لبنان يتمسّك بحصرية التفاوض والسلاح

نتنياهو يقبل بفتح مسار تفاوضي مع بيروت... تحت النار

جانب من الدمار في منطقة كورنيش المزرعة بعد يوم على القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في منطقة كورنيش المزرعة بعد يوم على القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
TT

لبنان يتمسّك بحصرية التفاوض والسلاح

جانب من الدمار في منطقة كورنيش المزرعة بعد يوم على القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)
جانب من الدمار في منطقة كورنيش المزرعة بعد يوم على القصف الإسرائيلي الذي استهدف المنطقة (أ.ف.ب)

يتمسّك لبنان الرسمي بقراره «حصر التفاوض»، بالتزامن مع الاستمرار في مسعى «حصر السلاح» الذي خَطَت الحكومة خطوة إضافية باتجاهه بقرار تكليف الجيش والقوى الأمنية «المباشرة فوراً، بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها».

وقال رئيس الحكومة نواف سلام لـ«الشرق الأوسط» إنه سيقوم بجولة خارجية لدعم الموقف اللبناني، وحشد التأييد لمساعي وقف الحرب، واستعادة سلطة الدولة على ترابها وقرار السلم والحرب فيها، مشيراً إلى أن مسار حل الأزمة لبنانياً واضح، يبدأ بوقف إطلاق نار وانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء مفاوضات مباشرة بالتوازي مع استكمال عملية حصر السلاح التي أخذت الحكومة خطوة إضافية نحوها في بيروت.

ووافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على فتح مسار تفاوضي مع لبنان، تحت النار؛ إذ أعلن أنه أعطى توجيهاته للبدء بمفاوضات مباشرة مع لبنان «في أقرب وقت ممكن»، وأوضح أن «المفاوضات ستتناول نزع سلاح (حزب الله) وإقامة علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان».

وترددت معلومات في بيروت أن الوفد اللبناني سيكون مصغراً برئاسة السفير سيمون كرم، بينما يتولاه عن الجانب الإسرائيلي رون دريمر. وسيُعقد يوم الثلاثاء اجتماع تحضيري بين سفيري لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن.


مقالات ذات صلة

وساطة تُعيد واشنطن وطهران إلى الحوار

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران في 23 مايو (إ.ب.أ)

وساطة تُعيد واشنطن وطهران إلى الحوار

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة وافقت على إجراء محادثات مع إيران بعد أن طلبت طهران، عبر الوسطاء، مواصلة المفاوضات، لكنه أضاف أن وقف.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
رياضة عالمية هاري كين تعلق عليه الآمال أمام النرويج (أ.ف.ب)

المونديال: قمة ثقيلة بين إنجلترا والنرويج

تتجه الأنظار، السبت، إلى مواجهتين من العيار الثقيل في ربع نهائي كأس العالم 2026؛ إذ تصطدم إنجلترا بالنرويج في ميامي، في حين تلتقي الأرجنتين حاملة اللقب.

سعد السبيعي (ميامي (الولايات المتحدة)) علي العمري (ميامي (الولايات المتحدة))
المشرق العربي 
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)

العراق: «تسوية الفساد» بشرط استعادة الأموال

قال مجلس القضاء في العراق، أمس (الجمعة)، إنه يبحث مع الحكومة آليات قانونية تجمع بين محاسبة المتهمين بقضايا فساد واستعادة الأموال العامة، مع بحث إمكانية تخفيف.

حمزة مصطفى (بغداد)
أفريقيا 
لقطة من فيديو نشره الجيش المالي للمعارك التي جرت في بلدة أنفيس

القوات المالية والروسية تستعيد «أنفيس»

استعاد الجيش المالي بدعم روسي، أمس (الجمعة)، بلدة أنفيس شمال البلاد، بعد أسبوع من المعارك العنيفة ضد «جبهة تحرير أزواد»، المتحالفة مع «جماعة نصرة الإسلام.

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي سيارة دمرتها ضربة إسرائيلية في قرية كفر رمان في جنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

عون يطالب «حزب الله» بإثبات خياره اللبناني

طالب الرئيس اللبناني جوزيف عون «حزب الله» بإثبات لبنانيته، قائلاً: «إذا لم يتجاوب (حزب الله) مع الجهد المبذول لإنهاء الحرب في الجنوب فسيتحمّل مسؤولية قراره.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مصادر غزّية: اتصالات بين «حماس» و«فتح» بشأن الانتخابات

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مصادر غزّية: اتصالات بين «حماس» و«فتح» بشأن الانتخابات

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

كشف مصدران من «حماس» وآخران من فصائل فلسطينية، عن وجود جهود عربية ودولية للدفاع باتجاه إحداث توافق فلسطيني شامل بشأن إجراء الانتخابات التشريعية التي أصدر الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قراراً رئاسياً بإجرائها في الثامن والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ووفقاً للمصادر، فإن هناك اتصالات ورسائل متبادلة بين قيادات من حركتي «فتح» و«حماس» قبل إصدار الرئيس عباس قراره الأخير منذ أيام.

وستكون هذه أول انتخابات تشريعية تُجرى في الأراضي الفلسطينية منذ عام 2006، والتي فازت فيها «حماس» على حساب «فتح»، قبل تدهور العلاقات وسيطرة الأولى على قطاع غزة عسكرياً، تبعته سنوات من الانقسام الحاد الذي أثَّر على حياة الفلسطينيين ولا يزال قائماً حتى الآن.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية برام الله 25 أبريل 2026 (د.ب.أ)

توافق بدعم عربي

ووفقاً للمصادر الأربعة، فإنه تم قبل إصدار المرسوم الرئاسي، تبادل رسائل بين قيادات من الحركتين، بمتابعة من بعض الدول العربية خصوصاً مصر، في إطار محاولة الدفع باتجاه أن تكون هناك انتخابات شاملة في الفترة المقبلة، ضمن الإصلاحات وتعزيز النهج الديمقراطي مجدداً في الأراضي الفلسطينية.

ولوحظ أن حركة «حماس» لم تُصدر أي موقف سواء كان سلبياً أو إيجابياً إزاء القرار الرئاسي، في حين أنها في فترات سابقة كانت تصدر بيانات بشكل سريع ترفض فيها ما كانت تقول عنه باستمرار إنه تفرد السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، بالقرارات الوطنية المهمة.

وحول ما إذا كان عدم التعليق على القرار الرئاسي جاء بطلب من بعض الجهات العربية والدولية، قال مصدر في «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إنه سيصدر بيان لاحقاً بهذا الشأن، من دون أن يقدم تفاصيل أخرى.

ولم تُصدر أيٌّ من الفصائل الفلسطينية سواء المنضوية تحت إطار منظمة التحرير، مثل «الجبهة الشعبية» المعروفة بتأييدها لمواقف «حماس» مؤخراً، وحتى الموجودة خارج المنظمة مثل «الجهاد الإسلامي»، أي مواقف تؤيد أو ترفض قرار عباس، مما يشير إلى إمكانية نجاح الجهود المصرية والعربية والدولية في محاولة إيجاد توافق فلسطيني على المضي قدماً بخطوات أكثر إيجابية إزاء ذلك.

مسار سياسي متكامل

ووفقاً لمصدر من الفصائل الفلسطينية، فإن هناك عدة دول عربية وإسلامية وأوروبية كان لها دور في الدفع باتجاه المسار الديمقراطي والتوافق عليه فلسطينياً، في ظل أن هذه الدول معنية بإصلاح السلطة الفلسطينية ليكون لها دور كبير في شؤون قطاع غزة في المستقبل القريب وبما ينزع محاولات إسرائيل إبقاء سيطرتها على القطاع، واستمرار في عدوانها على الضفة الغربية، خصوصاً أن هذه الدول ستدعم مساراً سياسياً متكاملاً قائماً على دعم دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967.

كانت «الشرق الأوسط» قد انفردت قبل أسابيع بلقاء جمع قيادة «حماس» مع مسؤولين فرنسيين. وعند سؤال عدة مصادر من «حماس» عمَّا إذا كان ذلك له علاقة بترتيب البيت الفلسطيني رفضت التعليق.

فلسطينية تلوّح بعلم «فتح» خلال مشاركتها بالمؤتمر الثامن للحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)

وتلعب فرنسا دوراً مهماً إلى جانب السعودية ودول عربية وإسلامية في المنطقة من أجل دعم حل الدولتين، وتأكيد حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم ضمن قرارات الأمم المتحدة.

وقد يكون ذلك مرتبطاً بعملية حصر سلاح الفصائل الفلسطينية بغزة، التي تربطها «حماس» بمسار سياسي واضح يؤدي إلى تقرير حق مصير الفلسطينيين. وهو أمر دعمته «خارطة الطريق» التي وضعها الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، مما يشير إلى تبنيه من المجلس والإدارة الأميركية التي باتت أيضاً من جانبها بدأت تتحرك مؤخراً لدعم بعض خطوات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وفق بعض التقارير الإعلامية الأجنبية وكذلك الإسرائيلية.

توافق من بُعد

وبينما لم تستبعد المصادر من «حماس» والفصائل، أن يكون هناك لقاء وطني قريب في القاهرة بدعوة من مصر في حال تم التوافق على ذلك، إلا أن هناك شكوكاً لدى بعض الفصائل بإمكانية نجاح ذلك.

ويبدو أن مصر والدول الأخرى تسعى لإيجاد توافق فلسطيني، حتى ولو لم تعقد اجتماعات مباشرة بين الفصائل، بما يضمن إجراء انتخابات تشريعية ثم للمجلس الوطني وكذلك رئاسية لاحقاً.

وحسب مصدر فصائلي، فإن هناك مقترحات عدة للخروج من الأزمة السياسية الراهنة في فلسطين، يينها إمكانية أن تشمل الانتخابات التشريعية قائمة فلسطينية موحدة من جميع القوى والفصائل، مشيرةً إلى أن هناك تباينات بشأن ذلك سواء ما بين الفصائل أو داخلها، كما أن هناك مقترحات أخرى يجري بحثها، ولكن هذا سيحتاج إلى مزيد من اللقاءات والاتصالات والجهود.

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية 25 أبريل 2026 (أ.ب)

ونص المرسوم الرئاسي لإجراء الانتخابات التشريعية على دعوة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة للمشاركة فيها.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر في المجتمع المدني أن هناك توافقاً بين السلطة الفلسطينية وجهات غربية كانت تضغط باتجاه إجراء الانتخابات، على أن تتم أيضاً في قطاع غزة، مبينةً أن التوافق الذي تم التوصل إليه بشكل مبدئي هو على أن تجري في مخيمات وسط القطاع فقط بسبب جهوزيتها وقدرتها على استضافة مثل هذه الانتخابات، خصوصاً أنها لم تتضرر بنيتها كثيراً بفعل الحرب على غير باقي مناطق القطاع.

ووفقاً لمصدر فصائلي، فإنه لم يحسم بعد ما إذا كانت ستجري الانتخابات فقط في وسط القطاع، أو جميع المناطق ضمن ترتيبات معينة سيتم التوافق بشأنها.

كانت الانتخابات المحلية التي جرت في أبريل (نيسان) الماضي، قد نُظمت في مدينة دير البلح حصراً داخل قطاع غزة فقط، فيما غابت عن باقي المناطق.

وقالت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، السبت، إنها جاهزة لإجراء الانتخابات في قطاع غزة، وفق السجل المدني وليس الانتخابي بسبب نزوح وتهجير السكان.

مفاوضات القاهرة

يأتي ذلك في وقت تُجرى في القاهرة مفاوضات بين «حماس» والوسطاء على البنود المعدلة من «خارطة الطريق» بشأن الانتقال للمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال مصدر قيادي من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن اللقاءات إيجابية ولكنها مستمرة ولم يحسم منها شيء بشكل كامل، على أمل أن يتم ذلك خلال الساعات والأيام المقبلة، مؤكداً أن المشكلة ليست في موقف الحركة والفصائل، بل في موقف إسرائيل وملادينوف الذي في كل مرة يُظهر موقفاً منحازاً لحكومة الاحتلال.

ووفقاً للمصدر ذاته، ومصدر آخر من الفصائل الفلسطينية، فإنه تم التوافق بشكل كبير حول مضامين 13 بنداً من أصل 15 من «خارطة الطريق»، وتم سد الفجوات بشأنها بشكل كبير ضمن المضامين التي سبق أن تم التوافق عليها، فيما لا يزال البند الخامس بشأن الموظفين وحقوقهم، والثامن بشأن حصر السلاح، مثار خلاف وسيتم تعميق التفاوض بشأنهما بما يسمح بسد الفجوات فيهما للوصول إلى مقاربات واضحة في جميع البنود ويضمن الوصول إلى اتفاق.

وأكد المصدران أنه لم يحسم شيء بشكل كامل حتى الآن، وستتواصل اللقاءات لحين سد جميع الفجوات.

Your Premium trial has ended


جنوب لبنان المعلّق بين «مضيق علي الطاهر» ومضيق هرمز

عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)
عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)
TT

جنوب لبنان المعلّق بين «مضيق علي الطاهر» ومضيق هرمز

عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)
عمارة حوّلها القصف الإسرائيلي إلى ركام (الشرق الأوسط)

هذه الحجارة الصغيرة كانت جدراناً. كانت سقوفاً أوهمت ساكنيها أنها ستردّ عنهم حرّ الصيف وبرد الشتاء وغدر الرياح. سقوف تحتضن الأم تحتها أطفالها. وتطبخ لهم ما يردّ الجوع. ومنها كانوا يذهبون إلى مدارسهم ويكبرون تحت نظر آبائهم وابتسامات الأجداد والصور المعلّقة على الحيطان. كانت كذلك قبل هبوب الإعصار ولم تعد.

هذه الحجارة الصغيرة كانت عمارات توهّم ساكنوها أنها مقرهم الدائم وملجأهم الآمن. يشرح لك زميلك. الشقة المبقورة والمحترقة تعني أن مسيّرة استهدفتها في عملية اغتيال. تلة الركام تعني أن مقاتلة اقتلعت المبنى ومن لم يسعفهم الحظ في الهرب. تحدّق في الركام المختلط بخطوط الكهرباء. هذه بقايا شرفة كانت تصلح لارتشاف الشاي والتقاط الأنفاس بعد العمل في الحقل أو الحديقة. وهذه بقايا أسرّة كانت تصلح للنوم، وربما للأحلام. وهذه ركوة قهوة فقدت وظيفتها إلى الأبد. وهذه بقايا شبابيك ماتت مع جدرانها. ما أصعب الإقامة على مقربة من رجل اسمه بنيامين نتنياهو. تضاعفت الصعوبة بعد «طوفان السنوار».

دمار في موقع قصفته إسرائيل في الجنوب (الشرق الأوسط)

نصحنا جندي في الجيش اللبناني بعدم الاقتراب أكثر. هذه الطريق تؤدي إلى تلة علي الطاهر. حوّلها الاحتلال منطقة للقتل. لا يرحم أي جسم متحرك فيها. وفي الجنوب كلام أن تلة علي الطاهر التي اقترب الجيش الإسرائيلي من أطرافها، تحتضن أنفاقاً وغرف عمليات لمقاتلي «حزب الله». وأن الجيش الإسرائيلي يستعد للانقضاض عليها فور تراخي الضوابط التي فرضها دونالد ترمب على تحركاته. ارتدى موضوع علي الطاهر رمزية غير عادية. يعتقد خبراء أن إسرائيل قد لا تتردد في دفع الخسائر التي تستلزمها السيطرة على التلة.

أخذنا بنصيحة الجندي وقلنا نكتفي بتفقد جروح المدينة وبينها أسواقها التجارية التي نفّذ جيش الاحتلال قراراً بإعدامها في ما يشبه استحداث مقبرة جماعية. فجأة سمعنا طنيناً آتياً من الفضاء. قال زميلي ثائر عباس إنها المسيّرة الإسرائيلية. راحت المسيّرة تحوم وكأنها تذكّر المقيمين تحتها بأنهم يعيشون تحت رحمتها. وأنها تملك حق شطبهم ساعة تشاء. وأنها قادرة على رصد حركاتهم وإحصاء أنفاسهم. سمعت من قبل أزيز المسيّرة فوق بيروت، لكن صوتها على مقربة من علي الطاهر يجعل صوتها أقرب إلى حركة السكاكين في الشرايين. إنها تذكّر المقيم تحتها بأن يد الاحتلال طويلة. تذكّره بأنه خسر الحرب.

مبنى تحول إلى ركام (الشرق الأوسط)

تسمع في النبطية أن قسوة ما عاشته، على رغم فظاعته، أقل بكثير مما لحق بالقرى الحدودية التي تقيم الآن في قبضة الجيش الإسرائيلي. الجيش الذي تفنن في محو القرى بشكل كامل أو شبه كامل ليجعل عودة سكانها مستحيلة. لم يترك سقفاً. ولم يترك جداراً. ولم ينس اغتيال الأشجار وأعمدة الكهرباء. تخاف حين تسمع أن مشهد عشرات القرى الحدودية يذكّر بمشاهد غزة. وتسمع أيضاً أن جثثاً لا تزال تقيم تحت الركام في القرى المطحونة، وأن المسيّرات تنهال على الجرافات إن حاولت الاقتراب لإعادة الجثث إلى أحبائها ليكفّنوها بمناديل دموعهم وحفنات تراب. ما أقسى أن يتحول الوطن قبراً أو مشروع قبر.

فتح رجل يعرف الخريطة وراح يستعرض أسماء القرى وما بقي منها. تخوّف من جولة جديدة تتقدم فيها القوات الإسرائيلية إلى علي الطاهر، وهو ما قد يغريها بالتقدم أكثر إلى تلال أخرى. ذكّرنا الرجل أن أطماع إسرائيل في لبنان قديمة، خصوصاً في مياهه.

ويمكن أن يسمع الزائر أن مصير «مضيق علي الطاهر» مرتبط بمصير مضيق هرمز. والحقيقة أن المتابع لا يحتاج إلى من يذكّره بالخيط الإيراني الذي يربط جنوب لبنان بالأزمة الكبرى في الإقليم. الأمر يتعدى ورود لبنان في البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية ومن باب وقف النار.

دمار واسع أمام مستشفى جبل عامل في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

الخيط الإيراني ليس وليد مذكرة التفاهم. إنه أعمق وأقدم. ففي الطريق إلى صور ومنها إلى النبطية تطالعك صور تحكي القصة. صور حسن نصر الله ورفاقه. وصور الخميني وخامنئي الأب ومعه خامنئي الابن وصور قاسم سليماني. بالإضافة إلى صور نبيه بري الذي مررنا قرب معقله في المصيلح الذي سبق أن زرناه وحاورناه فيه.

حزنت وأنا أراقب جنوداً من الجيش اللبناني الذي دمّر الجيش الإسرائيلي مواقعه في جنوب الليطاني وقتل عشرات من جنوده. قصّة الجيش مأساة في بلاد قصتها مأساة. ما أصعب أن يكون الجيش قوياً في بلاد هشّة. بلاد يرافقها الانقسام منذ ولادتها ولا يغيب أمام كل استحقاق وطني كبير. لا يعاني الجيش اللبناني نقصاً في الكفاءة أو الشجاعة. افتقر دائماً إلى وسادة صلبة من القرار السياسي الجامع. يُستدعى دائماً إلى مهمات شائكة تفوق قدرته وتجهيزه وفي غياب قرار سياسي بلا التباسات.

بائع خضار أمام أبنية مهدمة في مدينة صور (رويترز)

لم تبدأ القصة في السنوات الأخيرة. بدأت حين وقّع قائد الجيش اللبناني الراحل العماد إميل بستاني «اتفاق القاهرة» مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. يومها تنازلت السلطة اللبنانية مرغمة عن جزء من السيادة لتفادي حرب داخلية ستأتي لاحقاً. كلّف لبنان عملياً بأن يبقى جبهة مفتوحة ضد إسرائيل فيما صمتت الجبهات الأخرى، ولا سيما في الجولان السوري، خصوصاً بعد حرب 1973. هكذا علق جنوب لبنان على خط التوتر العالي المتمثل بالنزاع العسكري مع إسرائيل. في 1982 غزت إسرائيل لبنان واحتلّت بيروت. ولدت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) ثم أمر حافظ الأسد بشطبها في منتصف الثمانينات لمصلحة «المقاومة الإسلامية» التي يمثّلها «حزب الله». وهكذا تحوّلت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية حدوداً إيرانية - إسرائيلية كانت حرب 2006 إحدى حلقاتها.

على مدى عقود كانت المأساة اللبنانية مبقعة بالانهيارات والاغتيالات. ضريح كمال جنبلاط. وضريح بشير الجميل. وضريح رينيه معوض. وضريح رفيق الحريري. تم قطع رأس كل من حاول استعادة القرار اللبناني ولو من مواقع مختلفة وعلى طريقته.

إزالة ركام أبنية دمرها القصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

في طريق العودة تذكّرت جنوبياً دار بيني وبينه حوار على مدى ما يزيد على ثلاثة عقود. إنه محسن إبراهيم، الجنوبي الذي كان أميناً عاماً لـ«منظمة العمل الشيوعي» و«الحركة الوطنية اللبنانية». اعترف إبراهيم أن «الحركة الوطنية حمّلت لبنان ما يفوق طاقته حين ذهبت بعيداً في احتضان المقاومة الفلسطينية». وفاجأني ذات يوم حين قال لي «إن حزب الله يحمّل لبنان أيضاً ما يفوق طاقته». وهو كان يتكلم بعد سنوات من اغتيال رفيق الحريري وتدخل الحزب عسكرياً في سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد.

في طريق العودة، رأينا موكباً لـ«اليونيفيل» يغادر إلى غير رجعة. كان الحضور الدولي في منطقة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية مفيداً أحياناً لكنه كان عاجزاً دائماً. فقد عاشت هذه القوة الدولية تحت انتهاكات إسرائيلية لا قدرة لها على منعها وفوق أنفاق لـ«حزب الله» كانت تُعدّ للحرب المقبلة ولم تكن قادرة إلا على تجاهلها.

يعيش لبنان اليوم مأزقاً أشد صعوبة من كل ما عاشه. بعد «طوفان السنوار» اختار «حزب الله» الذهاب إلى «إسناد غزة». وبعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي اختار الذهاب إلى حرب «الثأر» له. ونتيجة الحربين ماثلة في احتلال أجزاء من جنوب لبنان. غيّرت إسرائيل بعد «الطوفان» عقيدتها العسكرية. لم تعد تقبل التعايش مع ما تسميه أخطاراً قبالة حدودها. اختارت العبور إلى أراضي الآخرين وإقامة «مناطق آمنة». واضح أنها اتخذت قراراً بإخراج لبنان من الشق العسكري في النزاع معها. ترافق ذلك مع إرادة دولية بمطالبة لبنان ببسط سيطرته على كامل أراضيه بقواه الشرعية وحدها. وهذا يعني نزع سلاح «حزب الله» أو حصره وفق الصيغة الملطّفة. وواضح أن لا الحزب يقبل ذلك ولا إيران تقبل. إصرار «حزب الله» على الاحتفاظ بسلاحه أطلق مشاعر التباعد والحديث عن صيغ أخرى للتعايش أو الطلاق المخفف. جنوب لبنان معلّق على الحبل الممتد بين مضيق علي الطاهر ومضيق هرمز. ولبنان معلّق على ملامح أزمة مكوّنات تُنذر بتأكيد أن لبنان خسر الحرب في جنوبه، وأنه يستعد لخسارتها أيضاً في عاصمته.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


العراق: «تسوية الفساد» بشرط استعادة الأموال


رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)
TT

العراق: «تسوية الفساد» بشرط استعادة الأموال


رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي مستقبلاً رئيس مجلس القضاء فائق زيدان في بغداد (إعلام حكومي)

قال مجلس القضاء في العراق، أمس (الجمعة)، إنه يبحث مع الحكومة آليات قانونية تجمع بين محاسبة المتهمين بقضايا فساد واستعادة الأموال العامة، مع بحث إمكانية تخفيف العقوبات بحق من يعيد الأموال طوعاً، ضمن تطبيق قانون تعديل العفو العام.

وأوضح المجلس، في إيضاح صحافي، أن النهج يستند إلى ضوابط دستورية، مؤكداً عدم شمول الجرائم المرتكبة بعد نفاذ القانون بأي عفو.

وأكد القضاء أن «خريطة طريق» تستهدف التوفيق بين متطلبات العدالة وحماية المال العام، عبر إجراءات تتيح استكمال استرداد المبالغ المستحقة، مع استمرار الملاحقات القضائية، بما يضمن عدم الإفلات من المساءلة وتحقيق المصلحة العامة.

إلا أن خبيراً قضائياً قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد نص قانوني يجيز تسوية جرائم الفساد أو أي جريمة أخرى»، مضيفاً أن قانون العفو يتضمن أحكاماً محددة تتعلق بالمحكومين في جرائم الاختلاس أو هدر المال العام، ضمن مدد وشروط قانونية.