طلب قائد الجيش اللبناني فتح تحقيق يحصّن العلاقة مع طرابلس

يتوخى منه تحديد المسؤوليات والمحاسبة لوقف المزايدات الانتخابية

العماد جوزف عون (الجيش اللبناني)
العماد جوزف عون (الجيش اللبناني)
TT

طلب قائد الجيش اللبناني فتح تحقيق يحصّن العلاقة مع طرابلس

العماد جوزف عون (الجيش اللبناني)
العماد جوزف عون (الجيش اللبناني)

الفاجعة التي أصابت طرابلس وهزت لبنان بغرق زورق وسقوط ضحايا ستترك بصماتها على الوضع السياسي في عاصمة الشمال الذي يتساوى بأزماته المعيشية والاجتماعية مع سائر المناطق اللبنانية، مع فارق أساسي لم يعد من الجائز إغفاله بتصنيف العاصمة الثانية للبنان كواحدة من المدن الأكثر فقراً على ساحل البحر الأبيض المتوسط بانعدام أبسط مقومات العيش الكريم للسواد الأعظم فيها ممن يضطرون لسلوك الممرات البحرية غير الشرعية هرباً من الموت البطيء الذي يتهددهم لعلهم يجدون الملجأ الذي يؤويهم للحصول على لقمة العيش.
فالفاجعة التي حلت بطرابلس بغياب الدولة التي لا تكترث لهموم ومآسي من يقيم فيها، وتعزز وجود المرجعية السياسية التي تنوب فيها للالتفات للأوضاع الاجتماعية والإنسانية المتردية التي يرزح سكانها تحت وطأتها ومعهم الرقم الصعب من النازحين السوريين. كل هذا يدفع بجميع هؤلاء لليأس ولا يجدون سوى الهجرة غير الشرعية، شعوراً منهم بأن مشاكلهم وإن كانت محدودة لا تُعالج بالبيانات والمواقف السياسية التي تصدر عن أركان الدولة في كل مرة تحل بسكانها مأساة كتلك التي أصابتهم من جراء غرق زورق الموت.
لكن من أصابتهم الفاجعة بفقدان أحبائهم في عرض البحر لا يمكن مواساتهم بمواقف سياسية، خصوصاً تلك التي تصدر عن كبار المسؤولين ومنهم من يغيب عن سماع أنينهم وبعضهم من يعيش في العراء، ولا يلام المصابون في رد فعلهم الفوري حيال الكارثة وقد يكون من حقهم أن يعبروا بكلمات قاسية تأتي في سياق فورة غضب، شرط أن يكف البعض عن الاصطياد في الماء العكر.
فالهجرة غير الشرعية لم تعد لبنانية فحسب، وإنما تحولت إلى ظاهرة عالمية ولا يمكن لملمة جروح وندوب ذوي المصابين إلا بمبادرة شخصية من قائد الجيش العماد جوزف عون لقطع الطريق على من يحاول استثمار الفاجعة وتوظيفها سياسيا، سواء من خلال لجوء البعض لاستغلالها في الانتخابات النيابية أو لتصفية حساباته مع المؤسسة العسكرية بشخص من يقف على رأسها، بذريعة أنه واحد من أبرز المرشحين لرئاسة الجمهورية، مع أن المطلوب راهناً أن نُبقي على كيان الدولة بكل علاته لإنجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده.
وتأتي مبادرة قائد الجيش بدعوته إلى إجراء تحقيق فوري وشفاف في محلها، وما استدعاء الضابط المسؤول عن الخافرة وعناصرها من العسكريين للاستماع إلى أقوالهم بالتزامن مع الاستماع لأقوال الناجين من غرق زورق الموت لكشف الملابسات التي أدت إلى غرقه وتحديد المسؤولية إلا بمثابة تأكيد منه على مضيه في التحقيق إلى حين تبيان الحقائق بوضع النقاط على الحروف والاقتصاص من الذين يُثبت التحقيق بأن بعض من كان في الخافرة قد أساء التصرف ويجب أن ينال عقابه.
أما أن لجوء البعض ممن يحاولون استغلال وجع ذوي الضحايا إلى تعميم المسؤولية وصولاً لاستهداف قائد الجيش واستباقاً لما سيؤدي إليه التحقيق، فإنه يريد أن يأخذ البلد وليس طرابلس فقط إلى مكان آخر وعن سابق تصور وتصميم، خصوصاً أنه ليس في وارد لملمة التحقيق أو الالتفاف عليه، كما يقول مصدر أمني بارز لـ«الشرق الأوسط»، وإلا يكون في عداد من يدق مسماراً في نعش المؤسسة العسكرية، ومن يعرفه عن كثب يؤكد أنه يجمع بين حرصه على المؤسسة العسكرية وبين الحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم بإعطاء الأولوية لحماية السلم الأهلي، وبالتالي لن يتدخل في التحقيق لأنه يقف تحت سقف القانون.
فالفاجعة التي حلت بطرابلس التي هي مفجوعة في الأساس من جراء انعدام الخدمات المفترض أن تؤمنها الدولة لمواطنيها وتتلازم هذه المرة، كما في المرات السابقة، مع انحلال المؤسسات والإدارات الرسمية وانهيار معالم الدولة التي لم يبقَ من معالمها سوى المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية الأخرى التي يتشكل منها العمود الفقري لوجودها لتبقى على قيد الحياة كرمز لا غنى عنه لإعادة تركيبها وبعث الروح فيها.
لذلك من غير الجائز استباق التحقيق الذي باشرته مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تحت إشراف القضاء العسكري والقفز فوقه لإصدار الأحكام بالنيات على المؤسسة العسكرية بدلاً من تحييدها وعدم التضحية بدورها وتقديمها ورقة للذين يحاولون استثمار الفاجعة في الانتخابات النيابية أو استغلالها لتصفية حساباتهم الرئاسية مع قائد الجيش بعد أن أحسنت المؤسسة العسكرية في تعاطيها مع الاحتجاجات التي انطلقت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ولم ترضخ للضغوط التي مورست عليها لوضعها في مواجهة المجموعات التي انتفضت احتجاجاً على تدهور الأوضاع وضد المنظومة الحاكمة والطبقة السياسية.
وعليه، بات من الضرورة بمكان توفير الحصانة الشعبية للمؤسسات الأمنية والعسكرية، وأن نعطي فرصة للتحقيق ليأخذ مجراه الطبيعي وحسب الأصول كشرط لتبيان الحقيقة وعدم ترك جروح ذوي الضحايا مفتوحة بما يعطي الذرائع لمن لديه أجندة سياسية، ويرى أن الظروف مواتية لركوب موجة الغضب الشعبي التي تعم حالياً الشارع الطرابلسي ويجد فيها الفرصة لتنفيذها، خصوصا أن ضرب المؤسسة العسكرية يعني حتماً بأن لبنان سيدخل في غيبوبة أمنية تضاف إلى السياسية من شأنها أن تقود إلى الانفلات الأمني على نطاق واسع.
وأخيراً فإن العماد جوزف عون يقف حالياً أمام امتحان صعب ولديه القدرة، كما يقول من يعرفه عن كثب، لتجاوز القطوع الكبير قبل أن يتمدد باتجاه مناطق أخرى تؤدي إلى تقطيع أوصال البلد بالأمن هذه المرة، وبعد أن تقطعت أوصاله سياسيا، وهذا يتطلب من الجميع التهدئة بانتظار صدور التحقيق لتحديد المسؤوليات حيال غرق زورق الموت الذي ذهب ضحيته من غامروا بأرواحهم طلباً للقمة العيش بعد أن ضاق بهم البقاء في أرضهم.
كما أن معاناة الطرابلسيين هي نسخة طبق الأصل عن معاناة اللبنانيين ومن بينهم جموع العاملين في الأسلاك الأمنية والعسكرية الذين يؤدون واجباتهم باللحم الحي ويعانون كسواهم من تردي أوضاعهم في بلد يقف على حافة الانفجار الشامل ولا يراهنون على الانتخابات النيابية خشية من أن تؤدي إلى التمديد للطاقم السياسي المشكو منه وتحميله مسؤولية انهيار البلد، خصوصاً أن «سترات النجاة» لإنقاذهم من قبل المجتمع الدولي ما زالت بعيدة المنال بعد أن تعثرت الاستجابة لشروطه للانتقال به إلى مرحلة التعافي، إضافة إلى أن لا علاقة لإصرار قائد الجيش على إجراء تحقيق شفاف بحسابات رئاسية، وإنما لوضع الأمور في نصابها لقطع الطريق على من يحاول نصب الأفخاخ للإيقاع بين الجيش وذوي الضحايا وصولاً للاقتصاص من الذين يقفون وراء تجار زوارق الموت باستغلالهم لأوجاع الطرابلسيين الذين يلقون حتفهم في عمق البحر.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.