُثر عليها في صور، خلال عمليات تنقيب غير قانونية».

ولفت إلى أن «هذه القطع تنفرد بخصائص فنية وزخرفية وتقنية تُعد نموذجية لورش صناعة توابيت الرصاص في صور، والتي كانت من الورش النشطة والمنتجة بصورة واسعة خلال العصور القديمة».

وأوضح بيان لمكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك أنّ هذه القطع التي تعود إلى العصر الروماني بين القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، «سُرقت خلال عمليات تنقيب غير قانونية في صور أو محيطها، قبل أن يجري تهريبها»، دون تحديد تاريخ التهريب المزعوم.

وعُثر على القطع في كتالوغات مبيعات معرض «آرتي بريميتيفو» Arte primitivo المتخصص في بيع القطع الأثرية».

وأعلن لبنان أنه قرر متابعة القضية مع السلطات الأميركية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2017، أُعيدت ثلاث قطع أثرية قديمة إلى لبنان، من بينها رأس ثور يوناني كان معروضاً في متحف متروبوليتان للفنون، تبلغ قيمته التقديرية 1.2 مليون دولار.

وأعاد سلامة التذكير بأن مدينة صور الغنية بالتراث الأثري تعرضت أخيراً لدمارٍ كبير، جراء الضربات الإسرائيلية.

وفي يوليو (تموز)، أُدرجت مدينة صور الفينيقية القديمة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي المهدَّد بالخطر.


دعم الجيش يتقدم في الحسابات اللبنانية... و«مفاوضات روما» في مسار مستقل

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

دعم الجيش يتقدم في الحسابات اللبنانية... و«مفاوضات روما» في مسار مستقل

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

يتقدم ملف دعم الجيش اللبناني إلى واجهة الاستحقاقات المرتبطة بالجنوب، مع اقتراب الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في 16 و17 أيلول (سبتمبر)، في حين لا يزال موعد الجولة المقبلة من المفاوضات في روما غير محسوم، وسط نقاش حول العلاقة بين المسارين وحدود تأثير تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية على الموقف اللبناني في المفاوضات.

وبينما ينفي مصدر وزاري لبناني وجود أي ارتباط بين موعدَي الاستحقاقين، تجمع المواقف على أن أهمية دعم الجيش تتجاوز المؤتمر بحد ذاته، لتلامس قدرته على تنفيذ أي مهمات إضافية قد تترتب على المرحلة المقبلة في الجنوب.

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عُقدت الجولة الـ7 من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

لا ارتباط بين الموعدين

وأكد مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يوجد أي ارتباط بين الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وبين الجولة المقبلة من المفاوضات في روما»، موضحاً أن «الاجتماع التحضيري محدد في 16 و17 من الشهر الحالي، وهو مقرر بصورة مستقلة عن المسار التفاوضي».

وقال المصدر إن «موعد مؤتمر روما لم يُحدد حتى الآن، وإذا تقرر عقده بعد الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش، فإن ذلك سيكون لإتاحة المجال أمام رئيس الجمهورية لمتابعة الاجتماع التحضيري ومسار المفاوضات معاً، وليس نتيجة وجود أي ارتباط بين الحدثين».

آليات للجيش اللبناني تفصل بين مواقع وجود الجيش الإسرائيلي في بلدة زوطر الشرقية والمدنيين العائدين إلى بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

الجيش أمام مسؤوليات أكبر

وفي هذا الإطار، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان اللبناني النائب فادي علامة لـ«الشرق الأوسط» إن «دعم الجيش اللبناني بات أولوية ملحّة، خصوصاً في ظل الحديث عن انتهاء مهام قوات (يونيفيل) وما قد يتركه ذلك من فراغ في الجنوب؛ إذ لا توجد مؤسسة قادرة على تحمّل هذه المسؤوليات سوى الجيش اللبناني».

وأضاف أن «لبنان يطالب أساساً ببقاء (يونيفيل) وتفعيل دورها، لكن إذا كان هناك توجه دولي نحو تقليص دورها أو إنهاء مهامها، فتجب معرفة البدائل المطروحة وتوفير دعم جدي وكبير للجيش كي يتمكن من الاضطلاع بالمسؤوليات المطلوبة منه».

وشدَّد علامة على أن «التعويل على الجيش يجب أن يقترن بدعم فعلي وملموس»، موضحاً: «نسمع عن لقاءات ومبادرات ومؤتمرات مخصصة لدعم الجيش، لكن المطلوب أن يتحول ذلك سريعاً خطواتٍ عملية وإمكانات حقيقية، بحيث لا يتم تحميله مسؤوليات إضافية من دون توفير ما يحتاج إليه لتنفيذها».

وعن مفاوضات روما، أشار علامة إلى أن «مسار مفاوضات روما لم يُظهر حتى الآن نتائج إيجابية أو تقدماً واضحاً»، مرجحاً أن يكون التأخير «مرتبطاً باستحقاقات أو تطورات في المنطقة».

الدعم رافعة تفاوضية

وإذا كان المساران منفصلين من حيث المواعيد، فإن مصدراً سياسياً مطلعاً على سير المفاوضات يرى أن نتائج مسار دعم الجيش يمكن أن تنعكس عملياً على قوة الموقف اللبناني عندما يحين موعد الجولة المقبلة.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن «ملف دعم الجيش اللبناني يرتبط بصورة مباشرة بقدرته على تنفيذ المهمات المطلوبة منه في الجنوب؛ ولذلك فإن تحديد حجم الدعم والإمكانات التي ستوضع بتصرفه يشكل عنصراً أساسياً في مقاربة لبنان للمرحلة المقبلة».

وأوضح أن «المنطق الذي يقدمه لبنان يقوم على أن الجيش مستعد لتنفيذ مهمته والقيام بما هو مطلوب منه، لكنه يحتاج في المقابل إلى امتلاك الإمكانات اللازمة التي تتيح له ذلك»، مشيراً إلى أن «ما سيُقدَّم للجيش من دعم سينعكس على قدرته على تنفيذ الالتزامات والمهمات المطروحة في إطار المسار التفاوضي».

ورأى المصدر أن «عقد مؤتمر دعم الجيش قبل مؤتمر روما يبقى أمراً منطقياً ومرجحاً؛ لأنه يمكن أن يشكل رافعة للموقف اللبناني في المفاوضات»، موضحاً أن «دخول لبنان إلى مؤتمر روما بعدما تكون صورة الدعم المخصص للجيش وقدراته قد اتضحت، من شأنه أن يعزز حجته وموقفه حيال ما يستطيع الجيش تنفيذه في الجنوب».

جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو الماضي (رويترز)

التقاطع عند التنفيذ

أما أُستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس، الدكتور محيي الدين الشحيمي، فيضع العلاقة بين المسارين في إطار يتجاوز ترتيب المواعيد، ويربطها بقدرة لبنان على الانتقال من التفاوض على المبادئ إلى تنفيذ الالتزامات.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط» إن «الإشكالية ليست في أيّ من الاستحقاقين يسبق الآخر، سواء الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش والمؤسسات الأمنية في باريس، أو الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات في روما، بل في مدى توافر القدرة التنفيذية اللبنانية والمظلة الدولية للانتقال إلى مراحل متقدمة استناداً إلى الوقائع على الأرض».

وأوضح أن «الأدق هو الحديث عن مسار تشارك فيه روما وباريس وغيرهما من العواصم المنخرطة في البحث عن حلول للأزمة اللبنانية، لا عن عدِّ الجيش بوابة للجولة الثامنة. فالجيش هو المؤسسة العسكرية والأمنية الشرعية، لكنه ليس سلطة سياسية، بل أداة تابعة للسلطة التنفيذية التي تتخذ القرارات ويتولى هو تنفيذها».

ورأى الشحيمي أن «المرحلة المقبلة تتجاوز دعم الجيش بالمفهوم العسكري التقليدي إلى بناء معادلة تنفيذية مرتبطة بالانتقال من التفاوض على المبادئ إلى التفاوض على التنفيذ، ولا سيما في الجنوب، حيث تبرز ملفات آلية التحقق، والمناطق التجريبية، وانتشار الجيش، وحدود دوره».

وأضاف أن «الدول المعنية تريد معرفة ثلاثة أمور أساسية: قدرة الجيش على المراقبة وضبط الحدود والتحرك، وطبيعة المهمة المطلوبة منه، وخصوصاً منع وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة وتأمين مناطق محددة، ثم الثمن السياسي؛ إذ إن ارتفاع مستوى الدعم الدولي يرفع في المقابل مستوى التوقعات من الجيش والدولة».

وشدَّد على أن «نجاح المرحلة التالية يفترض مؤسسات لبنانية قادرة على تنفيذ التزاماتها، بالتوازي مع ثلاثة عناصر مترابطة في الجنوب: انسحاب إسرائيل من القرى والبلدات المحتلة، وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار».