الغرب يزيد وتيرة تسليح أوكرانيا بغية «إضعاف» روسيا

أوكرانيان يُطلّان من نافذة شقّة تعرضت للقصف في دوبروبيليا بدونيتسك أمس (رويترز)
أوكرانيان يُطلّان من نافذة شقّة تعرضت للقصف في دوبروبيليا بدونيتسك أمس (رويترز)
TT

الغرب يزيد وتيرة تسليح أوكرانيا بغية «إضعاف» روسيا

أوكرانيان يُطلّان من نافذة شقّة تعرضت للقصف في دوبروبيليا بدونيتسك أمس (رويترز)
أوكرانيان يُطلّان من نافذة شقّة تعرضت للقصف في دوبروبيليا بدونيتسك أمس (رويترز)

بعد إعادة روسيا النظر في خططها العسكرية بأوكرانيا، وتركيز «عمليتها الخاصة» باتجاه إقليم دونباس، بدا واضحاً أن تغييراً في الحسابات الاستراتيجية قد طرأ على خطط الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، تجاه مستقبل الحرب التي أربكت أوروبا. ومع تحوّل الحرب من «صدّ الهجوم الروسي» إلى «فرصة لإضعاف روسيا إلى الحد الذي يمنعها مستقبلاً من شن أي هجوم جديد على أي دولة أخرى»، بحسب وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، دفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها بمزيد من شحنات الأسلحة الجديدة والنوعية إلى أوكرانيا. ورغم أن نتيجة الحرب تبقى غير مؤكدة، فإن صمود الجيش الأوكراني أزال المخاوف الغربية السابقة من انهياره السريع. وترى الحكومات الغربية احتمالاً واقعياً لنجاح أوكرانيا في إجبار روسيا على الانسحاب من أراضيها، بما يردع موسكو عن الاستيلاء على أراضٍ أخرى في المستقبل، وهو ما يمثل انتصاراً استراتيجياً للغرب.
- 12 رحلة جوية خلال يومين
وبعد طلب إدارة الرئيس جو بايدن من الكونغرس الموافقة على تمويل جديد بقيمة 33 مليار دولار لدعم «المرحلة الجديدة» من الحرب، أعلن البنتاغون أن أكثر من 12 رحلة جوية تحمل أسلحة ومعدات، بما في ذلك المدفعية والطائرات من دون طيار، شقت طريقها من الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت إلى أوكرانيا. كما كشف البنتاغون علناً عن خطط جارية لتدريب القوات الأوكرانية في ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى. وقال المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي إن القوات الأميركية في ألمانيا، بدأت تدريب الجنود الأوكرانيين على الأنظمة الرئيسية الجديدة التي أرسلت للدفاع عن أوكرانيا ضد الحرب الروسية. وقال كيربي: «هذه الجهود تعتمد على تدريب المدفعية الأوّلي الذي تلقته القوات الأوكرانية بالفعل في أماكن أخرى، وتشمل أيضاً التدريب على أنظمة الرادار والعربات المدرعة التي تم الإعلان عنها مؤخراً كجزء من حزم المساعدة الأمنية». وأضاف أن قيادة القوات الأميركية في أوروبا وأفريقيا تُنظّم عمليات التدريب بالتنسيق مع ألمانيا، بمشاركة الحرس الوطني في ولاية فلوريدا، الذين كانوا يشاركون مع مجموعات تدريب مشتركة متعددة الجنسيات في غرب أوكرانيا، قبل بدء الحرب، انضموا إلى عمليات التدريب في ألمانيا، ويعملون مرة أخرى على تزويد الأوكرانيين بالمعرفة التي يحتاجون إليها للدفاع عن بلدهم.
وقال كيربي: «لقد قيل لنا إن لمّ شمل أعضاء الحرس الوطني في فلوريدا مع زملائهم الأوكرانيين كان لقاءً عاطفياً، نظراً للروابط القوية التي تشكلت أثناء العيش والعمل معاً قبل مغادرتهم أوكرانيا مؤقتاً في فبراير (شباط) الماضي». وكشف أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تدرب أفراد الخدمة الأوكرانية، فقد أعلنت وزيرة الدفاع الكندية أنيتا أناند، أن الجيش الكندي يدرب الأوكرانيين على مدافع الهاوتزر في أوروبا. وقال كيربي إن هذا الجهد التدريبي هو دعم مباشر لحزم المساعدة الأمنية الأميركية الأخيرة «المصمّمة لمساعدة أوكرانيا في كسب معاركها اليوم وبناء قوتها للغد».
- أنظمة «ضرورية» لمواجهة روسيا
أكد كيربي أن هذه الأنظمة ضرورية لمواجهة اندفاع روسيا الجديد إلى منطقة دونباس في أوكرانيا. وقال إن «هذه الحزمة التدريبية هي فقط الأحدث منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، لكنها تكثّفت بعد أن غزت روسيا أوكرانيا في عام 2014 وضمت شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني». وتابع: «نحن هنا اليوم نتحدث عن الحرس الوطني في فلوريدا. لكن كما تعلمون جميعاً، فقد سبقهم آخرون من زملائهم على مدى السنوات الثماني الماضية». وأكد أن هذا الجهد التدريبي كان عاملاً أساسياً في دفاع أوكرانيا القوي عن عاصمتها كييف والمعركة التي تخوضها في دونباس. وقال كيربي إن هذا التدريب «ساعد في تحويل أوكرانيا من جيش على الطراز السوفياتي إلى قوة أكثر رشاقة وفتكاً، ومكّنهم من القيادة والسيطرة بشكل أفضل». وأضاف: «لديهم المبادرة في ساحة معركة أفضل. لديهم ضباط صف كفؤون يتمتعون بسلطات في ميدان المعركة لاتخاذ قرارات تكتيكية. لم يحدث ذلك عن طريق الصدفة». وأكد أن عمليات التدريب لن تكون طويلة وسيتم اقتصارها على الأنظمة الأكثر إفادة لهم، بعدما اختار الجيش الأوكراني الأفراد المتخصصين في سلاح المدفعية، لتعلم كيفية تشغيل مدافع هاوتزر الغربية. وقال إن الأمر ينطبق أيضاً على مشغّلي أجهزة الرادار الداعمة لهذه المدفعية، حيث سيتلقى الجنود الأوكرانيون المتخصصون بالرادار تدريبات على الأنظمة الأميركية. وفي رده على «التهديدات النووية الروسية»، قال كيربي إن الولايات المتحدة تراقب باستمرار الاستعدادات النووية الروسية، مشيراً إلى أن «الردع الأميركي» في وضع صحيح. وقال إن الولايات المتحدة تأخذ أي تهديدات على محمل الجد وهي مستعدة لها.
- دبابات «تي - 72» ونظام «إس - 300»
في غضون ذلك، واصلت الحكومات الغربية نقل الأسلحة إلى القوات الأوكرانية. وأعلنت بولندا أنها أرسلت أكثر من 200 دبابة من طراز «تي - 72» من الحقبة السوفياتية إلى أوكرانيا في الأسابيع الأخيرة. وأكد رئيس الوزراء البولندي ماتيوز موراويكي في وقت سابق من هذا الأسبوع إرسال الدبابات عبر الحدود، لكنه رفض الخوض في التفاصيل، بما في ذلك عددها. إلى ذلك، نقلت وسائل إعلام أوكرانية تلقي القوات الصاروخية المضادة للطائرات التابعة للقيادة الجوية الجنوبية للقوات المسلحة الأوكرانية، نظام صواريخ «إس - 300» من الدول الشريكة، بهدف تعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية في جنوب البلاد. وكانت سلوفاكيا قد عرضت تزويد أوكرانيا بنظام الدفاع الصاروخي المضاد للطائرات من طراز «إس - 300»، بعد أن اقترحت الولايات المتحدة استبدال نظام باتريوت الأكثر تقدماً به.
ولا تزال أوكرانيا ودول حلف وارسو السابقة، تستخدم كثيراً من الأسلحة السوفياتية. ومنذ أن شنّت روسيا حربها على أوكرانيا، سلّمت بعض دول أوروبا الشرقية معداتها إلى كييف، مقابل حصولها على أسلحة بديلة من الحكومات الغربية. وأعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون هذا الشهر، أن بلاده يمكن أن تساعد في «ردم الهوة»، عن طريق إرسال دبابات إلى بولندا، مقابل الدبابات التي أرسلتها إلى أوكرانيا. وبعد أسابيع من التأخير، أعلنت ألمانيا، الثلاثاء الماضي، أنها ستوافق على تسليم نحو 50 مركبة مدرعة مضادة للطائرات من طراز «جيبارد» إلى أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».