أميركا «ستؤيد بقوة» انضمام فنلندا والسويد إلى «الناتو»

بلينكن طالب الكونغرس بـ«تسريع» مبيعات السلاح لتركيا والهند… وغضب روسي متوقع

تصريحات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن حول دعم انضمام السويد وفنلندا لعضوية الناتو تؤدي إلى رد غاضب من موسكو (أ.ب)
تصريحات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن حول دعم انضمام السويد وفنلندا لعضوية الناتو تؤدي إلى رد غاضب من موسكو (أ.ب)
TT

أميركا «ستؤيد بقوة» انضمام فنلندا والسويد إلى «الناتو»

تصريحات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن حول دعم انضمام السويد وفنلندا لعضوية الناتو تؤدي إلى رد غاضب من موسكو (أ.ب)
تصريحات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن حول دعم انضمام السويد وفنلندا لعضوية الناتو تؤدي إلى رد غاضب من موسكو (أ.ب)

بموازاة دعوته إلى تسريع المبيعات العسكرية للشركاء الرئيسيين مثل تركيا والهند، أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن الولايات المتحدة «ستدعم بقوة» انضمام السويد وفنلندا لعضوية حلف شمال الأطلسي، الناتو إذا قررتا السعي إلى ذلك، في تصريحات يرجح أن تؤدي إلى رد غاضب من موسكو، التي هددت أخيراً بنشر أسلحة نووية وصواريخ أسرع من الصوت قرب حدود البلدين إذا اختارا الانضمام إلى التحالف العسكري الغربي.
ويعد الاهتمام بانضمام السويد وفنلندا إلى الناتو بعد عقود من البقاء خارج هذا التحالف انعكاساً آخر للتحولات غير المتوقعة التي أحدثها غزو روسيا لأوكرانيا منذ 24 فبراير (شباط) الماضي على السياسة الدولية. وتشترك فنلندا في حدود طويلة مع روسيا، ولم تتبن عضوية الناتو طوال الحرب الباردة وما بعدها، لكنها استعدت للفكرة بسرعة بعد هذا الغزو.
وكان كبير الدبلوماسيين الأميركيين يتحدث خلال جلسة استماع في مجلس النواب إذ سأله النائب الديمقراطي جيم كوستا عن تعبير البلدين عن رغبتهما في الانضمام إلى الحلف منذ بدء الغزو الروسي، فأجاب بلينكن: «العالم تغير بشكل كبير، ومن الطرق التي تغير بها المصلحة القوية لكلا البلدين في أن يصيرا عضوين في الناتو». وأضاف «نحن، بالطبع، نتطلع إليهما لاتخاذ هذا القرار. إذا كان هذا قرارهما، فسنؤيده بقوة». وعندما سئل عن الوقت الذي يمكن أن يصير فيه البلدان عضوين في الناتو، أجاب بلينكن: «لا يمكنني إعطاء جدول زمني لك»، علما بأن هذه المسألة «قيد النظر النشيط للغاية من كلا البلدين».
وأشار إلى اجتماع مقبل لدول الناتو في مايو (أيار) المقبل حين «نسمع المزيد عن ذلك». ولمح الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ الخميس إلى أن السويد وفنلندا سيكونان موضع ترحيب في الحلف. وقال: «هذا قرارهما (…) ولكن إذا قررا التقدم، فسيرحب بفنلندا والسويد بحرارة، وأتوقع أن تمضي هذه العملية بسرعة».
وتنص المادة الخامسة من معاهدة واشنطن الخاصة بعضوية الناتو على أن أي اعتداء على دولة عضو في التحالف هو هجوم على كل الأعضاء. ويتألف التحالف حالياً من 30 دولة. لكن أوكرانيا ليست عضواً.
وتدعي روسيا أن أحد أسباب غزوها للجمهورية السوفياتية السابقة هو أن حكومتها كانت تتبع هذه الفكرة. ولم ترسل الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى جنوداً إلى أوكرانيا، لأنها ليست دولة عضو.
«الباب المفتوح»… وأكثر
ولطالما أوضحت الولايات المتحدة أنها تدعم «سياسة الباب المفتوح» لحلف الناتو التي تسمح لأي دولة بتقديم طلب العضوية. لكنها كانت أكثر حرصاً على توضيح ما سيحدث بعد ذلك. وقال دبلوماسي من بلدان الشمال الأوروبي طلب عدم نشر اسمه بسبب حساسية هذه المسائل الأمنية إن المسؤولين الأميركيين «كانوا حذرين للغاية فيما يقولونه، ودائماً ما يقولون إن لدينا سياسة الباب المفتوح لاتخاذ القرار وهذا هو المكان الذي يتوقفون عنده».
وأكد أن تصريحات بلينكن تشكل دعماً أقوى لعضوية الناتو مما سمعه من الولايات المتحدة في الماضي، لأنه «في الماضي، لم يرغبوا في إعطاء الانطباع بأنهم يحاولون جذب السويد وفنلندا للانضمام إلى الناتو. لم يريدوا أن يزعجوا الروس بلا داع». وامتنعت السويد عن الانضمام إلى تحالفات عسكرية لأكثر من قرنين. وخاضت فنلندا عشرات الحروب مع روسيا لكنها سعت إلى وضع الحياد في فترة ما بعد الحرب. ولكن منذ الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية، أعادت الدولتان النظر في موقفهما الحالي، وشهدتا زيادة في دعم الرأي العام للانضمام إلى الناتو، علما بأن توسيع الحلف، الذي يتطلب إجماع الدول الأعضاء، سيمثل أهم نتيجة جيوسياسية للحرب الروسية حتى الآن.
ومن شأن انضمام فنلندا إلى الناتو أن يضاعف الحدود البرية لروسيا مع أعضاء الحلف. وستشمل العضوية تقديم الولايات المتحدة ضمانات أمنية لدولتين هما الأضعف في أوروبا في وقت تسعى فيه لإعادة التوازن إلى اهتمامها بشرق آسيا. والهدف من ذلك هو ردع روسيا عن غزو دولة أخرى من جيرانها، رغم مخاطرتها بمزيد من العدوان الروسي.
كيف سيرد بوتين؟
وقبل غزو أوكرانيا، طالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن يمتنع الناتو عن التوسع شرقاً، متهماً التحالف العسكري بمحاولة «تطويق» روسيا على المدى البعيد. في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصف أي توسع إضافي لحلف الناتو بأنه «غير مقبول». وقال: «هل هناك أي أمر غير واضح حول هذا؟ هل ننشر صواريخ قرب حدود الولايات المتحدة؟ لا». وأضاف أن الولايات المتحدة «هي التي أتت إلى منزلنا بصواريخها وهي تقف بالفعل على أعتابنا».
وسأل: «هل من المبالغة المطالبة بعدم وضع أنظمة هجومية قرب منزلنا؟ ما هو الشيء غير المعتاد في هذا؟» ورغم تحذيرات الكرملين، توقعت رئيسة الوزراء الفنلندية سانا مارين قراراً سريعاً في شأن عضوية الناتو، موضحة أن بلادها ستطلق نقاشاً فورياً حول هذا القرار. وأظهر استطلاع أجري أخيراً أن غالبية لا سابق لها من الفنلنديين يدعمون الانضمام إلى الناتو.
وقالت رئيسة الوزراء السويدية ماغدالينا أندرسون أيضاً هذا الشهر إن السويد تدرس موقفها. وأظهر استطلاع أنه في أوائل مارس (آذار)، أيدت أكثرية السويديين للمرة الأولى عضوية الناتو.
تركيا والهند
ورداً على سؤال عما يمكن أن تفعله إدارة الرئيس جو بايدن «لتجاوز الروتين لمساعدة عملنا مع حلفائنا مثل تركيا والهند»، أقر الوزير بلينكن بضرورة الإسراع في الإجراءات على كل مستويات السلطة التنفيذية والكونغرس. وقال: «أعتقد أنه يمكننا وينبغي علينا القيام بعمل أفضل في المبيعات، لا سيما في السرعة التي نتمكن بها من القيام بالأمور ومراجعتها». وأصبح بيع الأسلحة الأميركية من تركيا، وهي دولة حليفة في الناتو، مشكلة بعدما حصلت أنقرة على أنظمة صواريخ دفاعية روسية الصنع من طراز «إس 400»، مما أدى إلى عقوبات أميركية وسحب تركيا من برنامج طائرات «إف 35» المقاتلة.
وتأتي هذه التعليقات وسط محادثات ثنائية متواصلة بين واشنطن وأنقرة في شأن بيع 40 طائرة مقاتلة من طراز «إف 16» و80 مجموعة لتحديث أسطولها الحالي ممن الطائرات الحربية. وكانت أنقرة طلبت في السابق أكثر من 100 طائرة أميركية من طراز «إف 35»، لكن واشنطن أزالت تركيا من البرنامج بعدما اشترت نظام الدفاع الصاروخي الروسي «إس 400». ووصفت تركيا الخطوة بأنها غير عادلة وطالبت بسداد مدفوعاتها البالغة 1.4 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟