الروبوتات تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة

تقدم برامج للصم وتحليلات بيانية للمعانين من عُسر القراءة

روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد
روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد
TT

الروبوتات تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة

روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد
روبوت «جيبو» يتفاعل مع الأطفال المصابين بالتوحد

تخيل معنا روبوتات تساعد في تعليم المهارات الاجتماعية للأطفال المتوحدين؛ وبرنامجا إلكترونيا للترجمة يقدم للطلاب الصم تجربة أكثر تفاعلية وانسيابية؛ وتحليلا بيانيا لتحديد الوسائل الفعالة في تعريف أولئك الذين يعانون من عسر القراءة بالمعلومات.
أدوات ذكية
تهدف هذه الأدوات المعززة بالذكاء الصناعي إلى إيجاد طرائق أفضل لرصد وتعليم ومساعدة الأشخاص الذين يعانون من صعوبات تعليمية. وقد وصل بعض هذه الأدوات إلى الصفوف المدرسية، بينما لا تزال أخرى في مرحلة البحث.
تستطيع الروبوتات الاجتماعية المصممة للتفاعل مع البشر، تعليم المهارات الاجتماعية والتعليمية للطلاب ذوي الأوضاع الخاصة كالمصابين بقصور الانتباه وفرط الحركة، واعتلالات السمع، ومتلازمة داون، والتوحد.
يعكس العدد الهائل للأطفال المصابين بطيف التوحد اليوم الحاجة الملحة لتلبية متطلبات هؤلاء الأطفال، إذ تشير أرقام مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن واحدا من كل 54 طفلا مصاب بالتوحد.
يميل هؤلاء الطلاب إلى التجاوب مع الروبوتات «بطريقة لا يتجاوبون بها مع الدمى المتحركة أو الحيوانات الأليفة أو غيرها من الوسائل التي جربناها»، كما يشرح براين سكاسيلاتي، أستاذ علوم الكومبيوتر والعلوم الإدراكية والهندسة الميكانيكية في جامعة يال.
ويرجح سكاسيلاتي أن هذا التفاعل الناجح يعود إلى كون الروبوتات تشبه البشر ولا تصدر أحكاماً. تأتي هذه الروبوتات بتصميمات متنوعة على شكل فتى صغير، وآلة مستوحاة من أفلام الخيال العلمي، ورجل ثلج فروي، وتحمل أسماء محببة كـ«كاسبار» و«ناو»، و«زينو».
أجرى سكاسيلاتي وزملاؤه أخيراً دراسة شارك فيها روبوت اسمه «جيبو» يبدو كمصباح مكتبي صغير برأس دائري يتحرك في جميع الاتجاهات، ودائرة بيضاء مضيئة وشاشة تعمل باللمس في مكان الوجه. عمل الروبوت يومياً لمدة شهر كامل مع 12 طفلاً والأشخاص المسؤولين عن العناية بهم. اعتمد «جيبو» سلوك التحديق الاجتماعي الذي يشمل مهارات كالتواصل بالعين والانتباه المشترك، وقدم التقييم والمشورة في ست ألعاب تفاعلية شغلت على شاشات.

أدوات جديدة تساعد المعانين من عسر القراءة على فهم النصوص

من جهته، قال سكاسيلاتي إن «مهمة الروبوت كانت تعديل صعوبة اللعبة بما يتناسب مع أداء الطفل. لم نرد أبداً أن نشجع الأطفال على الاستجابة للروبوت فحسب، لأن هذا الأمر لا يفيدهم بشيء. نريد أن نمكنهم من التفاعل مع الناس بشكل حقيقي»، أي أن الفكرة من استخدام الروبوت في الدراسة لم تكن حلوله مكان المعلم أو الشخص الموكل بالعناية بالطفل.
وجد الباحثون أيضاً أن الروبوتات تساعد في تحسين المهارات التعليمية والاجتماعية، ولكنهم يحتاجون للمزيد من الدراسات لمعرفة كيف يمكنهم تحقيق استمرارية هذه التغييرات وترجمتها في العالم الحقيقي.
ما هو الدور الذي يلعبه الذكاء الصناعي في هذا المجال؟ التقنية تتقدم، وكذلك البحث في كيفية تشكل الإدراك، وكيفية فهم الناس لمشاعر وأفكار بعضهم البعض، ومكونات الذكاء العاطفي. يمكن ترجمة هذه المفاهيم إلى خوارزميات تتيح للروبوت تفسير الكلام والحركات والإشارات اللفظية وغير اللفظية، بالإضافة إلى التعلم من النتائج.
تستخدم الروبوتات اليوم بشكل أساسي في الأبحاث والدراسات، إلا أن سوقاً ناشئة برزت لاستهداف الصفوف التعليمية والأفراد. منذ بداية عام 2021، تبيع شركة «لوكس إي.آي». ومقرها لوكسمبورغ، روبوت ودود الشكل اسمه «كيو.تي. روبوت» مصمم للتعامل مع الأطفال المصابين بالتوحد وللاستخدام من قبل الأهل، ويعمل حالياً باللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط.
تقول عايدة نازاري، الشريك المؤسس لـ«بوكس إي.آي.»، أن الأطفال المصابين بالتوحد يتفاعلون يومياً مع الروبوت لمدة تتراوح بين 10 دقائق وساعة تحدد وفقاً للسن ودرجة الدعم التي يحتاجونها. باعت الشركة بضع مئات من «كيو.تي. روبوت» في الولايات المتحدة ومعظمها ذهب للعائلات. في المقابل، تشعر عائلات كثيرة أن الروبوت الاجتماعي باهظ جداً في هذه المرحلة، إذ يصل سعر «كيو.تي. روبوت» إلى 2000 دولار بالإضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 129 دولارا في البرنامج الذي يشغله وخدمات الدعم.
يستخدم الذكاء الصناعي اليوم أيضاً بطريقة أبسط لمساعدة أولئك الذين يعيشون مع التوحد بواسطة الألعاب الإلكترونية. طورت مايثيلي كوندا، أستاذة مساعدة في علوم الكومبيوتر في جامعة فاندربيلت، بالتعاون مع زملائها لعبة فيديو اسمها «فيلم دتكتيف» ستجرب للمرة الأولى في الربيع.
تشرح كوندا أن «الكثيرين من المصابين بالتوحد يتمتعون بتفكير بصري متفوق ولكنهم يواجهون صعوبة في النشاط الاجتماعية».
تواصل سمعي بصري
بدوره، يشهد استخدام الذكاء الصناعي لتحسين الموصلية السمعية والبصرية تطوراً سريعاً وملحوظاً.
وقد عمل المعهد الفني الوطني للصم، واحد من تسع كليات في معهد روشيستر للتقنية، مع شركة مايكروسوفت لتخصيص تقنيات ومنصات بشكل يتيح لها شرح الصفوف للطلاب الصم أو الذين يعانون من مشاكل في السمع. تضم هذه الصفوف مترجمين للغة الإشارة وكتاب اختزال إلا أنها بحاجة للمزيد من المساعدة.
كشفت ويندي دانيلز، المصابة بالصمم وعضو قسم البحث في المعهد، أن مهندسي مايكروسوفت عمدوا إلى «تعليم» تقنية «مايكروسوفت ترانزليتور» (مترجم مايكروسوفت) مصطلحات خاصة تستخدم في الصفوف، بالإضافة إلى تعابير خاصة بالجامعة كأسماء بعض المباني والأشخاص بهدف تلبية أهداف المعهد.
وفي التعليم الخاص أيضاً، يستخدم الذكاء الصناعي لرصد الأنماط في كميات هائلة من البيانات لتحسين عملية تحديد الأشخاص الذين يعانون من إعاقات وتعريفها.
لنأخذ عسر القراءة على سبيل المثال: يواجه الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة صعوبات في القراءة لأنهم يعجزون عن ربط الأحرف والكلمات التي يرونها بالأصوات التي تمثلها. وكانت 47 ولاية أميركية قد فرضت عام 2020 إخضاع الطلاب لفحص عسر القراءة مع بداية مرحلة التعليم الابتدائي. ولكن المشكلة هي غياب أداة مصممة خصيصاً لإجراء هذا الفحص، فضلاً عن كثرة الأخطاء أو حتى الفشل التام في تشخيص عسر القراءة.
يشير باتريك كينيدي، باحث مساعد في مركز التعليم والتعلم التابع لجامعة أوريغون، إلى أن الأداة التقييمية الأكثر شيوعاً لتشخيص عسر القراءة هي اختبار المؤشرات الديناميكية لمهارات القراءة والكتابة المبكرة (DIBELS) ويخضع له الطلاب بين مرحلة الحضانة والصف الثالث لتقييم مهاراتهم القرائية الشاملة. يشدد كينيدي على أن هذا الاختبار لم يصمم لرصد عسر القراءة ولكنه «يستخدم لقلة الأدوات الأخرى».
يخطط الأخير وزملاؤه للتعاون مع 48 مدرسة ابتدائية في الولايات المتحدة لإخضاع 4800 طفل من الحضانة وحتى الصف الثالث لاختبار المؤشرات الديناميكية لمهارات القراءة والكتابة المبكرة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟