الروبوتات تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة

تقدم برامج للصم وتحليلات بيانية للمعانين من عُسر القراءة

روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد
روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد
TT

الروبوتات تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة

روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد
روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد

تخيل معنا روبوتات تساعد في تعليم المهارات الاجتماعية للأطفال المتوحدين؛ وبرنامجا إلكترونيا للترجمة يقدم للطلاب الصم تجربة أكثر تفاعلية وانسيابية؛ وتحليلا بيانيا لتحديد الوسائل الفعالة في تعريف أولئك الذين يعانون من عسر القراءة بالمعلومات.
أدوات ذكية
تهدف هذه الأدوات المعززة بالذكاء الصناعي إلى إيجاد طرائق أفضل لرصد وتعليم ومساعدة الأشخاص الذين يعانون من صعوبات تعليمية. وقد وصل بعض هذه الأدوات إلى الصفوف المدرسية، بينما لا تزال أخرى في مرحلة البحث.
تستطيع الروبوتات الاجتماعية المصممة للتفاعل مع البشر، تعليم المهارات الاجتماعية والتعليمية للطلاب ذوي الأوضاع الخاصة كالمصابين بقصور الانتباه وفرط الحركة، واعتلالات السمع، ومتلازمة داون، والتوحد.
يعكس العدد الهائل للأطفال المصابين بطيف التوحد اليوم الحاجة الملحة لتلبية متطلبات هؤلاء الأطفال، إذ تشير أرقام مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن واحدا من كل 54 طفلا مصاب بالتوحد.
يميل هؤلاء الطلاب إلى التجاوب مع الروبوتات «بطريقة لا يتجاوبون بها مع الدمى المتحركة أو الحيوانات الأليفة أو غيرها من الوسائل التي جربناها»، كما يشرح براين سكاسيلاتي، أستاذ علوم الكومبيوتر والعلوم الإدراكية والهندسة الميكانيكية في جامعة يال.
ويرجح سكاسيلاتي أن هذا التفاعل الناجح يعود إلى كون الروبوتات تشبه البشر ولا تصدر أحكاماً. تأتي هذه الروبوتات بتصميمات متنوعة على شكل فتى صغير، وآلة مستوحاة من أفلام الخيال العلمي، ورجل ثلج فروي، وتحمل أسماء محببة كـ«كاسبار» و«ناو»، و«زينو».
أجرى سكاسيلاتي وزملاؤه أخيراً دراسة شارك فيها روبوت اسمه «جيبو» يبدو كمصباح مكتبي صغير برأس دائري يتحرك في جميع الاتجاهات، ودائرة بيضاء مضيئة وشاشة تعمل باللمس في مكان الوجه. عمل الروبوت يومياً لمدة شهر كامل مع 12 طفلاً والأشخاص المسؤولين عن العناية بهم. اعتمد «جيبو» سلوك التحديق الاجتماعي الذي يشمل مهارات كالتواصل بالعين والانتباه المشترك، وقدم التقييم والمشورة في ست ألعاب تفاعلية شغلت على شاشات.

أدوات جديدة تساعد المعانين من عسر القراءة على فهم النصوص

من جهته، قال سكاسيلاتي إن «مهمة الروبوت كانت تعديل صعوبة اللعبة بما يتناسب مع أداء الطفل. لم نرد أبداً أن نشجع الأطفال على الاستجابة للروبوت فحسب، لأن هذا الأمر لا يفيدهم بشيء. نريد أن نمكنهم من التفاعل مع الناس بشكل حقيقي»، أي أن الفكرة من استخدام الروبوت في الدراسة لم تكن حلوله مكان المعلم أو الشخص الموكل بالعناية بالطفل.
وجد الباحثون أيضاً أن الروبوتات تساعد في تحسين المهارات التعليمية والاجتماعية، ولكنهم يحتاجون للمزيد من الدراسات لمعرفة كيف يمكنهم تحقيق استمرارية هذه التغييرات وترجمتها في العالم الحقيقي.
ما هو الدور الذي يلعبه الذكاء الصناعي في هذا المجال؟ التقنية تتقدم، وكذلك البحث في كيفية تشكل الإدراك، وكيفية فهم الناس لمشاعر وأفكار بعضهم البعض، ومكونات الذكاء العاطفي. يمكن ترجمة هذه المفاهيم إلى خوارزميات تتيح للروبوت تفسير الكلام والحركات والإشارات اللفظية وغير اللفظية، بالإضافة إلى التعلم من النتائج.
تستخدم الروبوتات اليوم بشكل أساسي في الأبحاث والدراسات، إلا أن سوقاً ناشئة برزت لاستهداف الصفوف التعليمية والأفراد. منذ بداية عام 2021، تبيع شركة «لوكس إي.آي». ومقرها لوكسمبورغ، روبوت ودود الشكل اسمه «كيو.تي. روبوت» مصمم للتعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد وللاستخدام من قبل الأهل، ويعمل حالياً باللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط.
تقول عايدة نازاري، الشريك المؤسس لـ«بوكس إي.آي.»، أن الأطفال المصابين بالتوحد يتفاعلون يومياً مع الروبوت لمدة تتراوح بين 10 دقائق وساعة تحدد وفقاً للسن ودرجة الدعم التي يحتاجونها. باعت الشركة بضع مئات من «كيو.تي. روبوت» في الولايات المتحدة ومعظمها ذهب للعائلات. في المقابل، تشعر عائلات كثيرة أن الروبوت الاجتماعي باهظ جداً في هذه المرحلة، إذ يصل سعر «كيو.تي. روبوت» إلى 2000 دولار بالإضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 129 دولارا في البرنامج الذي يشغله وخدمات الدعم.
يستخدم الذكاء الصناعي اليوم أيضاً بطريقة أبسط لمساعدة أولئك الذين يعيشون مع التوحد بواسطة الألعاب الإلكترونية. طورت مايثيلي كوندا، أستاذة مساعدة في علوم الكومبيوتر في جامعة فاندربيلت، بالتعاون مع زملائها لعبة فيديو اسمها «فيلم دتكتيف» ستجرب للمرة الأولى في الربيع.
تشرح كوندا أن «الكثيرين من المصابين بالتوحد يتمتعون بتفكير بصري متفوق ولكنهم يواجهون صعوبة في النشاط الاجتماعية».
تواصل سمعي بصري
بدوره، يشهد استخدام الذكاء الصناعي لتحسين الموصلية السمعية والبصرية تطوراً سريعاً وملحوظاً.
وقد عمل المعهد الفني الوطني للصم، واحد من تسع كليات في معهد روشيستر للتقنية، مع شركة مايكروسوفت لتخصيص تقنيات ومنصات بشكل يتيح لها شرح الصفوف للطلاب الصم أو الذين يعانون من مشاكل في السمع. تضم هذه الصفوف مترجمين للغة الإشارة وكتاب اختزال إلا أنها بحاجة للمزيد من المساعدة.
كشفت ويندي دانيلز، المصابة بالصمم وعضو قسم البحث في المعهد، أن مهندسي مايكروسوفت عمدوا إلى «تعليم» تقنية «مايكروسوفت ترانزليتور» (مترجم مايكروسوفت) مصطلحات خاصة تستخدم في الصفوف، بالإضافة إلى تعابير خاصة بالجامعة كأسماء بعض المباني والأشخاص بهدف تلبية أهداف المعهد.
وفي التعليم الخاص أيضاً، يستخدم الذكاء الصناعي لرصد الأنماط في كميات هائلة من البيانات لتحسين عملية تحديد الأشخاص الذين يعانون من إعاقات وتعريفها.
لنأخذ عسر القراءة على سبيل المثال: يواجه الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة صعوبات في القراءة لأنهم يعجزون عن ربط الأحرف والكلمات التي يرونها بالأصوات التي تمثلها. وكانت 47 ولاية أميركية قد فرضت عام 2020 إخضاع الطلاب لفحص عسر القراءة مع بداية مرحلة التعليم الابتدائي. ولكن المشكلة هي غياب أداة مصممة خصيصاً لإجراء هذا الفحص، فضلاً عن كثرة الأخطاء أو حتى الفشل التام في تشخيص عسر القراءة.
يشير باتريك كينيدي، باحث مساعد في مركز التعليم والتعلم التابع لجامعة أوريغون، إلى أن الأداة التقييمية الأكثر شيوعاً لتشخيص عسر القراءة هي اختبار المؤشرات الديناميكية لمهارات القراءة والكتابة المبكرة (DIBELS) ويخضع له الطلاب بين مرحلة الحضانة والصف الثالث لتقييم مهاراتهم القرائية الشاملة. يشدد كينيدي على أن هذا الاختبار لم يصمم لرصد عسر القراءة ولكنه «يستخدم لقلة الأدوات الأخرى».
يخطط الأخير وزملاؤه للتعاون مع 48 مدرسة ابتدائية في الولايات المتحدة لإخضاع 4800 طفل من الحضانة وحتى الصف الثالث لاختبار المؤشرات الديناميكية لمهارات القراءة والكتابة المبكرة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».