التمرد الحوثي يخلق معاناة إنسانية على امتداد اليمن

صنعاء تعاني من النزوح.. وحرب شوارع في تعز وعدن

نازحون يمنيون أثناء مغادرتهم صنعاء الثلاثاء الماضي  (رويترز)، و أحد عناصر المقاومة الشعبية أثناء اشتباكات مع المتمردين الحوثيين في تعز أمس (أ.ف.ب)
نازحون يمنيون أثناء مغادرتهم صنعاء الثلاثاء الماضي (رويترز)، و أحد عناصر المقاومة الشعبية أثناء اشتباكات مع المتمردين الحوثيين في تعز أمس (أ.ف.ب)
TT

التمرد الحوثي يخلق معاناة إنسانية على امتداد اليمن

نازحون يمنيون أثناء مغادرتهم صنعاء الثلاثاء الماضي  (رويترز)، و أحد عناصر المقاومة الشعبية أثناء اشتباكات مع المتمردين الحوثيين في تعز أمس (أ.ف.ب)
نازحون يمنيون أثناء مغادرتهم صنعاء الثلاثاء الماضي (رويترز)، و أحد عناصر المقاومة الشعبية أثناء اشتباكات مع المتمردين الحوثيين في تعز أمس (أ.ف.ب)

تختلف الأوضاع المعيشية والإنسانية من مدينة إلى أخرى، وتتباين دون شك احتياجات اليمنيين حسب المدينة التي يقيمون فيها. فاحتياجات المجتمع المحلي المقيم في صنعاء ليست ذاتها أولويات الناس في عدن. مخاوفهما أيضا بالتأكيد. ففي صنعاء مثلاً تقف السيارات بالأيام لا الساعات، في صفوف طويلة، أمام محطات التزود بالوقود. بينما في مدينة عدن يقف المواطنون في طوابير وصفوف طويلة أمام أفران الخبز أكثر مما تقف سياراتهم أمام محطات البنزين، بحكم أن الأزمة الغذائية أكثر تفاقمًا في الأخيرة، إضافة إلى أن المواجهات المسلحة وانتشار القناصة في المباني على الخط السريع، وحرب الشوارع الدائرة في أحياء عدن، تسببت في توقف السيارات وانقطاع حركة السير شبه كليًا.
وهكذا.. تختلف احتياجات اليمنيين من مدينة لأخرى وأولويات حياتهم وما يتهدّدها من مخاوف ومخاطر. فانعدام المياه، وهي معضلة تاريخية يعاني منها سكان مدينة تعز، لا تشكل قلقًا بذات القدر، بالنسبة لسكان المكلا الذين تتركز مخاوفهم، في الآونة الأخيرة، حول توقف صرف المرتبات الحكومية، بالإضافة إلى مستقبل حرياتهم العامة والشخصية مع سيطرة تنظيم القاعدة على المكلا عاصمة حضرموت.
وإذا كان الناس يتذمرون في العاصمة صنعاء من انعدام وقلة وسائل المواصلات العامة، وخلو الشوارع بسبب النزوح الداخلي، أو توقف السيارات نتيجة انعدام الوقود والمشتقات النفطية، فإن ذات المشكلة موجودة في مدينتي تعز وعدن، مضافًا إليها مشكلة أكبر، لا وجود لها في صنعاء، وهي: حرب الشوارع الدائرة وسط أحياء سكنية مكتظة، ووجود قناصة وقتلة متمركزون في المباني والمفترقات، مما يجعل من الانتقال من مديرية إلى أخرى داخل أي من المدينتين، لغرض العمل، أو إسعاف مريض، أو لأي من شؤون الحياة الاعتيادية، أمرًا شبه مستحيل ومحفوفًا بالمخاطر، خاصة في عدن بحكم مساحتها الكبيرة وتباعد مديرياتها عن بعضها البعض.
على المستوى المعيشي، تزداد معاناة الناس في المدن والتجمعات الرئيسية، بينما تقل مظاهرها وانعكاساتها السلبية في الأرياف بخلاف الأوضاع الاعتيادية. ويبدو جليًا أن المدن المعتمدة في سلتها الغذائية على محاصيل الأرياف وما تنتجه محافظات أخرى، تعاني أزمة غذائية في الوقت الراهن وأبرزها المدن الكبرى الثلاث تباعًا: عدن، وتعز، والعاصمة صنعاء تحديدًا وليس المحافظة (خولان، ونهم كونها مناطق زراعية). بالمقابل يبدو تأثر المواطنين بانعدام السلع والمواد الغذائية أقل نسبيًا في المحافظات الزراعية، وبخاصة محافظة إب في الشمال المعروفة باسم اللواء الأخضر، أو محافظة لحج جنوبًا.
لكن سكان لحج، المحاذية لعدن، ليسوا في وضع يسمح لهم بالاستفادة من مقومات محافظتهم وخصوبة أرضها الزراعية. ذلك أن مدينة الوهط عاصمة محافظة لحج، صارت أشبه بأطلال مدينة خربة. وبالنسبة للسكان في المنطقة، فإن أزمتهم لا تدور حول انعدام الوقود والمشتقات النفطية، ولا نقص المواد الغذائية، ولا انقطاع التيار الكهربائي، كما هو حال مدن أخرى، بقدر ما تمثّل النجاة من الموت، أو البقاء على قيد الحياة، الأولوية رقم واحد بالنسبة لمن تبقّى من سكان الوهط، بعد المعارك الطاحنة والنزوح الجماعي الذي شهدته المدينة، خلال الأسابيع الماضية، باتجاه مدينة عدن، مع دخول الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق إلى المدينة.
بخلاف صنعاء وإب وحجّة، ومعظم المحافظات الجبلية المرتفعة عن مستوى سطح البحر، يبدو سُكان مدينة الحديدة الساحلية أكثر قدرةً على احتمال المعارك المسلحة والغارات الجوية، من قدرتهم على احتمال جحيم انقطاع التيار الكهربائي لساعات فحسب، فكيف بأيام متصلة من العيش من دون كهرباء؟ وفي هذه الشهور الحارة من السنة تحديدًا: فصل الصيف.
ذات الشيء في مدينة عدن، إنما بآثار مضاعفة بحكم زيادة الاستهلاك، وارتفاع عدد السكان، ذلك أن درجات الحرارة المرتفعة، وانطفاء المكيفات الهوائية، تجعل المعيشة ضربًا من الإقامة في داخل فرن. يضاف إلى ذلك أن انطفاء الكهرباء عن المدن، هذه المرة، يأتي بالتزامن مع أزمة انعدام الوقود والمشتقات النفطية في جميع المدن، وتوقف وحظر الملاحة في المياه الإقليمية اليمنية، مما يعني عدم قدرة المواطنين، بمن فيهم ذوي الدخل المتوسط والمرتفع، على توفير الوقود المشغل للمولدات الكهربائية المنزلية.
في محافظة تعز يبدو المجتمع المحلي أصْبر على حرب الشوارع الدائرة في المدينة، رغم ضراوتها، من صبره ومعاناته جراء الغارات الجوية. يعود ذلك إلى جملة عوامل مركبة، أهمها اكتظاظ المدينة والتصاق بيوتها وضعف أساساتها الإنشائية، والتصميم العشوائي للمدينة ككلّ، وقلة الممرات الهوائية كون المدينة مسورة بالجبال، هذه العوامل مجتمعة تجعل القصف الجوي أشد رعبًا وإخافة للناس في تعز منه في أي مدينة أخرى.
في ذمار، شمالي وسط اليمن، الوضع مختلف نسبيًا وأكثر هدوءا. لكن حتى المحافظات الواقعة بمعزل عن المواجهات المسلحة، أو الأقل تعرضًا للقصف، لديها معاناة من نوع آخر مرتبطة بالجانب الاقتصادي. إذ يعتمد دخل قطاع واسع من سكان محافظة ذمار، بشكل كبير، على إنتاجها الزراعي الذي يتم استهلاكه وتصديره، بشكل يومي، إلى المحافظات الأخرى. تأتي نبتة القات في المرتبة الأولى من حيث العائدات المادية وحجم الاستهلاك وعدد الأيدي العاملة، يليها مادة القمح ثم بقية المحاصيل. مما يجعل العامل الأكثر تأثيرا على الوضع المعيشي هو انقطاع الخطوط الرابطة بين المحافظات الداخلية، بفعل الحرب، وتوقف حركة النقل وتجارة القات التي يتم تصديرها من ذمار بشكل يومي، إلى صنعاء وعدن. لكن، كل ذلك ليس سوى عنوان جانبي في الموضوع، لأن الهمّ الأول بالنسبة لسكان ذمار، شأن سكان مجمل المحافظات الزراعية، يتمثل في انعدام المشتقات النفطية ومادة الديزل. ذلك أن المزارع اليمني يعتمد عليها بشكل أساسي، ولم تشجع الدولة خلال السنوات الماضية على انتشار نظم زراعية بديلة، أكثر عملية وأقل تكلفة، كالمضخات المائية بنظام الطاقة الشمسية مثلاً. ومن اللافت في هذا السياق، أن الوقود ومشتقاته متوافر بشكل طبيعي ولا توجد أي مظاهر للأزمة في المحافظات التي لا تسيطر عليها، أو توجد فيها ميليشيات الحوثي، كمأرب وحضرموت مثلاً.
كل المدن اليمنية إذن تعاني لكن تختلف همومها، من مدينة إلى أخرى، ومسبباتها، ودرجة خطورتها وقدرة الناس على احتمالها، اختلاف في الدرجة وليس في النوع. وحده انقطاع الكهرباء أكثر همّ يتوحّد فيه اليمنيون شمالاً وجنوبًا. وإذا كان اليمنيون بحاجة إلى إغاثة إنسانية واقتصادية عاجلة، فإن أكثر ما يحتاج إليه اليمنيون في الوقت الراهن هو عودة الدولة ومؤسساتها، والاحتكام إلى العقل، وإلقاء السلاح فورًا، والعودة إلى طاولة الحوار، وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 2261 من قبل الحوثيين والرئيس السابق، قبل أن يتسببوا في انزلاق البلاد في حرب تأكل الأخضر واليابس والخاسر الوحيد هو اليمنيون أنفسهم.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)