غوتيريش يزور ضواحي كييف... وروسيا تواصل هجومها في أوكرانيا

جندي أوكراني يراقب خطوط المواجهة الأمامية في خاركيف (إ.ب.أ)
جندي أوكراني يراقب خطوط المواجهة الأمامية في خاركيف (إ.ب.أ)
TT

غوتيريش يزور ضواحي كييف... وروسيا تواصل هجومها في أوكرانيا

جندي أوكراني يراقب خطوط المواجهة الأمامية في خاركيف (إ.ب.أ)
جندي أوكراني يراقب خطوط المواجهة الأمامية في خاركيف (إ.ب.أ)

يزور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الخميس، ضواحي كييف: بوتشا وإيربين وبوروديانكا، التي شهدت انتهاكات نسبها الأوكرانيون إلى الجيش الروسي الذي يواصل هجومه في شرق وجنوب أوكرانيا.
من جهته، اتهم الاتحاد الأوروبي، أمس الأربعاء، موسكو بـ«الابتزاز» بعد أن أوقفت توريد الغاز إلى بولندا وبلغاريا، بينما يواصل الغربيون جهودهم لتسليح الأوكرانيين ضد روسيا.
ووصل غوتيريش إلى أوكرانيا قادما من موسكو حيث ناشد فلاديمير بوتين وقف إطلاق النار «في أقرب وقت ممكن». كما قال إنه «قلق من التقارير المتكررة عن جرائم حرب محتملة»، مؤكداً أنها «تتطلب تحقيقاً مستقلاً». لكن على الأرض تكثف القوات الروسية هجومها، خصوصاً في منطقة خاركيف وفي دونيتسك بشرق البلاد، حسبما ذكرت هيئة أركان القوات الأوكرانية صباح اليوم. وتتهم كييف القوات الروسية بارتكاب مجازر بعد اكتشاف جثث عشرات الأشخاص بملابس مدنية في تلك المناطق التي احتلها الجيش الروسي ثم تخلى عنها.
وفي الثاني من أبريل (نيسان) الحالي اكتشف صحافيو وكالة الصحافة الفرنسية مشاهد مروعة في بوتشا في شارع مليء بالجثث. ووثقت الأمم المتحدة بعد مهمة في المدينة «القتل بما في ذلك إعدام بعض المدنيين بإجراءات موجزة». وتبنى نواب كنديون أمس الأربعاء مذكرة تدين «أعمال الإبادة الجماعية الروسية ضد الشعب الأوكراني»، مؤكدين أن هناك «أدلة واضحة وكثيرة على جرائم حرب منهجية وجسيمة وجرائم ضد الإنسانية».
ودعت بريطانيا أمس حلفاء أوكرانيا إلى البرهنة على «الشجاعة» عبر زيادة المساعدات العسكرية، معتبرة أن الحرب في أوكرانيا هي «حربنا» وأن النصر في كييف «ضرورة استراتيجية لنا جميعاً». وقالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس في كلمة في لندن مساء أمس: «أسلحة ثقيلة ودبابات وطائرات؛ نأخذ من مخزوناتنا ونزيد الإنتاج، علينا أن نفعل كل ذلك».
من جهته، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجدداً من أي تدخل خارجي في النزاع في أوكرانيا، ووعد برد «سريع وقاسٍ». في الوقت نفسه، تحاول موسكو استهداف هذه المساعدات العسكرية. فقد أكدت وزارة الدفاع الروسية أمس أنها دمرت «مخازن تحوي كمية كبيرة من الأسلحة والذخيرة الأجنبية التي سلمتها الولايات المتحدة ودول أوروبية إلى القوات الأوكرانية». وأوضحت أن هذه المستودعات دمرت «بـصواريخ كاليبر أطلقت من البحر على مصنع الألمنيوم في زابوريجيا» في جنوب أوكرانيا. إلا أن حاكم هذه المنطقة نفى ذلك بحزم. وقال: «لم تصب أي ذخيرة أو مستودع أسلحة في زابوريجيا». وأوضح أن المصنع الذي أصيب «لم يكن يعمل منذ ست سنوات».
من جهته، قال مستشار لوزير الداخلية الأوكراني الثلاثاء بعد تدمير جسر استراتيجي يربط بين أوكرانيا ورومانيا إن القوات الروسية تقصف أيضاً الجسور والسكك الحديدية لإبطاء شحنات الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا.
وأمس أعلنت القوات الروسية التي كثفت هجومها في دونباس منذ أسبوعين أنها نفذت غارات جوية على 59 هدفاً أوكرانياً. في الوقت نفسه اعترف الجيش الأوكراني في خطوة نادرة، بتقدم روسي في الشرق في منطقة خاركيف وفي دونباس حوض المناجم الذي يسيطر عليه جزئياً الانفصاليون الموالون لروسيا منذ 2014. واعترفت كييف أن الروس اتخذوا مواقع تمتد من الشمال إلى الجنوب، مما يوحي بأن موسكو تريد أن تطوق جيباً كبيراً ما زال يسيطر عليه الأوكرانيون.
وقال وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف في بيان أمس إن «الأسابيع المقبلة» ستكون «صعبة جداً». وأوضح أن الجيش الروسي «الذي يدرك من الآن هزيمته الاستراتيجية سيحاول التسبب بأكبر قدر ممكن من الآلام للجنود الأوكرانيين الذين حثهم على الصمود».
في خيرسون (جنوب)، المدينة الرئيسية الأولى التي استولت عليها القوات الروسية بعد غزوها لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي قال الجيش الأوكراني في بيان إن «المحتلين ألقوا قنابل الغاز المسيل للدموع على متظاهرين أوكرانيين كانوا يهتفون (خيرسون هي أوكرانيا)». وأضاف الجيش الأوكراني أن عدداً من المتظاهرين «جرحوا واعتقلوا»، من دون أن يذكر مزيداً من التفاصيل.
وفي خاركيف التي تبعد أحياؤها الشمالية والشرقية أقل من خمسة كيلومترات عن خط المواجهة، قتل ثلاثة أشخاص على الأقل وجرح 15 آخرون في عمليات قصف، حسب حاكم المنطقة أوليغ سينيغوبوف. وفي الطرف الجنوبي من نهر دونباس في مدينة ماريوبول الاستراتيجية الساحلية المحاصرة والمدمرة، «يقصف العدو بكثافة ويعطل وحداتنا بالقرب من مصنع آزوفستال»، حسبما ذكرت وزارة الدفاع الأوكرانية في تقريرها اليومي.
وطلب قائد اللواء 36 للبحرية في ماريوبول سيرغي فولينا مساعدة مرة أخرى، موضحاً أن هناك 600 جندي جريح ومئات المدنيين. وقال في رسالة على تطبيق «تلغرام» إن «رسالتي اليوم هي أنقذوا حامية ماريوبول ونفذوا عملية تسلل لإخراجهم من أجلنا». وأضاف: «سيموت الناس هنا (...) يموت المدنيون معنا (...) المدينة أصبحت شبه ممحية عن سطح الأرض».
وقال مستشار الرئيس الأوكراني أوليكسي أريستوفيتش إن «جهود الغزاة الروس تتركز حول سلوفيانسك وكراماتورسك وماريوبول»، حيث يحاولون طرد الجنود الأوكرانيين المتحصنين في مجمع آزوفستال للصناعات المعدنية الذي لجأ إليه مئات المدنيين أيضاً. وأضاف أن جهوداً تبذل «لإجبار فلاديمير بوتين على إطلاق سراحهم»، مؤكداً: «المدنيون أولاً لكننا نعمل أيضاً على إجلاء جنودنا».
على الصعيد الاقتصادي، أعلنت مجموعة غازبروم الروسية أمس، أنها علقت جميع شحنات الغاز إلى بلغاريا وبولندا، مؤكدا أن هاتين الدولتين لم تسددا ثمن الغاز بالروبل كما يطلب فلاديمير بوتين منذ مارس (آذار) الماضي. ورأت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في ذلك «ابتزازاً عبر الغاز»، مؤكدة أن هذين البلدين العضوين في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي اللذين يعتمدان إلى حد كبير على الغاز الروسي، سيحصلان على الغاز من «جيرانهما الأعضاء في الاتحاد الأوروبي». وسيعقد الوزراء الأوروبيون المسؤولون عن الطاقة الاثنين المقبل «دورة استثنائية»، كما أعلنت الوزيرة الفرنسية المسؤولة عن التحول البيئي باربارا بومبيلي مساء أمس.
وتأتي كل هذه التطورات بينما يسود شعور بالقلق من اتساع رقعة النزاع بعد سلسلة من الانفجارات التي نسبتها كييف إلى موسكو في منطقة ترانسدنيستريا الانفصالية الموالية لروسيا في مولدافيا. وقالت رئيسة مولدافيا مايا ساندو الثلاثاء: «ندين بشدة مثل هذه الأعمال»، مؤكدة أن سلطات بلادها «ستحرص على منع انجرار الجمهورية إلى نزاع». ودعت السكان إلى الهدوء. وقالت السلطات في هذه المنطقة الانفصالية أمس إن قرية حدودية تضم مستودعاً كبيراً للذخيرة للجيش الروسي تعرضت لإطلاق نار من أوكرانيا.
ولمساعدة أوكرانيا اقترحت المفوضية الأوروبية أمس تعليق كل الرسوم الجمركية على المنتجات المستوردة من هذا البلد إلى الاتحاد الأوروبي لمدة عام واحد. ويحتاج الاقتراع لموافقة البرلمان الأوروبي والدول الـ27 الأعضاء في التكتل. ورحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالاقتراح، معتبراً أن روسيا «تحاول إحداث أزمة أسعار عالمية» و«فوضى» في سوق الغذاء العالمية.
وكتب الرئيس الأوكراني على «تويتر» إنه تحدث مع نظيره الإندونيسي الذي دعاه إلى قمة مجموعة العشرين في بالي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟