الاتحاد الأوروبي يحظر النفط الروسي تدريجياً ويستهدف المزيد من البنوك

زاد «بشكل كبير» دعمه العسكري لمولدافيا خشية أن تكون هدف موسكو المقبل

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يحظر النفط الروسي تدريجياً ويستهدف المزيد من البنوك

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)

بعد مخاض طويل وتجاذبات سياسية على أعلى المستويات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أنجزت أمس المفوضية الأوروبية مشروع حزمة سادسة من العقوبات على روسيا يدور معظمها حول منتوجات الطاقة التي يثير حظرها جدلاً واسعاً بين الشركاء الأوروبيين وفقاً لنسبة اعتماد اقتصاداتهم عليها وقدراتهم على إيجاد بدائل لها في الآجال القريبة. وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء، وهي تتضمّن: حظراً تاماً على صادرات النفط الروسي إلى بلدان الاتحاد على أن يتمّ تنفيذه بصورة تدريجية، وإخراج مصرف «سبيربانك»، الذي يشكّل وحده ثلث القطاع المصرفي الروسي من نظام «سويفت»، وعقوبات على قادة عسكريين روسيين ارتكبوا «جرائم حرب» في بوتشا، إضافة إلى منع ثلاث مجموعات إعلامية روسية تابعة للدولة من توزيع إنتاجها في بلدان الاتحاد الأوروبي، قالت فون دير لاين إنها «تروّج أكاذيب بوتين والبروباغاندا».
لكن إنجاز المفوضية لهذه الحزمة الجديدة من العقوبات، التي استمرّ النقاش والجدل حولها حتى ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء - الأربعاء، والتي دافعت عنها فون دير لاين بقوة أمام أعضاء البرلمان الأوروبي محفوفة بطاقم المفوضين الكامل، لا يعني أنها باتت جاهزة للدخول حيّز النفاذ الذي يقتضي موافقة الدول الأعضاء عليها بالإجماع. وقالت رئيسة المفوضية: «لن يكون سهلاً الحظر الكامل على النفط الروسي لأن بعض الدول الأعضاء يعتمد عليه بنسبة عالية، لكن بكل بساطة ليس أمامنا خيار آخر ولا بد من وقف إمدادات النفط الروسي الخام في غضون ستة أشهر ومشتقاته بحلول نهاية العام الحالي»، مضيفة: «إن مستقبل الاتحاد الأوروبي يُكتب اليوم في أوكرانيا، ولا بد أن يدفع بوتين ثمناً باهظاً لعدوانه الوحشي»، مشيرة إلى أن حظر صادرات النفط الروسية يجب أن يتمّ بصورة تدريجية تسمح للدول الأعضاء بإيجاد بدائل له في الأمد الطويل ولا تؤثر سلباً على سوق الطاقة العالمية، مع الحفاظ على متانة اقتصادات الشركاء الأوروبيين وحلفائهم.

رئيسة مولدافيا مايّا ساندو خلال استقبالها رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال (رويترز)

وبعد عرضها للحزمة السادسة من العقوبات على روسيا كشفت فون دير لاين عن مشروع المساعدات الذي يعتزم الاتحاد الأوروبي تقديمه لأوكرانيا قائلة: «نريد لأوكرانيا أن تنتصر في هذه الحرب، لكننا نريد أيضاً أن نوفّر لها ظروف النهوض من الحرب بعد نهايتها ومساعدتها على الإعمار». وقالت إن الاتحاد الأوروبي سيعلن قريباً عن المساعدات الاقتصادية الفورية التي سيقدمها لأوكرانيا، وأنه قرر إعفاء جميع الصادرات الأوكرانية إلى بلدان الاتحاد من الضرائب لفترة عام قابلة للتجديد. وأشارت فون دير لاين أن التقديرات الأخيرة تتوقع انكماش إجمالي الناتج القومي الأوكراني بنسبة تتراوح بين 35 في المائة و50 في المائة هذا العام: «ما يلقي على كاهل الاتحاد الأوروبي مسؤولية كبيرة لتقديم حزمة طموحة من المساعدات إلى أوكرانيا تسمح لها بالنهوض من آثار الحرب وإعداد البلاد للجيل المقبل».
ونظراً لتباعد المواقف بين الدول الأعضاء في الاتحاد حول حظر صادرات المحروقات الروسية، وضرورة الموافقة عليه بالإجماع لدخوله حيّز النفاذ كموقف مشترك ملزم للحكومات، انطلقت المفاوضات بين السفراء المندوبين فيما كانت فون دير لاين لا تزال تلقي كلمتها أمس أمام البرلمان الأوروبي. وتوقعت مصادر مطلعة في المفوضية أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي حول الحزمة الجديدة في غضون أيام لعرضه على القمة المقبلة «لأن ثمة ضغوطاً متنامية للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية الرئاسة الفرنسية، من غير استبعاد السماح لبعض البلدان بمواصلة استيراد النفط الروسي بعد نهاية هذا العام». ويعتقد المراقبون أن العقبة الرئيسية أمام إنجاز الاتفاق النهائي حول الحظر الكامل للنفط الروسي هي في الموقف المجري الذي أعلنه ظهر أمس الناطق بلسان الحكومة المجرية بقوله: «لا نرى أي خطة أو ضمانات حول كيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية استناداً إلى الاقتراحات الراهنة بما يكفل تأمين احتياجات المجر من الطاقة». وتجدر الإشارة أن الواردات الأوروبية من النفط الروسي الخام تشكّل 25 في المائة من احتياجات البلدان الأعضاء بقيمة تناهز 48 مليار يورو سنوياً، تضاف إليها واردات المشتقات النفطية بقيك 30 مليار يورو.
وفي سياق متصل ومع دخول الحرب في أوكرانيا شهرها الثالث وتعثّر القوات الروسية في تحقيق معظم أهدافها، يراقب الأوروبيون بقلق أوضاع المناطق المجاورة التي يخشى أن تقرر موسكو توسيع دائرة المواجهة نحوها، وتتجه الأنظار بشكل خاص منذ أيام إلى مولدافيا التي كانت شبه منسيّة على الخريطة الأوروبية قبل بداية الغزو الروسي، وحيث تعيش أقلية روسية في إقليم ترانسنيستريا المتاخم لأوكرانيا، تتطلّع في غالبيتها للانضمام إلى روسيا عبر استفتاء شعبي على غرار شبه جزير القرم التي ضمّتها موسكو في عام 2014 في استفتاء لم تعترف به الأسرة الدولية.
أعلن أمس رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال أن الاتحاد الأوروبي سيزوّد القوات المسلحة المولدافية بمعدات عسكرية «بهدف زيادة مستوى الأمن والاستقرار فيها»، ومدّها بالدعم اللوجيستي لمواجهة الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها. وتحدث ميشال في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيسة مولدافيا مايّا ساندو خلال زيارته إلى هذا البلد الذي يخشى أن يكون الهدف المقبل في مرمى القوات الروسية.
الأوساط الأطلسية على يقين من أنه في حال قررت موسكو توسيع دائرة العمليات العسكرية خارج الأراضي الأوكرانية، ستكون محطتها الأولى في مولدافيا، وبالتحديد في هذا الإقليم الذي بات أشبه بقنبلة موقوتة حيث يعيش نصف مليون ناطق بالروسية ما زالوا يحرصون على روابطهم بالإمبراطورية السوفياتية، ولهم حكومتهم الذاتية ورايتهم الخاصة وقواتهم المسلحة وجمهورية لم تعترف بها حتى موسكو.
لكن ترانسيستريا ليست مجرّد إقليم يحنّ سكانه للعودة إلى كنف روسيا الأم، بل هي أكبر مخزن في الأراضي السوفياتية السابقة للأسلحة والذخائر يقدّر بما يزيد عن 40 ألف طن يحرسها 1500 جندي من القوات الروسية الخاصة التي كانت نواة الجيش السوفياتي الرابع عشر، يؤازرهم 500 آخرون يشرفون على نقاط التفتيش الموزّعة في المنطقة المحيطة بها. ويقول أحد المسؤولين في اللجنة الأمنية المشتركة بين مولدافيا وروسيا إن انفجاراً في هذا المخزن من شأنه أن يحدث دماراً هائلاً في مولدافيا وأوكرانيا يعادل ضعف انفجار القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما.
أواخر العام الماضي طلبت مايا ساندو رئيسة جمهورية مولدافيا استبدال بالقوات الروسية الموجودة في الإقليم مجموعة من المراقبين التابعين لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، لكن موسكو رفضت الطلب، كما رفضته السلطات المحلية بذريعة أسباب أمنية طالما النزاع ما يزال قائماً بين الطرفين. وتقول المصادر الأطلسية إنه بعد الانفجارات التي وقعت مطلع الأسبوع الماضي في عدد من مناطق الإقليم، والتي تبادل الطرفان الروسي والمولدافي الاتهامات بشأن افتعالها، بدأت القوات الروسية الخاصة الموجودة هناك تستعدّ للقتال، حيث يقوم الجنود بحفر الخنادق بعد أن أعلنت التعبئة العامة وصدرت تعليمات بعدم منحهم أكثر من ساعتين في الأسبوع لرؤية عائلاتهم. ويذكر أن انفجارات عدة كانت استهدفت مبنى وزارة الداخلية ومحطة الإذاعة والتلفزيون ومطار العاصمة تيرابسول، مما دفع بالولايات المتحدة وكندا وبلغاريا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إلى الطلب من رعاياها عدم السفر إلى مولدافيا أو مغادرتها في أقرب فرصة. وتجدر الإشارة إلى أن السلطات المحلية في إقليم ترانسنيستريا كانت أعلنت استقلالها الذاتي في عام 1990. مدعومة من موسكو، لمنع توحيد رومانيا ومولدافيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وتفيد آخر الاستطلاعات بأن غالبية ساحقة من سكان هذا الإقليم يطمحون للانضمام إلى الاتحاد الروسي من غير اللجوء إلى المواجهة المسلحة وعبر استفتاء شعبي كما حصل في شبه جزيرة القرم منذ ثمانية أعوام. وتتعرّض مولدافيا منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا إلى ضغط كبير بسبب تدفق النازحين الذين باتوا يشكّلون 4 في المائة من مجموع سكانها. ورغم أن معظم النازحين إلى مولدافيا يرغبون في مغادرتها إلى بلدان أوروبية أخرى، كونها أفقر دولة في أوروبا، تواجه الحكومة صعوبة في مساعدتهم على مغادرة البلاد حيث إن مجالها الجوي مغلق منذ بداية الحرب، وهي تفتقر إلى التسهيلات الموجودة في البلدان الأخرى المتاخمة لأوكرانيا. وكانت مولدافيا تقدمّت مؤخراً بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فازت فيها مايا ساندو، المعروفة بميولها الغربية وهي كانت تولّت مناصب رفيعة في البنك الدولي بعد تخرجها في معهد الدراسات الاقتصادية في جامعة هارفارد. وتشكّل مولدافيا حلقة ضعيفة جداً في الفسيفساء الإقليمية نظراً لكونها دولة صغيرة محشورة بين جارين كبيرين مثل أوكرانيا ورومانيا، وغير مطلّة على البحر، فضلاً عن كونها تعتمد بشكل كامل على إمدادات المحروقات الروسية وكانت تشكّل المبادلات التجارية مع أوكرانيا، عبر ميناء أوديسا، مصدر دخلها الرئيسي. وكانت الحكومة المولدافية طلبت مؤخراً من صندوق النقد الدولي مدّها بمساعدات إضافية تحسباً لتكثيف العمليات العسكرية الروسية في أوديسا والمناطق المحيطة بها، وارتفاع عدد النازحين الأوكرانيين عبر أراضيها. وكان وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن أعلن خلال زيارته مولدافيا منذ أسبوعين أنه في حال تعرّضت مولدافيا لهجوم روسي، ستتصرّف الولايات المتحدة تماماً مثل تصرّفها إلى جانب أوكرانيا أو في أي مكان آخر يتعرّض لهجوم مماثل. وتجدر الإشارة إلى أن عديد القوات المسلحة التابعة للإقليم الانفصالي يزيد عن عشرة آلاف جندي تشرف على تدريبهم وتنظيمهم القوات الخاصة الروسية على غرار إقليمي دونتسك ولوغانسك في أوكرانيا، فيما لا يزيد عدد القوات المسلحة المولدافية عن سبعة آلاف جندي يفتقرون إلى التدريب وتنقصهم الأسلحة والمعدات.


مقالات ذات صلة

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

أوروبا كيم جونغ أون يزور موقع بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية قادرة على إطلاق صواريخ «بحر - جو» (رويترز) p-circle

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا... النقاشات حولها تتزايد مع دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

حرب إيران تخلط أوراق بوتين وتُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين

لا تبدو الحرب الجارية ضد إيران حدثاً بعيداً بالنسبة للكرملين عن معركة أوكرانيا، بل اختبار مباشر لما تبقّى من قدرة موسكو على التأثير خارج جبهتها الرئيسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية مدمرات صواريخ موجهة تابعة للبحرية الأميركية تطلق صواريخ على الأراضي الإيرانية الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

روسيا تزود إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات الأميركية

أفادت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية بأن روسيا تزود إيران ببيانات استهداف تتعلق بمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق بالسماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

أوكرانيا سترسل «قريباً» خبراء عسكريين في المسيّرات إلى الشرق الأوسط

ترسل أوكرانيا «قريباً» عسكريين إلى الشرق الأوسط؛ لمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على التصدي لهجمات إيران بالمسيّرات.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا (إ.ب.أ)

كييف تتهم المجر باحتجاز 7 موظفين في مصرف أوكراني في بودابست «رهائن».

اتهم وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيغا المجر الجمعة باحتجاز سبعة موظفين في مصرف أوكراني «كرهائن». وقال سبيغا على منصة «إكس: «اليوم في بودابست، احتجزت…

«الشرق الأوسط» (كييف)

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.