شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

تخبط فتاوى التنظيم المتطرف في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح باب الخلافات والهزائم

TT

شهادات منشقين عن الجماعة المتطرفة (2 - 4): {داعش} دفع بمقاتليه لاحتلال البوكمال ثم تراجع وأوهمهم ببيعة النصرة لـ«الخليفة»

يواصل خمسة من المنشقين عن «داعش» من جنسيات سورية وليبية وتونسية، الإدلاء بشهاداتهم عن الأسباب والتفاصيل التي أدت إلى تخليهم عن القتال مع التنظيم المتطرف. واصطدم هؤلاء الشبان ومن كان معهم من مجموعات، بتوجهات وفتاوى دولة «الخلافة» المزعومة، بعد أشهر من التحاقهم بالقتال في سوريا والعراق، إلى أن قرّروا في نهاية المطاف، التوقف عن العمليات العسكرية والهروب بعد أن أصبحوا، هم أنفسهم، عرضة للقتل على يد التنظيم.
فرَّ «أبو هريرة» إلى بلدته في شمال ليبيا، قبل أن يواصل الهروب، بعد أن أهدر التنظيم المتطرف دمه، خصوصًا أن «داعش» له وجود في مدن مثل درنة وسرت وصبراتة في ليبيا. كما فرَّ «أبو شعيب» تاركًا بلدته، دير الزور، إلى تركيا. ويعيش هناك متخفيًا. بينما يفيد الوسطاء الذين قاموا بتأمين الردود التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أن التونسيين الثلاثة يعيشون في بلداتهم الأصلية في جنوب البلاد.
وفي هذه الحلقة يتذكر «أبو شعيب» ما وقع من أحداث مرعبة في تلك الليلة حين جاء مع «أبو هريرة» و«الإخوة التونسيين» وعدد من زملائهم المقاتلين، لكي ينظر تركي البنعلي، رئيس جهاز الحسبة في «داعش»، في الخلافات التي تتزايد بشأن سرعة تغيير التنظيم لمواقفه بينما الحرب تجري على الأرض.
الوقوف أمام المنظر الشرعي «تركي البنعلي» يُعد من المسائل الخطرة، فهو، وفقًا لأحد التونسيين الثلاثة، صموت وهدوء لكنه لا يتسامح في القضايا التي تمس أوامر «البغدادي» حتى من قبل أن يتولى رئاسة جهاز الحسبة.. «البنعلي» خطيب مفوَّه أيضًا، فقد سبق له، منذ عام 2005 ولعدة سنوات، التنقل بين كثير من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها تونس وليبيا، لتلقي الدروس على يد دعاة متطرفين أو إعطاء دروس للشبان الذين تعم بلادهم فوضى «الربيع العربي».
كان «البنعلي»، قبل ظهور الخلافة المزعومة، من المتعاطفين مع تنظيم القاعدة. ويقول التونسي إنه غيَّر موقفه إلى العداء ضد القاعدة، لمصلحة «داعش»، ثم بدأ يطلب منا مهادنة القاعدة والمنتمين إليها. وبعدها، عرفنا أن هناك تواصلًا وصداقة ومعاملات طيبة لنفس الجهات التي كان قبل يوم أو اثنين يطلب منا مقاتلتها لأنها إما كافرة أو مرتدة أو أنصار للطواغيت.
يقول «أبو شعيب»: في هذه الأمسية قلنا لا بد أن نعرف ما يجري بالضبط من «البنعلي» وليحدث ما يحدث.. رغم أننا نعلم أنه لم يسبق لهذا الرجل أن تحمل الجدل والمناقشة. كانت له شهرة وصيت في «داعش»، بسبب تعصبه في موالاته لـ«البغدادي» ونشاطه في ضم شبان عرب وأجانب للقتال في صفوف التنظيم، واقتران اسمه بمفاوضات إطلاق سراح عامل الإغاثة الأميركي، بيتر كاسيغ، الذي جرى ذبحه فيما بعد.
ويضيف أحد التونسيين المنشقين أن المشكلة في الأساس داخل التنظيم قد ترجع أسبابها إلى أكثر من سنة مضت، حين أعلن الظواهري الفصل بين «العراق والشام» بحيث تكون العراق تحت ولاية «البغدادي» باسم «دولة العراق الإسلامية» والشام (سوريا) تحت ولاية جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني. هنا انحاز «البنعلي»، قبل حتى أن يصل إلى سوريا ومن ثم العراق، إلى موقف «البغدادي» الرافض لهذا الفصل متمسكًا باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
«أبو هريرة» يوضح أنه، حين كان يقف مع مجموعته والمتخاصمين معها في قضية تنظيم القاعدة، بين يدي «البنعلي»، تذكَّر أن موقفه، في الحقيقة، أفضل من موقف هذا الشاب البحريني المجرد من جنسية بلاده، لأنه؛ أي «أبو هريرة»، دخل جبهة الحرب قبل أن يعرفها «البنعلي»، وخاض معارك وتعرض لخطر القتل أكثر من مرة قرب الرِّقة وفي دير الزور والبوكمال والموصل.
«أبو هريرة» الذي انقطع عن دراسة الطب في بلاده، رغم أنه كان على وشك التخرج، نشأ في مدينة بنغازي، والده يحمل رتبة رائد سابق في الجيش الليبي. وبعد سقوط نظام معمر القذافي، التحق بتنظيم أنصار الشريعة في المدينة التي أصبحت معقلاً للمتطرفين. سافر من هناك، مع مجموعة من الشبان الليبيين، إلى تونس. وعقب تلقيه دروسًا دينية وتدريبات جديدة على القنص، جرى ترتيب سفره، مع التونسيين الثلاثة، إلى سوريا عبر تركيا.
مرَّ شريط الرحلة من «بنغازي» حتى «الرِّقة» في ذهن «أبو هريرة» وهو يستعد للمواجهة مع «البنعلي». ويبدو أن هذا الشاب الليبي لم يشأ أن يضع نفسه كرأس حربة في المناقشة، فقدم أحد زملائه من طلاب العلم الذين معه، ويطلق عليه «شيخنا» على أساس أنه مختص بهذا الفرع من الجدل. ويبدو أن «أبو شعيب» فهم الأمر.
يقول «أبو شعيب»: «كنت أرى غضبًا وشرًا مستطيرًا في عيني البنعلي.. كان يمد يده ويشدّ العمامة البيضاء التي يغطي بها رأسه، وكأنه يريد أن يبعد الضوء عن تعبيرات وجهه الغاضبة حتى لا نراها.. كنت أريد أن أفرَّ من أمامه، لكن هذه كانت مهمة مستحيلة في تلك اللحظة؛ ليل وطرق الهروب ملغمة بالأعداء. ثم كيف أتخلى عن أميري وإخوتي الذين يشاطرونني الرأي نفسه».
وعمّا جرى بعد ذلك، يوضح «أبو هريرة» قائلاً: «في البداية؛ أي حين دخلنا عليه.. سلّمنا، وقدّمنا طالب العلم الذي كان معنا لمناقشته. وبعد قليل كان الحديث يجري ونحن نراقب.. قام شيخنا (لم يذكر اسمه) بالتأصيل الفقهي الذي يقول إنه لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر وفي أمور التوحيد مطلقًا، وأن العاذر كافر من دون بيِّنة، وأن هذا ما وجدنا عليه التنظيم حين التحقنا به، وأنه لا توجد أسباب لتغيير الموقف، وإلا أصبح التنظيم مثله مثل التنظيمات الأخرى، وبالتالي لا يحق له أن يحتكر تفسير الإسلام حسب الظروف. هنا اعترض البنعلي، واختلف معنا في الأصل، فقال: نحن لا نعذِّر بالجهل في الشرك الأكبر، ولكننا لا نكفر العاذر بالجهل».
استمر الحوار على هذه الشاكلة. يضيف «أبو هريرة»: «كان شيخنا ولله الحمد، وهو يرد على البنعلي، متمكنًا ملمًا بالأدلة، فكان البنعلي يصمت قليلاً ثم يقول: ما رأيكم بأحمد بن حنبل؟ هو لم يكفر المأمون. قلنا: وما أدراك؟ فأحمد بن حنبل قال إن من قال بخلق القرآن كافر، ومن لم يكفره كافر. ثم صار البنعلي يسأل من جديد: ما رأيكم بابن عربي وبالذي لا يكفره؟.«
يقول «أبو شعيب» إن عددًا من مساعدي «البنعلي» انبروا في استعادة وقائع تاريخية بعضها يعود لعام 218 للهجرة عن الخلافات التي نشبت وقتذاك بين الخليفة المأمون وابن حنبل بشأن القول بخلق القرآن واعتراض ابن حنبل على هذا. كما تطرقت المناقشات إلى موقف الشيخ الأندلسي، محيي الدين بن عربي، ذي التوجهات الصوفية، إلى مسألة التكفير، قبل وفاته في دمشق سنة 638 للهجرة. ويقول إنه لاحظ وجود خلط، من جانب جماعة البنعلي، بين ابن عربي هذا، وأبو بكر بن العربي، الذي له كتابات قديمة عن العاذر بالجهل، والمتوفي سنة 543 للهجرة في المغرب.
ويضيف أنه حين أراد أن يعترض على هذا الاسترسال في وقائع قديمة بطريقة فيها خلط ولبس وأخطاء، أشار له عدد من مساعدي «البنعلي» بالتزام الصمت حتى ينتهي من حديثه الذي تطرق فيه أيضًا لشيوخ آخرين من بينهم فخر الدين الرازي، المشهور بالرد على أفكار المعتزلة، والمتوفي في أفغانستان عام 606 للهجرة.
مثل هذا التخبط وما لدى أتباع «البنعلي» وغيرهم من خلفيات ضبابية عن فتاوى فقهاء التراث والخلط بين أقوال الشيوخ القدامى وتضارب التعليمات في شؤون الحرب والأسرى والغنائم فتح الباب واسعًا أمام مزيد من الخلافات والهزائم. وبدا أن «أبو شعيب» امتلأ بالغضب والغيظ من تشعب الأسانيد التاريخية بهذه الطريقة وعدم وضوح الرؤية تجاه الواقع القتالي المتأزم على الأرض، أو وجود تحديد دقيق للخصوم والأصدقاء بشكل يجعل المحاربين يعرفون أين يوجهوا مواسير البنادق. يقول إنه نظر إلى وجوه مجموعته ووجد أنهم هم أيضا مستاءون من سير المناقشات مع «البنعلي» ومساعديه.
هنا رد «أبو شعيب» بنفاذ صبر وبطريقة كانت تحمل كثيرًا من المعاني، موضحًا: «قلنا له نحن لا نعرف من هو ابن عربي، أو ابن العربي، ولا نعرف من هو الرازي». وبدأ فصل جديد من العلاقة بين مقاتلي التنظيم.
من جانبه، يقول «أبو هريرة»: المهم استمر حوارنا مع البنعلي لفترة ساعتين ونصف الساعة.. طبعًا كنا نسجل الحوار.. المهم، شيخنا قمع البنعلي ودحض حججه، وأسكت لسانه، فخرج مُكَبًا على وجهه.. وقلنا إن هذا مؤشر خطر جديد على حياتنا.. المهم، ورغم ما حدث خلال الجدل، إلا أنه، بعد هذا النقاش، رجع بعض الأشخاص عن تكفير العاذر، ربما خوفًا من انتقام التنظيم منهم. ففي ذلك الوقت كان كثير من الإخوة من المقاتلين يعانون الأمرَّين في سجون «داعش» بسبب خلافات من هذا النوع، مثل قتل الشيعة حتى لو لم يحملوا السلاح ضد الخلافة.
في اليوم الثاني - يواصل «أبو هريرة» - أتانا أبو بكر القحطاني (قيادي آخر في داعش) وناقشنا أيضا.. و«أيضا خرج دونما نتيجة، لكنه قبل خروجه قال لنا كلامًا متناقضًا: كل من أراد تكفير الظواهري والعاذر فليس مشكلة، ومن لم يكفر العاذر والظواهري ليس مشكلة أيضًا، ولا تلزموا بعضكم بأقوالكم، فإن المسألة يسع فيها الخلاف»، لكن القحطاني، بعد قليل عاد وتحدث مجددًا بطريقة فيها تهديد لنا، وكان أكثر حدة من السابق. وقال: «أي أحد يكفر الظواهري ويكفر العاذر بالجهل فسوف يسجن ويعاقب بأشد العقوبات».
يبدو أن «القحطاني» يحظى بمكانة رفيعة داخل القيادة العليا للتنظيم (وغير معروف ما إذا كان ما زال في «داعش» أم تركها، أو إن كان على قيد الحياة). لكن كان معلومًا، وهو يرد على «أبو هريرة» ومجموعته، أنه ذو سياسة مرنة إلى حد ما في حل المشكلات التي تعترض عناصر التنظيم، على عكس «البنعلي» الصارم.
بيد أنَّ «أبو شعيب» يزيد موضحًا أن اختتام القحطاني بتهديد المخالفين بالسجن، والمعاقبة بأشد العقوبات، ترك المناقشات بشأن الموقف من الظواهري وغيرها من قضايا، معلقة دون حل.. «كنا نريد أن نعرف ماذا يجري.. ما سبب صدور رسالة من الخليفة عن عدم تكفير القاعدة. لماذا الخوف من المناظرات.. لم نتلقَ إجابة. فقط كان التشديد على ضرورة السمع والطاعة للخليفة وما يصدر عنه».
في الأيام التالية، بدا أن المجموعات القتالية التي كانت تعود من المواجهات في ريف دمشق وفي حلب، إلى مقر التنظيم في مدينة الرِّقة، تنحاز في شكوكها إلى وجهة نظر المقاتلين والفقهاء الصغار مثل «أبو هريرة» و«أبو شعيب». كما كان جواسيس «البنعلي» و«القحطاني» يقدمون معلومات مقلقة عن تراجع ثقة كثير من المحاربين في «الخليفة».
ربما لهذا السبب جرت محاولة لتعزيز الموقف بإرسال أحد المقربين من مقاتلي «داعش» على الجبهة السورية، وكان يحمل مرتبة «والي دمشق» في ذلك الوقت، ويقول «أبو هريرة» إن اسم هذا الوالي «أبو اليمان الأردني».
ويضيف أنه مع الشعور بتزعزع الثقة في ولائنا، أرسل التنظيم، الوالي الذي كان علينا.. والي دمشق، «أبو اليمان».. و«أيضا تكلم بنفس الكلام، وهدَّدنا بأنه سيسجننا. ثم بعدها تم تفريقنا لأماكن مختلفة، وبشكل متعمد، وكأنه كانت هناك محاولة من قادة التنظيم لتخفيف حدة الانتقادات والمجادلات والتركيز على الاستمرار في القتال. المهم.. بعضٌ منا جرى إعادته إلى جبهة حلب، وبعض منا جرى إرساله إلى المرابطة في الصحراء على الحدود بين العراق وسوريا».
ويتابع قائلاً: أما الشيخ الذي كان معنا، الذي كنا قد قدمناه للرد على البنعلي، والقحطاني، فقد أبقوه وحيدًا في مدينة الرِّقة في مبنى السفارة (لم يفصح عن اسم هذه السفارة).. المهم، فيما بعد، انتقلنا، وذهبنا للعراق، فرأينا في العراق جنود الدولة (داعش) العراقيين، ولا أحد منهم ملمًا بمبادئ الشرع، ولا بموضوع الكفر بالطاغوت.. لا يعرفون سوى أن الرافضة (المقصود الشيعة) مرتدون.
وعن انطباعه حين وصل للقتال مع جنود «داعش» في العراق، يوضح «أبو هريرة»: «سبحان الله.. عندما سألناهم ألم تدخلوا في دورات للدروس الشرعية، قالوا لنا: لا.. إنما تأتي الدولة وتفتح (أي تحتل) منطقة من المناطق، وتفتح المجال للانتساب.. ومباشرة تحصل البيعة. حينئذ يعطونك سلاحًا لتقاتل وتجاهد، دون أي تعليم عن الدين أو أي شيء».
المهم، كما يضيف «أبو هريرة»: «جلسنا هنا وسط جنود الدولة (داعش).. كانوا كلهم شبانًا وصبية عراقيين. حاولنا أن نعلِّمهم قدر استطاعتنا، لكن الوقت لم يسعفنا.. بعدها، ورغم احتجاجنا على تضارب مواقف التنظيم، أخبرنا القادة أنه جرى عقد هدنة مع جبهة النصرة في منطقة البوكمال (مدينة سوريا على الحدود مع العراق) وأن الجبهة بايعت، وأن علينا - وكان من تبقى معي من مجموعتي يتكون من 18 مقاتلاً من ليبيا وسوريا وتونس والشيشان - أن نذهب إلى هناك لنر الوضع ونراقبه، وإذا وقع قتال مع الجيش الحر (التابع للمعارضة السورية) نقاتل».
كان الزمن قد مضى وسط عدم يقين من جانب «أبو هريرة» و«أبو شعيب» عن مستقبل العمل في صفوف «داعش» بينما لا توجد خطوط ثابتة لعمل التنظيم، سواء بشأن القاعدة أو الشيعة في العراق وسوريا، أو بخصوص التعامل مع الجيش السوري الحر والعشائر؛ نقاتلهم أم لا؟ وكيف؟ وما هي الحدود الفاصلة بين مقاتلتهم أو التعاون معهم. كانت التعليمات متضاربة.. فقد جرى قتل قيادات وعناصر محسوبة على هذه الفرق، ثم جاءت تعليمات جديدة فجأة بالتوقف عن مهاجمة هؤلاء أو أولئك، دون أي سبب. إذن هذا ليس تطبيقًا للشريعة، كما يزعم قادتنا، ولكنها سياسة.. وهذا أمر يقوم به الجميع في كل مكان، فلماذا إذن القتل والزعم بأننا نريد تطبيق شرع الله.
يقول «أبو هريرة»: حين طلبوا مني أخذ المجموعة والتوجه إلى مدينة «البوكمال»، للتعاون مع جبهة النصرة التي كنا نكفرها قبل أيام، قلت إنهم يضعونني ومجموعتي أمام الأمر الواقع. أيام الصيف طويلة والحر شديد والغبار يغطي مركباتنا ويسد أنوفنا. كانت أصداء أحاديث أمراء المناطق تصلنا ونحن متوجهون إلى تلك المدينة.. أحاديث تدور عن أن جبهة النصرة بايعت «دولة الخلافة» و«الخليفة البغدادي». قلت في نفسي إن هذا تحول مهم يعزز من مكانة دولتنا ويعد بمثابة انتصار لنا، بعد الاقتتال الذي كان بيننا في الأسابيع والشهور الماضية.
بعد ساعات، استقبل مندوب مما كان يعرف بـ«ولاية حمص» التابعة لـ«داعش» المقاتلين الـ18 المقبلين من العراق، ومن بينهم «أبو هريرة»، قرب الحدود، وقدم لهم ما يفيد بمبايعة جبهة النصر للتنظيم، وقال لهم إنهم في أمان، وأن «البوكمال» أصبحت مدينة تابعة لهم، بعد أن قدم قيادي في «النصرة» يدعى «أبو يوسف» البيعة لقيادي من «داعش» كان قد سبقهم إلى هنا، يدعى «أبو عمر الشيشاني».
يقول «أبو هريرة»: «على كل حال ذهبنا وجلسنا مع جنود جبهة النصرة، خائفين منهم، فقد كنا، كما قلت، 18 مقاتلاً فقط، بينما كان جنود النصرة نحو 150، هذا بالإضافة إلى أن جنود الجيش الحر كانوا قريبين من موقعنا. المهم كنا خائفين منهم خوفًا شديدًا. إذا كانت خدعة وإذا كانوا يفكرون في الانتقام منا، فسنهزم وننتهي.. نخشى نهارًا وليلاً من أن يهجموا علينا.. كنا ننام وأحزمتنا معنا. بعد يومين اجتمعنا مع جنود الجبهة وسألناهم: هل قامت الدولة (داعش) باستتابتكم؟ فقالوا لنا: لا.. لم تستتب أي منا. ولماذا نقدم الاستتابة للدولة؟».
كانت هذه الواقعة بمثابة صدمة جديدة يتعرض لها «أبو هريرة» ومجموعته، وطارت أخبارها إلى «أبو شعيب» الذي كان يرابط مع مجموعته في معسكر بالصحراء جنوب دير الزور.
هذا يعني أن مندوب «داعش» الذي استقبل مجموعة «أبو هريرة» على الحدود كان يكذب بخصوص الاستتابة، والبيانات التي صدرت عن التنظيم وجرى تعميمها على أمراء المناطق، وبالتالي على الجنود، بشأن مبايعة «النصرة»، لا تعكس ما يجري على الواقع. كان «أبو هريرة» يعتقد، مثل مجموعته، في كفر جبهة النصرة، وأن مبايعة الجبهة لـ«داعش» لا بد أن تقترن باستتابة جنودها.
ماذا فعل وكيف رد على جنود «النصرة»؟ يقول: «أجبناهم.. قلنا لهم إنكم كفار، وعليكم أن تتبرأوا من كفركم. فقالوا لنا: نحن بايعنا الدولة (داعش) فقط لحقن الدماء. صرنا نسألهم عن أمور دينهم فوجدناهم غير ملمين بالشرع مثل الصبية العراقيين. شعرنا بالخوف الشديد، وطلبنا مددًا من إخوتنا في الجبهات المجاورة لكي يأتوا بأسلحتهم ويبقوا معنا في البوكمال، حتى لا تغدر بنا جبهة النصرة التي كنا نشعر أن لها تواصلاً مع قادة من الجيش الحر. حين سألت أحد زعماء (النصرة) عن هذا الأمر قال لي إن الجيش الحر إخواننا، ولا نريد أن نقتتل».
ومع ذلك، كما يقول «أبو هريرة»، كان قائد «داعش» في شمال سوريا في ذلك الوقت، وهو «أبو عمر الشيشاني»، يشعر بما أصبحت عليه المجموعة من قلق بسبب قلة عددها بعد وصولها إلى البوكمال، فأمر بالاستجابة إلى طلبها ودفع بمقاتلين لتعزيزها.. «حتى زاد عددنا وأصبحنا 70 مقاتلاً».
ويوضح أحد التونسيين الثلاثة ممن كان مع مجموعة «أبو هريرة» أن الشيشاني، واسمه الحقيقي «ترخان بيترشفيلي»، كان يتفهم المشكلات التي نتعرض لها وقصة الخلافات الفقهية عن التعامل مع جبهة النصرة والعشائر والأسرى والغنائم، ولقاءاتنا مع «البنعلي» و«القحطاني»، إلا أنه، في المرة التي زارنا فيها على جبهة البوكمال، لم يشأ أن يفتح المجال للحديث حول هذه الأمور، خاصة في قضية عدم استتابة من يعلنون البيعة. دعانا فقط إلى الاطمئنان هنا، وأننا لن نتعرض لأذى لا من جبهة النصرة ولا من الجيش الحر، ومضى.
«الشيشاني» خلال تلك الزيارة، كان قد أعطى «الجيش الحر» مهلة يومين لكي يبايع «داعش»، وهو أمر لم يحدث أبدًا بطبيعة الحال. يقول «أبو هريرة»: المهم.. كانت الدولة في هذه المنطقة تحت قيادة الشيشاني، قد أعطت الجيش الحر مهلة يومين ليبايع.. لكنه لم يلتزم، ثم عاد وطلب مهلة أخرى، بينما كان يصله الدعم من جهات مختلفة.. ثم إن الدولة (داعش في شمال سوريا)، في حينها، أعطت الجيش الحر مهلة ثالثة.
ويتابع، وهو يشرح ما حدث بشكل مفاجئ. يقول: «استيقظنا.. ووجدنا الجيش الحر قد حاصرنا بنحو 1500 مقاتل من مناطق شعيطات والبوكمال، بينما نحن عندها كنا، كما قلت لك، 70 مقاتلاً فقط».
ويضيف: طلبنا دعمًا من جبهة النصرة التي بايعتنا قبل أيام، حيث كان عددهم، كما ذكرت، 150 مقاتلاً. لكن قادة «النصرة» قالوا لنا: نحن لن نقاتل معكم ولن نقاتل مع الجيش الحر، لأننا نريد حقن الدماء.. واستمرت المعركة ثلاثة أيام، لتبدأ بعدها فصول جديدة من الخلافات مع قادة التنظيم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.