نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا

المشكّكون بنيّات بكين يعتبرونها فخاً

نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا
TT

نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا

نظرة إلى «دبلوماسية الديون» الصينية في جنوب آسيا

تحت أعباء مديونية غير مسبوقة، وجدت سريلانكا، الدولة الجزيرة الواقعة إلى جنوب الهند في المحيط الهندي، نفسها أمام أزمة كارثية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. ما دفع حكومتها إلى إعلان حالة طوارئ عامة في عموم البلاد. فقد أثار نقص السلع الطبية والغذاء واستفحال أزمة الطاقة، حالة سخط واسعة النطاق وصلت إلى الشوارع. ومع استمرار المظاهرات ألقى المتظاهرون اللوم في الأزمة المعيشية الحادة على حكم رئيسي الحكومة والجمهورية «الشقيقين» ماهيندا وغوتابايا راجاباكسا، في حين ثمة تخوف من اندلاع أزمة دستورية في سريلانكا، ولا سيما بعدما لجأ النظام إلى نشر الجيش وتكليفه التعامل مع المظاهرات، بالتوازي مع استقالة مجلس الوزراء بأكمله تحت وطأة التطورات المتلاحقة.
أعلنت الحكومة السريلانكية
خلال الأسبوع الماضي، أنها بصورة مؤقتة، وللمرة الأولى في تاريخها بمجال الاقتراض، ستعجز عن سداد دين خارجي. واليوم، تعيش سريلانكا فعلياً على الدعم المالي الذي تقدمه لها الهند، بعد رفض الصين إعادة جدولة ديونها، واكتفائها بعرض دين جديد قد يدفع سريلانكا إلى بيع مزيد من الأصول الوطنية.
ما الذي دفع سريلانكا إلى هذه الحالة، وهي التي كان من المتوقع لها أن تحقق تعافياً طيباً بعد ثلاثة عقود من الصراعات العرقية؟ ويرى الكثير من المحللين، أن سريلانكا انزلقت إلى هذه الأزمة بسبب انجرارها وراء حلم الازدهار الصيني من خلال مبادرة «الحزام والطريق» وما تنطوي عليه من مشاريع بُنى تحتية. ويقال إن الصين قدمت على مدار السنوات لسريلانكا 12 مليار دولار أميركي.
مبادرة «الحزام والطريق»
كما هو معروف، سعت بكين وتسعى إلى توسيع نطاق نفوذها عالمياً من خلال «مبادرة الحزام والطريق»، التي خصصت لها مليارات عدة من الدولارات، وتقوم على فكرة تعزيز الاتصال بين مجموعة الدول المشاركة عبر سلسلة من مشاريع البُنى التحتية.
أعلنت بكين «مبادرة الحزام والطريق» عام 2013، وسرعان ما أصبحت البصمة المميّزة للرئيس الصيني شي جينبينغ على صعيد السياسة الخارجية. وعام 2017، أدمجت المبادرة في دستور الحزب الشيوعي الصيني، ووافقت 138 دولة و30 منظمة دولية على المشاركة فيها، مع الإعلان عن استثمارات لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
من ناحية أخرى، أصدرت مؤسسة «إيد داتا» البحثية المعنية بشؤون التنمية الدولية تقريراً حديثاً خلص إلى أن إجمالي القروض الصينية في الخارج بلغت 843 مليار دولار، منها 385 مليار دولار «ديون لم يعلن عنها أو جرى التقليل من قيمتها».
على ذلك، يطلق المشككون بنيات بكين «دبلوماسية فخ الديون». وتوصلت الدراسة إلى أن 42 دولة تدين بأكثر عن 10 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي للصين. وحقاً، وقّعت ستة من أصل ثمانية دول بمنطقة جنوب آسيا ـ هي باكستان، وسريلانكا، وبنغلاديش، وأفغانستان، ونيبال، والمالديف ـ مذكرات تفاهم مع الصين بخصوص «مبادرة الحزام والطريق». إلا أنه في غضون سنوات قلائل، تحولت هذه الاستثمارات إلى مثال نموذجي لكيف يمكن أن تتخذ استثمارات ضخمة مساراً خاطئاً للدول المستضيفة.
في هذا الصدد، قال سيشادري تشاري، المحرّر الصحافي السابق «لسنوات، حاولت الصين كسر هيمنة الهند في المنطقة. ومنذ بداية الألفية الجديدة، حاولت إنجاز ذلك من خلال إغداق أكثر عن 80 مليار دولار على دول المنطقة - ما يعادل قرابة عشر إجمالي الإنفاق الذي أوردته بيانات (إيد داتا)».
في حين قال الكاتب الصحافي تريديفيش سنغ مايني معلقاً «يمكننا النظر إلى حدثين في جنوب آسيا: الأزمة الاقتصادية في سريلانكا وسقوط حكومة حركة الإنصاف الباكستانية بقيادة عمران خان في باكستان. وعند إمعان النظر إلى هذين الحدثين يتضح لنا أنه مع اقتراب الدولتين أكثر من الصين - كحال دول أخرى - فإن ثمة تداعيات بدأت سلبية تترتّب على الاعتماد المُفرط على بكين. مع العلم أن الدولتين تعرضتا، كغيرهما، لانتقادات على إفراطهما في الاعتماد على الصين، ما أسقطهما فيما أطلق عليه مسمى (فخ الديون). وهو أمر تتجاوز مخاطره الإفراط في الاتكالية الاقتصادية جراء الديون المتراكمة، بل تصل أيضاً إلى إملاء بكين خياراتها السياسية على الدول الأخرى».
حلم «الرخاء» الصيني
واقعياً، يرى كثيرون أن الأزمة الاقتصادية الراهنة في سريلانكا ليست سوى نتاج دبلوماسية «فخ الديون» التي تمارسها الصين، عبر الديون التي قدمتها إلى سريلانكا. وتبعاً لصحيفة «ساوث إيجان تريبيون»، فإن سريلانكا بعد خروجها من فترة الحرب الأهلية عام 2009، كانت متلهفة لاستعادة عافيتها الاقتصادية. وفي المقابل، سارعت بكين إلى محاولة استغلال هذه الفرصة، خاصة في ظل المساعدات العسكرية التي تقدمها لسلطات كولومبو.
وبالفعل، وفّرت الصين سياسياً الحماية لسريلانكا داخل الأمم المتحدة. واقتصادياً، تكشف الأرقام أنها بين عامي 2005 و2017 أمدت سريلانكا بمساعدات بلغت قيمتها 15 مليار دولار، بينها مجموعة من مشاريع البنى التحتية. أما تمويل معظم هذه المشاريع فسار على النهج الصيني الاستثماري المعتاد المتمثل بالاعتماد على قروض مرتفعة الفائدة ومقاولين وعمالة وتكنولوجيا صينية. وعليه، أصبحت الصين المصدر الأول للواردات السريلانكية، مع توجيه تمويل صيني لأكثر عن مشروع على مستوى سريلانكا.
من جهته، قال ساجيث بريماداسا، زعيم المعارضة المحافظة داخل البرلمان السريلانكي، في تصريحات صحافية، إنه «في ظل رئاسة ماهيندا راجاباسكا عام 2005، طمحت الحكومة لتحويل سريلانكا إلى سنغافورة جديدة من خلال بناء بنية تحتية وموانئ على أحدث الطراز. ونجحت الصين في إغواء سريلانكا بالمال من أجل إيجاد موطئ قدم لها داخل هذا البلد الذي كثيراً ما ينظر إليه باعتباره الفناء الخلفي للهند». وأردف «لقد حصلت سريلانكا على قروض من دول مختلفة، ما أدى لارتفاع هائل في الديون، وراهناً تأتي الصين في المرتبة الثانية بين أكثر الجهات إقراضاً لسريلانكا. وبحلول عام 2019، كان أكثر عن 10 في المائة من الديون الخارجية لسريلانكا من نصيب الصين».
في سياق متصل، بعث وزير التعليم السريلانكي السابق والعضو البرلماني عن الحزب الحاكم، واجياداسا راجاباكشي، يوم 3 يناير (كانون الثاني) 2022، خطاباً إلى الزعيم الصيني شي جينبينغ اتهم فيه الصين بدفع سريلانكا إلى هوة الإفلاس من خلال تقديم قروض ضخمة بمعدلات فائدة تجاوزت 6 في المائة مقارنة بقروض متاحة من كيانات دولية بأسعار فائدة تتراوح بين 0.01 في المائة و1 في المائة. هذا، ولدولة تعتمد بشدة على الواردات من إمدادات الطاقة والحبوب والسلع الأساسية والأدوية، فإن وجود احتياطي فيدرالي بقيمة 2.31 مليار دولار فقط يعد بمثابة كابوس. وبالتالي، تتعرض سريلانكا حالياً إلى ضغوط شديدة لسداد ديونها الخارجية البالغة 45 مليار دولار، منها 8 مليارات لحساب الصين، أي ما يعادل قرابة سدس إجمالي الديون الخارجية. وما زاد الوضع سوءاً، رفض الصين تقديم أي تنازلات فيما يتعلق بسداد الديون.
في هذا السياق، يرى المحلل برابهاش كيه. دوتا، أنه «لطالما كانت دبلوماسية الديون الصينية وسيلة لكسب نفوذ سياسي وأمني في مواجهة الهند وتأمين مصالحها داخل منطقة المحيط الهندي، الذي يمر من خلاله القدر الأكبر من إمدادات الطاقة الصينية». ويضيف «المعتقد أن آلام سريلانكا الاقتصادية ستسهم في فتح أعين أي دولة جنوب آسيوية لا تزال تظن أن مبادرة (الحزام والطريق) الصينية والقروض الضخمة يمكن أن تقودها إلى الرخاء. لقد تنامت المخاوف بشدة داخل سريلانكا إزاء القروض الصينية، خاصة في ظل إجبار البلاد في وقت سابق على وضع مشاريع استراتيجية، مثل ميناء هامبانتوتا، تحت السيطرة الصينية على سبيل الإيجار بسبب عجز سريلانكا عن سدد القروض».
ويُعد ميناء هامبانتوتا، في جنوب، ثالا كلاسيكيا على عبء الديون الصينية. وللعلم، فإن مدينة هامبانتوتا هي معقل الرئيس غوتابايا راجاباكسا ورئيس الوزراء ماهيندا راجاباكسا الذي كان رئيس البلاد عندما وقعت مع الصين عقد استئجار ميناء المدينة عام 2007، وبلغت تكلفة مشروع الميناء عدة مليارات وفّرت من خلال قروض من جانب الصين. وجرى تمويل المشروع من خلال منح عقود لتطوير الميناء لمقاولين صينيين. لكن سريلانكا عجزت عن سداد الفائدة والديون، ما أجبرها على الموافقة على منح شركة «تشاينا ميرتشانتس» المملوكة للدولة، إدارة ميناء هامبانتوتا بناءً على عقد إيجار لمدة 99 سنة مقابل مزيد من القروض.
«الممر الاقتصادي» الصيني الباكستاني
دولة أخرى داخل الجوار الهندي، هي باكستان، وقّعت اتفاقاً مع الصين بخصوص مشروع «الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني»، الذي تولّت الصين تحت مظلته تمويل مشاريع بنى تحتية ضخمة. وهكذا انزلقت باكستان إلى أزمة اقتصادية، وتمرّ معها بحالة من الفوضى السياسية في الوقت الراهن. ويقدر إجمالي استثمارات الصين في مشروع «الممر الاقتصادي» بينها وبين باكستان، بـ64 مليار دولار أميركي. ويذكر، أن أقل عن ثلث مشاريع «الممر الاقتصادي» المعلن عنها، أنجزت بالفعل خلال السنوات الثماني الأخيرة، وفق الحكومة الباكستانية.
على صعيد ثانٍ، بينما تروّج الصين لمشروع «الممر الاقتصادي» باعتباره محاولة من جانب الرئيس شي جينبينغ لتعزيز الروابط الصينية - الباكستانية، فإن دلالاته الاستراتيجية تبدو واضحة: إذ ستيسر هذه الاستثمارات الوجود العسكري الصيني داخل باكستان وبحر العرب، حيث يمكنه تهديد واردات الهند من النفط والغاز الطبيعي. ثم إنها ستمنح الصين وباكستان الفرصة للعب دور أكبر داخل أفغانستان خاصة، وآسيا الوسطى عامة، ما قد يضر بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الهندية على المدى الطويل.
في الوقت الحاضر، تعمد بكين إلى توريط إسلام آباد في مصيدة الديون من خلال معدلات الفائدة المرتفعة وشروط السداد الصارمة وغياب الشفافية. وقد أعلن البنك المركزي الباكستاني عن تدفق مبلغ ضخم بقيمة 2.9 مليار دولار على البلاد، وفق صحيفة «دون». كذلك أعلن البنك عن تراجع احتياطيات النقد الأجنبي إلى 12.047 مليار دولار خلال مارس (آذار) بسبب إجراءات سداد كبرى لديون صينية. وأوضح البنك «هذا التراجع يعكس سداد ديون خارجية، بينها قرض كبير من الصين. وفي هذا الشأن، كان صندوق النقد الدولي قد ذكر أخيراً أن باكستان تدين بـ18.4 مليار دولار أو خمس ديونها الخارجية للصين، في حين تقدر إسلام آباد الرقم بنحو 14 مليار دولار.
في أي حال، قال المعلق الباكستاني قمر شيما «أصبحت إسلام آباد معتمدة على نحو متزايد على الصين خلال السنوات الأخيرة - خاصة نتيجة تردي علاقات إسلام آباد مع واشنطن، وكذلك مشروع (الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني)». أما نموذج القروض الصيني فبسيط: تتودد الصين من بلد مضطرب وتعرض عليه المال ليس على سبيل المساعدة، وإنما كقرض تجاري، وتذهب العقود إلى شركات صينية، ويتحمل بلد يعاني ظروفاً اقتصادية صعبة عبء الديون، ويجري وضع المال في حساب أوفشور تملكه الصين، وإذا تعذّر سداد الفائدة أو تسديد الدين، تستحوذ الصين على الأصول، كما حدث مع الكثير من الطرق والمطارات وعدد من الأصول المهمة الأخرى جرى رهنها للصين.
ومع ذلك، فإنه بفضل الدروس المستفادة من انهيار اقتصادي سريلانكا ونيبال، اللذين تهيمن عليهما الصين، ألغت حكومة شهباز شريف الباكستانية الجديدة «هيئة مشروع الممر الاقتصادي»، سعياً لوقف انزلاق باكستان نحو مصير مماثل. ومن المقرر حاليا إعادة هيكلة «الهيئة» التي يهيمن عليها الجيش الباكستاني، ودمجها في وزارة التخطيط والتنمية.

تجاوب سريع للهند إزاء التطورات
> تحركت الهند بسرعة كبيرة، وأيضاً بحذر، لإنقاذ الدول المجاورة لها المطلة على المحيط الهادي والتي تحمل أهمية استراتيجية كبيرة لها.
عام 2018، واجهت المالديف أزمة اقتصادية حادة والآن في عام 2022، تشهد سريلانكا وضعاً مشابهاً. ولقد جاءت الهند لإنقاذ المالديف من المحنة، وقدمت على الفور حزمة مساعدات اقتصادية بقيمة 1.4 مليار دولار في شكل دعم للميزانية، واتفاقيات مبادلة العملات، وخطوط ائتمان ميسّرة. وحول ما هو حاصل صرح المحلل الأمني الهندي براكاش مينون بأن «المالديف تمثّل أهمية استراتيجية للهند، فبينما يُعدّ المحيط الهندي الطريق السريعة الرئيسية للتجارة العالمية وتدفق الطاقة، فإن جزر المالديف تقف فعلياً كبوابة رسوم. بالإضافة إلى ذلك، تعد المالديف شريكاً مهماً في دور الهند كعنصر أمان الشبكة المحيطة بالهند في منطقة المحيط الهندي».
وبالنسبة لسريلانكا، وسعياً للمساعدة في التخفيف من الوضع الاقتصادي المتأزم، قدمت الهند لها مساعدات بقيمة 2.5 مليار دولار أميركي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، منها 1.9 مليار دولار في شكل قروض وخطوط ائتمان ومقايضات عملة. كذلك سعت سريلانكا للحصول على خط ائتمان آخر بقيمة 500 مليون دولار للوقود، وأرسلت الهند إلى «جارتها» سفناً محملة بالسكر والأرز والقمح. وعلاوة على ذلك، حثت الحكومة الهندية صندوق النقد الدولي على تقديم مساعدة مالية عاجلة لسريلانكا من أجل مساعدتها على التعامل مع أسوأ أزمة اقتصادية عاشتها منذ عقود. وهنا يشرح سيشداري شاري قائلاً «من مصلحة الهند مساعدة جيرانها. خطر الديون الصينية قد يؤدي إلى انهيار الآلية الدستورية وسيادة القانون، ويحرك العناصر المعادية للمجتمع التي يمكن أن تخدم قوى معادية للمصالح الأمنية للهند في المحيط الهندي. وقد تتسبب الأزمة الاقتصادية في حدوث نزوح جماعي من الناس إلى الهند، ويمكن أن يتطور هذا التدفق إلى طوفان من اللاجئين الذين سيتعين إيواؤهم بناءً على اعتبارات إنسانية».

بعد درسي سريلانكا وباكستان... انسحابات إقليمية بالجملة
> بسبب الأزمة التي بدأت تتكشف ملامحها في باكستان وسريلانكا، بدأت دول مثل المالديف ونيبال وبنغلاديش تعبد النظر في القروض الصينية لمشاريع البنى التحتية ومسألة المشاركة في «مبادرة الحزام والطريق». وكانت نيبال والصين قد وقّعتا اتفاق تعاون تحت مظلة «مبادرة الحزام والطريق» عام 2017 وسط مساعي نيبال لأن تصبح من بين الدول ذات الدخل المتوسط بحلول عام 2030. ويذكر أن نيبال - الواقعة بين الهند والصين وكثيراً ما تجد نفسها في قلب حروب النفوذ بين البلدين - عاينت سخاءً خاصاً من جانب بكين في السنوات الأخيرة.
وخلال زيارة رئيس الوزراء النيبالي شير باهادور ديوبا الأخيرة للهند هذا الشهر، تحدث بصورة غير رسمية عن زيارة وزير خارجية الصين لنيبال أواخر مارس (آذار). وأبلغ رئيس الوزراء النيبالي الوزير الصيني، بأن بلاده لن تقبل سوى المنح من بكين، وليس القروض الموجهة لمشاريع البنى التحتية.
أما بنغلاديش، فكانت قد أقرّت وجودها في «مبادرة الحزام والطريق» عام 2016، أثناء زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لها. وتعد الصين راهناً الشريك التجاري الأكبر لبنغلاديش. ومن المقرر أن تستقبل بنغلاديش استثمارات صينية تتجاوز 40 مليار دولار أميركي في ظل الشراكة بين البلدين. لكن اللافت أن بنغلاديش أبدت حذراً واضحاً تجاه الاقتراض وتجنبت الاعتماد المفرط على القروض الصينية من خلال محاولة تحقيق توازن من خلال الاستعانة بدعم مالي هندي وياباني وخبرتهما بمجال التشييد والبناء. بخلاف الحال مع باكستان وسريلانكا، حرصت بنغلاديش على إدارة اقتصادها بحرص كي تتجنب السقوط في «فخ الديون» الصيني. وبذا لم تسمح للاستثمارات الصينية بدخول موانئ عميقة تصلح مستقبلا لوجود قطع من البحرية الصينية، وألغت مشروع «سوناديا” في أعماق البحر تحت مظلة «مبادرة الحزام والطريق»، وكانت الصين حريصة للغاية على إنجازه، وكما كان من المفترض تمويل المشروع بالاعتماد على قروض صينية وأن تبلغ قيمة الاستثمارات به 14 مليار دولار.
وأما عن المالديف، وبينما تدين سريلانكا بأكثر عن 10 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي لديها للصين، ترتفع هذه النسبة في هذه الدولة - الأرخبيل الصغيرة على نحو هائل لتصل إلى 40 في المائة. وتشير بعض التقديرات إلى أن المالديف تدين للصين بما يتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار دولار، ما يعد مبلغاً هائلاً بالنسبة لها. جدير بالذكر، أن إجمالي الناتج الداخلي للمالديف يبلغ قرابة 4.9 مليار دولار أميركي. وإذا اعتمدنا على الأرقام الرسمية، فإن هذا يعني أن الديون تتجاوز نصف الإنتاج الاقتصادي السنوي للبلاد.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.