شهادات منشقين عن «داعش» المتطرف (4 - 4) : «داعش» يتعاون مع مؤسسات النظام السوري ويطلق سراح سجناء موالين لبشار الأسد

تفاصيل الرسائل النصية بين «أبو هريرة الليبي» و«أبو إخلاص المغربي»

TT

شهادات منشقين عن «داعش» المتطرف (4 - 4) : «داعش» يتعاون مع مؤسسات النظام السوري ويطلق سراح سجناء موالين لبشار الأسد

بدأ «أبو هريرة الليبي»، بعد نحو عام من القتال والعمل في صفوف «داعش»، يبحث عن مخرج. وبعد أشهر من الجدل وتراجع قناعاته بسلامة الطريق الذي تسير فيه دولة «الخلافة» المزعومة، أدرك أن ما يقوم به لا يتوافق مع صحيح الدين في أبسط صوره. لقد أمضى أسابيع عصيبة من المرابطة والحرب والكر والفر.. مرة في سوريا ومرة في العراق، دون أن يكون أمامه أفق واضح لما يريده «الخليفة» ومساعدوه وفقهاؤه.

تنشر «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة، الرابعة والأخيرة، من شهادات عدد من المنشقين عن هذا التنظيم الدموي، تفاصيل جديدة عن الأيام الأخيرة لكل من «أبو هريرة» و«أبو شعيب السوري»، وثلاثة تونسيين آخرين، وكيف تمكنوا في نهاية الأمر من الفرار مع العشرات الآخرين، خشية أن يزج بهم التنظيم في السجون أو يطلق النار على رؤوسهم، كما يفعل مع خصومه.
من أصعب ما يمكن أن تمر به في حياتك، أن تضطر لاتخاذ قرارات وأنت في معمعة المعارك. كانت عملية تحول القناعات الفكرية في أوساط هذه الشريحة من الدواعش، تجري وسط قذائف المدفعية وتكتكة الرصاص.. «وسط أيام من الحصار والجوع والاقتراب من الموت»، كما يقول أحد التونسيين ممن تمكنوا من العودة من العراق والاستقرار في جنوب تونس.
من الجانب الآخر كان يمكن لقادة التنظيم ملاحظة أمارات التمرد على شاب مثل «أبو هريرة» ومجموعته، و«أبو شعيب» ومجموعته، والعشرات الآخرين ممن كان يجري إعدادهم كقيادات مستقبلية للتنظيم في الأماكن التي سيفتتحها ويضمها لـ«الخلافة» ومنها مناطق في العراق والشام بالإضافة إلى ليبيا وغيرها. كان «أبو شعيب» يبتعد هو الآخر عن الاشتراك في العمليات بحجج مختلفة. بينما كان «أبو هريرة» قد فتح قلبه وعقله للمسؤول عن العلوم الشرعية في معهد الرِّقة، وكان هذا خطأ كبيرا كما يقول.
لقد انتهى الأمر وجرى وضعه في خانة المتمردين، وأصبح الزج به في غيابات السجون والأقبية الرهيبة لـ«داعش»، أو قتله، مسألة وقت. ومع ذلك كان لديه بصيص أمل في أن يجد بين قيادات التنظيم من لديه رؤية واضحة وقدرة على الرد على التساؤلات المعلقة بلا أجوبة منذ شهور. كان طيران التحالف الدولي يدك مواقع «داعش» والضغوط تتزايد مع صعوبة التحرك بين قواعد التنظيم سواء في العراق أو سوريا. ويقول «أبو هريرة» إن هذه التطورات، حيث لا تعرف من قتل ممن ما زال يقاتل على الجبهات، ساعدته للبقاء في مدينة الرِّقة دون أن يضطر لحمل السلاح.
ويضيف أنه في يوم من أيام يناير (كانون الثاني) الماضي، حين قرر الاستقرار في المعهد الشرعي التابع للخلافة، أرسل له القيادي في «داعش» «أبو محمد العدناني»، مندوبا عنه إلى الرِّقة، لكي يبلغه بتهديده له ولمن يتشكك مثله في «الدولة» بالسجن وشر العقاب، خاصة في ظروف الغارات الحربية التي ينفذها التحالف الدولي، إلا أن «أبو هريرة» أعطى ردودا بدت، لدى قادة التنظيم، أنها تدلل على أنه يحمل نفس الأفكار التي جرى تداولها في مناظرة مدينة الدانا.
كان «العدناني» يشغل موقع المتحدث الرسمي باسم التنظيم، وظل «أبو هريرة»، لأكثر من شهرين، يسمع عن أنه أصبح غير قادر على الحركة لإصابته في غارة جوية، وأنه يقيم قرب مقر للخليفة في منطقة الأنبار بالعراق، رغم أنه، في الأصل، من مدينة إدلب السورية. وربما لهذا السبب كان العدناني من القلائل الذين كانت تتجمع لديهم المعلومات، في تلك الظروف، عن المقاتلين وخريطة المجموعات ومن قتل ومن أصيب ومن يعتصم في المواقع الآمنة.
يقول «أبو هريرة» إنه كان، حتى ذلك اليوم، يتطلع لمقابلة «العدناني»: كنت أسمع كلاما طيبا عنه من الإخوة السوريين الذين يحاربون معنا. كانوا فخورين بقربه من «البغدادي». وبعد ذلك أخذت أستمع لتسجيلاته الصوتية وهو يدافع عن الدولة وعن «الخليفة». رجل صارم. وظننت أنه سيريحني ويريح مجموعتي، إذا تحدثت معه في المسائل الشرعية. كنت أظن، مثل كثيرين غيري، أن هناك خطوطا مقطوعة بين ما يجري على الأرض وبين توجيهات «الخليفة». كنت أظن، رغم كل ما رأيت، أن القيادات لن توافق على ترك أمراء المناطق للتنكيل بالمقاتلين. وانتظرت أن يطلبني.
ما حدث هو العكس.. يوضح «أبو هريرة»، قائلا إنه «في هذه الأثناء أتاني تهديد جديد من أحد مساعدي العدناني.. قال لي: يقول لك الشيخ أبو محمد إن أي أحد يطرح الأسئلة عن تعليمات الخليفة أو يشكك فيها أو يكفِّر الظواهري، سيسجنه ويعاقبه». وبعد عدة أسابيع عاد «أبو هريرة» إلى دير الزور مرة أخرى، وهو مشتت الفكر بسبب تغير رياح التنظيم، وانقلاب فتاويه رأسا على عقب في الكثير من التفاصيل التي ترتبط بتداعيات العمليات القتالية.
وخلافا لكل التعليمات والتوصيات والتحذيرات التي أطلقها رجال «الخليفة»، قام «أبو هريرة»، وهو في دير الزور، بتكفير اثنين مغربيين من عناصر «داعش» ممن قال: إنهم يروجون لفتاوى جديدة تتعارض مع فتاوى سبق إصدارها من «البنعلي» ومن فقهاء آخرين من التنظيم.. «كان أحد المغربيين لا يكفر عشيرة الشعيطات التي كنا نقاتلها وتقاتلنا منذ بضعة أسابيع، وكان الثاني قد نطق لفظا مكفرا، ونبهته بعدم تكرار هذا، فلم يتنبه.. كفرتهما، وعندها ذهبا وقدما شكوى ضدي عند الأمير المسؤول عني في تلك الأيام، وكان اسمه، أبو عبيدة الليبي، الذي استدعاني بدوره، وهددني بأنه سيقدمني للمحكمة».
و«أبو عبيدة الليبي» الذي يشير إليه «أبو هريرة» هنا، هو أحد قضاة المحاكم الشرعية لـ«داعش»، ويعتقد أنه قتل بعد ذلك بعدة أسابيع في قصف جوي استهدف قواعد للتنظيم في شمال الموصل، رغم أنه سبق الإعلان عن مقتله عدة مرات، إلا أنه، وبحسب شهادات الدواعش المنشقين، كان بعد الترويج لمقتله، يظهر في ثياب جديدة وهو يمسح على لحيته ويقول: أنا هنا لم أنعم بالشهادة بعد.
ويختلف «أبو عبيدة» هذا، تماما، عن رجل آخر يحمل نفس الكنية ويقود مجموعة من المتطرفين في العاصمة الليبية طرابلس. ويضيف «أبو هريرة» أن من بين من كانوا موجودين، أثناء استدعاء أبو عبيدة له، وتهديده بتقديمه للمحاكمة «أبو الأثير الحلبي»، الأمير العسكري الرهيب لدير الزور.
«الحلبي» يبدو من كلام «أبو هريرة» رجلا حادا وصارما تجاه الأسرى الذين كانوا يسقطون في أيدي «داعش»، ولديه خبرة طويلة أيضا في التنازع بشأن التكفير والمسائل الفقهية، اكتسبها حين كان مسجونا في سجون الأسد. ظل يستمع إلى ما يدور بين «أبو عبيدة» و«أبو هريرة»، وما يعتمد عليه كل منهما من حجج وفتاوى صادرة كلها، رغم تناقضها، عن «البنعلي» نفسه.
فضَّل «الحلبي»، في البداية، عدم التدخل في النزاع الدائر بين الرجلين.. استأذن للانصراف، بعد ما تلقيته من تهديدات من «أبو عبيدة»، حيث إن الحلبي قال: إن لديه ظروفا تتعلق بالعمل، لكنه عاد مرة ثانية وقال موجها حديثه لي، وكأنه حسم أمره بالانحياز الصريح ضدي، إنه سيسجنني لأنني أكفِّر تنظيم القاعدة والعاذر بالجهل بالشرك الأكبر، وأكفِّر عطية الليبي (أحد كبار قادة تنظيم القاعدة، وهو أصلا من مدينة مصراتة الليبية، وقتل في وزيرستان بباكستان عام 2011).
ويقول «أبو هريرة» بأنه كان يغوص في وحل «داعش» بمرور الأيام.. لكن بوتيرة متسارعة. مثلا.. عندما عاد «الحلبي» لمكتب «أبو عبيدة» وشارك في التهديد بسجنه، وجد أن «أبو عبيدة» قد تشجع أكثر من السابق، وبدا أنه يريد أن يتخذ إجراءات محاكمة فورية بحقه، لكنه يقول إن الله سلم، فقد حدث أمر طارئ في الخارج «لا أعرف ما هو»، إلا أنه ترتب عليه خروج «أبو عبيدة»، ليبقى هو وجها لوجه مع «أبو الأثير الحلبي».
وهنا يوضح «أبو هريرة» قائلا: «قمت باستغلال الأمر، وتكلمت مع أبو الأثير.. سألته وأنا ممتلئ بالغضب: ماذا تريدون مني؟ لماذا طلبتني؟ فقال: أنا لم أطلبك.. قلت له: إذن سأذهب». ويضيف أن هذا الحوار القصير كان الأول من نوعه مع هذا الرجل السوري المتمرس على القتال منذ ما قبل ظهور المجموعات المتطرفة التي تخوض الحروب في سوريا والعراق. ولم يكن هناك الكثير الذي كان يمكن أن يقال.
خرج ومشى عدة خطوات. يقول: وجدت أبو عبيدة عائدا لمكتبه، فأخبرته أن «الحلبي» قال لي أن أذهب.. وبهذه الطريقة نجوت منهما بفضل الله.. كانت هذه حيلة أبعدتني عنهما في تلك الليلة، إلا أنه، وبعد يومين، وصلني تهديد جديد عبر بعض الإخوة، وأخبرني أحد التونسيين أن «الحلبي» كان يريد أن يصلبني في دوار النعيم الموجود وسط مدينة الرِّقة وهو مكان معروف أن «داعش» يستخدمه في صلب مخالفيه.. المهم نجوت مرة أخرى. ثم بعدها بقيت لفترة لا أعرف ماذا أفعل.. وكلما رآني «أبو عبيدة» حذرني، حتى تيقنت من كفر الدولة (داعش)، وقررت الهروب.
في شهادته يقول: «على ما رأيناه وسمعناه من جنود (الدولة الإسلامية) وأمرائهم وشرعييهم من خلال مباشرتنا لهم ومخالطتهم وإمضاء وقت طويل معهم، أؤكد اختلافهم فيما بينهم في المنهج والعقيدة».. «فلقد وجدنا كثيرا من جنود الدولة يتضاربون في عقائدهم ويتخبطون في أصل الدين، حتى تجد كل واحد منهم يدين بدين يختلف عمن هم في صفه من زملائه الجنود، فمنهم من يقول: إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر، ومنهم من يعذر بالجهل، ومنهم من لا يعذر بالجهل ولا يكفر العاذر بالجهل، ومنهم من يكفر العاذر».
ويوضح أنه في إحدى المرات حدثت فتنة كبيرة بشأن تكفير الرئيس المصري المنتمي لجماعة الإخوان، محمد مرسي، حين تجدد الجدل حول الفتاوى التي سبق وصدرت عن شرعيي التنظيم. والجديد هذه المرة أن «منهم من كفره، ومنهم من لم يكفره.. فلا يشك عاقل أنهم، بأقوالهم وتضاربهم، يكفِّرون بعضهم بعضا».
ويتطرق إلى جانب آخر يتعلق بعدم حكم «داعش» بالشرع كما تردد على الملأ. ويقول: «في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وتقديم التنازلات والتساهلات في الأحكام والحدود.. رأيت في مواطن كثيرة أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله. مثلا.. ذات مرة أمسكوا بشبكة كبيرة من الشواذ في ريف إدلب الشمالي، وتحديدًا في مدينة الدانا، عندما كانوا يسيطرون على المدينة.. فماذا كان حكمهم على هذه الشبكة الخبيثة؟ قالوا: إن نحن أقمنا عليهم الحد ستثور القرية علينا ولن نعرف كيف نرضي الناس، فما كان منهم إلا أن أطلقوا سراحهم من دون أي حساب».
ويتحدث عن أنه أثناء وجوده مع قيادات وعناصر «داعش» رأى «قيامهم بتعيين قضاة من أجهل الناس في الحكم والقضاء.. والاستعانة بالطواغيت في الحكم والقضاء، كاستشارة من درس المحاماة والقوانين الوضعية في بعض القضايا والأحكام.. وفتح المحاكم التي يسمونها شرعية بجانب المحاكم التابعة للهيئات العلمانية التي تحكم بالقوانين الوضعية، فتجد محكمة (الدولة الإسلامية) وبجانبها محكمة للقوانين الوضعية، وتسمية الولايات والمناطق بأسماء كأنها أصبحت تحت حكمهم، كقولهم ولاية إدلب وهي تعلوها إما رايات الجيش الحر أو أماكن أخرى تعلوها راية نظام الأسد.. والسماح لبعض المؤسسات الكفرية التابعة للأسد بمتابعة العمل داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم كمؤسسة النفوس وبعض المحاكم التي يسميها النظام (السوري) محاكم شرعية».
وعن تذبذب «داعش» وقادته وفقهائه، يضيف بقوله إن هذا الأمر يتضح من خلال «حروبهم على أهل التوحيد ومنع التحدث في أصول الدين والبحث في العقيدة.. إن من عاشر (الدولة الإسلامية) وجنودها يعرف حق المعرفة من هم الأمنيون الذين يرسلونهم للتجسس على الجنود الذين يتدارسون العقيدة ويحاولون البحث فيها، وكأن هذا ذنب يُسجن صاحبه ويُعذب. بالإضافة إلى محاربتهم لمن يقول بكفر العاذر بالجهل وقتلهم وتصفيتهم له، ولنا خير دليل فيمن قامت (الدولة) بتصفيتهم مؤخرًا بسبب تكفيرهم للعاذر، مثل أبو عمر الكويتي، وأبو جعفر الحطاب، وكذا كثير من الجنود وكبار الشرعيين الذين يكفرون العاذر بالجهل».
ويتطرق «أبو هريرة» في شهادته عن تضارب مواقف قيادات «داعش» موضحا أنهم يدعون «تكفير الفصائل العلمانية والداعية للدولة الديمقراطية.. وعدم تكفير الفصائل العلمانية حتى تعلن عليهم الحرب وتقاتلهم، وقبولهم للتحاكم إلى الشرع مع بعض الفصائل العلمانية التي يدعون أنهم يكفرونها.. همهم الأول هو القتال فقط بغض النظر عن العقيدة.. فمهمتهم في المنطقة تنصب على القتال فقط، وتكثير العدد، مهما كانت عقيدة المنتسب لهم».
ويضيف أنه شهد مبايعة بعض الكتائب التي تخالفهم في العقيدة لهم، وقبول البيعة منهم، وانضمام عدد كبير من اللصوص والمرتزقة المعروفين عند الناس إلى صفوف «داعش» لحماية أنفسهم، وما كان منهم إلا قبول هذه البيعات.. «مهما بلغ جهل الذي يريد أن ينضم إليهم يكفي فقط أنه لا يدخن السجائر لتقبل بيعته».
كان «أبو شعيب»، ومعه التونسيون الثلاثة، قد سبقوا «أبو هريرة» في التسلل إلى الشمال. وتمكنوا من الدخول إلى الأراضي التركية مع مجموعة من اللاجئين، واستقر هو هناك. وتدبر الآخرون طريقهم للعودة إلى تونس عبر خطوط الطيران التركي التي كانت تعمل بين إسطنبول ومصراتة الليبية، بينما كانت عناصر داعش في سوريا في طريقها، تحت جنح الظلام، لتوقيف «أبو هريرة».
جرى إلقاء القبض عليه واحتجازه في أحد سجون «داعش» في مدينة الرِّقة. يقول: «سُجنت في سجن الأمنيين لمدة 20 يوما.. عاملوني فيها معاملة نسأل الله أن ينتقم منهم.. كان الحمام الذي نقضي فيه حاجتنا موجودا في نفس غرفة السجن.. كنا نتوضأ منه ونصلي بنفس الغرفة.. الطعام كان لا يؤكل. رأينا في السجن ما يشيب له الولدان». وحين سأل عن الشيخ الذي سبق احتجازه في مبنى «السفارة» قبل نقله إلى هذا السجن، علم أنه تعرض للجلد بأسلاك الكهرباء عدة أيام، ثم جرى نقله إلى سجن آخر في مكان ما في منطقة الأنبار.
يضيف: وجدت في سجن الرِّقة إخوة كثيرين من بينهم عناصر من مجموعتي ومجموعة «أبو شعيب». كنا نحو 90 من ليبيا وتونس والجزائر ومصر وأفغانستان والشيشان. كلنا في ردهة في مساحة ثلاث أو أربع غرف صغيرة.. ردهة لها ثلاثة حوائط إسمنتية وواجهة مسيجة بالحديد وفيها باب صغير. عرفت وأنا في السجن أن «أبو شعيب» نجح في الهروب إلى تركيا.. وعرفت أيضا أن شيخ عشيرة العقيدات السورية، خليل الهفل، حين ألقى «داعش» القبض عليه في الصيف، احتجزه في هذا السجن أيضا، لكن الإخوة قالوا: إنه، وهذا أمر غريب، جرت معاملته أفضل معاملة، لأنه كان في السابق عضوا في مجلس الشعب السوري وله عشيرة كبيرة، بينما كان التنظيم يقول عليه مرة إنه من الكفار ومرة من المرتدين ومرة يصفونه بـ«الطاغوت».
ويواصل قائلا عن الأيام التي أمضاها في سجن «داعش» إن «شعور الإخوة المساجين كان عبارة عن صدمة من ممارسات التنظيم». فبينما كانت عمليات التنكيل على أيدي قادتهم لا تتوقف بحق هؤلاء الدواعش الذين كانوا يحاربون في صفوف التنظيم، استمع «أبو هريرة» لروايات ممن سبقوه إلى هنا عن المعاملة الحسنة التي كان يحظى بها المحتجزون رغم عدم اعترافهم بالخليفة ورغم رفضهم إعطاءه البيعة وعدم إعلان استتابتهم.. «سجنوا شيخا آخر من عشيرة العقيدات، وهو أحد الموالين لنظام الأسد، لمدة يومين.. عاملوه خير معاملة، ثم أخرجوه دون استتابة، وبينما نحن في السجن، كان هو مطلق السراح يدور في الميادين».
ويقول إنه أثناء وجوده قيد الاحتجاز، في ذلك الوقت، مر عليه في السجن أحد العناصر الأمنية المعروف أنها تعمل مع نظام الأسد.. اسمه «أبو يعقوب» من منطقة البصيرة في دير الزور.. كانت التهمة ضده تتعلق بتهريبه لأسرة ضابط سوري برتبة عميد إلى تركيا.. أسرته تتكون من زوجة وابنة. وتمكن من اجتياز الحواجز التي كان يقيمها «داعش» في مناطق واقعة بين سوريا وتركيا، وتوصيلهما بأمان.
ويضيف: كان «أبو يعقوب» يقول لنا في السجن إنه مظلوم، وإنه ماذا عليه لو أنه أوصل الزوجة والبنت، فأخبرته أنه كافر، لأنها زوجة الطاغوت وابنته ابنة الطاغوت، لأنه يعمل مع بشار الأسد.. المهم هو اقتنع بكلامي. وفي اليوم الثاني جاء قاضي الأمنيين في كل الولايات ليقضي بمسألته، فقال له: حتى لو أنت أوصلتهم إلى تركيا فليس عليك شيء، ولا يحق لأحد أن يوقفك ويتكلم معك، فهذا الأمر ليس محظورا، ولا شيء عليك بأنك جعلتهما تمُرَّان، فنحن نريد الزوج ولا نريدهما، لا الزوجة هي ولا ابنتها، وصدر الحكم بخروجه من السجن وإطلاق سراحه.. هكذا، ونحن بقينا في الحبس.
الأسوأ من كل ذلك أن بعضا من الإخوة الذين كانوا معي في السجن - كما يقول: «أبو هريرة» - لم يكن لهم أي رأي أو حديث في شؤون الفتاوى.. ولم يكن عليهم أي تهمة ولا قرينة من أي نوع يمكن أن تؤخذ عليهم. ومع ذلك كان القاضي الشرعي يأتي ويقول لمثل هؤلاء: ماذا تحب أن نسجل لك تهمة.
ويسترجع ذكريات مدة سجنه القصيرة في سجن الأمنيين الذي كان يديره «داعش»، ويتعجب كيف خرج من هذا الكابوس.. يقول: «سبحان الله الذي حكم لي أن أخرج بعد عشرين يوما مع بعض من مجموعتي. ماذا وجدنا؟ الفتاوى التي حاربنا بها الخصوم، أصبحت معكوسة.. وجدنا أن الدولة (داعش) أرجعت الشعيطات إلى بيوتهم، وقالت: إنهم مسلمون، وليسوا كفارا ولا مرتدين.. وأعادت لهم بيوتهم وسياراتهم، وألغت توزيع الغنائم.. وبعدها جلسنا بمكان إداري، وخلال ذلك كنا نبحث عن طريق للهروب».
وقبل خروجه من العراق وسوريا كان «أبو هريرة» على تواصل عبر الهاتف مع بعض القيادات الوسطى في التنظيم، في محاولة منه على ما يبدو لبث الطمأنينة في نفسه، ولمعرفة كيف تسير الأمور، وما إذا كان التنظيم قد أهدر دمه، وما هي الطرق الآمنة للوصول إلى الحدود التركية. كان يريد من المحادثات التي أجراها أثناء ابتعاده عن أنظار قادة التنظيم، أن يرسل رسائل بأنه يسعى للالتزام بما تتضمنه تعليمات وكتيبات «داعش» في المعسكرات وأنه لن يعود للجدل، بينما هو يواصل الابتعاد في اتجاه الحدود.
وحصلت «الشرق الأوسط» على جانب من هذه الرسائل النصية التي جرت بين «أبو هريرة» وأحد القادة الشرعيين في معسكرات «داعش»، واسمه «أبو إخلاص المغربي»، وكانت يوم 23 مارس (آذار) الماضي، أي قبل هروبه بعدة أيام. ويطلق «أبو هريرة» على نفسه في الاتصال الذي تم عن طريق برنامج «واتس آب»، لقب «التوحيد أولا»، وزعم فيه أنه موجود في العراق، بينما يظهر الطرف الآخر، وهو «أبو إخلاص» تحت رقم هاتف دولي تابع لشركة اتصالات تركية، يبدأ بـ00905. رغم وجوده في دير الزور بسوريا.
أبو هريرة: أنت شرعي معسكرات الدير صح؟
أبو إخلاص: ذكرني بارك الله فيك.. نعم أخي. أنا معك أبو إخلاص، بالضبط.. محتاج تذكرني فقط.
أبو هريرة: صح.. أنا بالعراق الآن..
أبو إخلاص: كيف العراق؟
أبو هريرة: الحمد لله. بخير..
أبو إخلاص: والإخوة؟
أبو هريرة: تمام.. عايفة حالها (أي لا جديد عن السابق). إخوتي غرباء..
أبو إخلاص: طوبى للغرباء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم..
أبو هريرة: كنت أريد نسخا عن الكتب التي تدرسونها..
أبو إخلاص: عندي الكتب. عندما تأتي أجيبها لك..
أبو هريرة: طيب ما أسماؤهم.. أحاول أسحبهم من الإنترنت؟ ممكن ما أجيء. ممكن استقر بالعراق..
أبو إخلاص: لن تجدهم بالإنترنت لأنها (الكتب) خاصة بالمعسكرات..
وفي نهاية المطاف تمكن «أبو هريرة» وعدد ممن كان يحارب معه في صفوف «داعش»، من الوصول إلى تركيا. ومن هناك عاد وحده إلى ليبيا، لكن «داعش» أمر الموالين له في مدينة درنة الليبية بقتله. ومنها هرب، مع أسرته، إلى إحدى دول الجوار الليبي.
في الاسفل جانب من الرسائل النصية المتبادلة بين أبو هريرة الليبي وأبو إخلاص المغربي («الشرق الأوسط»)



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.